التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خسرنا كل شيء

 الكاتب: هاشم شلولة 


أينما حطّت قدمُك في هذه البلاد وجدت الموتَ والجرح والوداع والدم والأنين.. أينما وجهّت وجهك رأيت شتاتا ونزوحًا ومشاهد لا يمكن أن تبهت لمعتها الحزينة في ذاكرة أبناء وبنات هذه البلاد المبتورة.. في كل مكان تمرّ به وزواية ومساحة ترى وحشيةً لا تشبه أختها في مكان سوى المكان، وزمان سوى الزمان.. فتأخذك حميّة الإنسان فيك أو ما تبقّى من فتيلها المشتعل، والذي يُطفَأ كل يومٍ وساعةٍ بالتدريج الممل تارّة وسريع الوتيرة أخرى.. نحو تساؤلين مفصليين، هما: ما الزمان هنا؟ ما المكان؟ لأنَّهما كفكرتين في هذه الهُنا تخضعان للسؤال عن حقيقة كلٍّ منهما.. رغم موضوعية بداهتهما توازيا مع السير الخاص بسيرة الإنسان في هذا الوجود الملطّخ بالخطايا والأخطاء والخطى البائرة... إن الزمان والمكان هنا في زمان ومكانٍ آخرين، في عالمٍ آخر ربما.. وإنني كإنسان يرى كل ذلك ويعيشه قد فقدتُ قدرتي على ملامسة الفكرتيّن بطريقة ما، وربما قد تحولتا إلى أسطورتين تقتلان كل محاولات الإنبات في هذه السكة المعتمة والطويلة.. وإن كانت النهاية موتا، فالموت بكلّ كياناته الفَزِعة ما هو إلّا شكل جديد لا يشبه شكل اللحظة في خافق المُنتهين قبل بدايتهم.. على الأقل؛ سنُمسك بمجهوليته من عنقها، نتعلّق بها كالمتعلّق بالقشة.. إن كان الواضح والمعروف بهذا الحجم الفظيع من الألم.. أينما وضعَتْك الوقيعة رأيتَ ظُلما.. ظلاما ومظلمةً ومِقتلةً ومثلبة... غبارًا _غبارُ الصواريخ والركام والذكريات والقلوب والسيارات القديمة التي عاشت حياتها معطلةً، واشتغلت تزامنًا مع هذه الحرب_  رموزًا بلا رحمٍ أشدّها حضورًا الغبارُ كشعارٍ للحظة، اللحظة التي لا تدري إن كانت قطعةً زمنية أم قطعةَ نارٍ، فالنار.. هذه النار التي تشبه الأسماء والظلال والأخيلة.. من حيث الهوية والتواجد والانتشار في كل نهايةٍ لنظرة وبدايةٍ لعثرة وميدانٍ لدمعة ومقبرةٍ لشمعة... لقد سُفِك دمُ العروة الوثقى، وفُكّت أزرار قميص الشرف، طالت اليد وتعطّلت جُرّة الأسماء _لم تعُد تتساقطُ منها البذور_ جثثُ الكلِّ الذبيح حلّت بديلًا للبذور التي لم تصِر شتلةً نستمدُّ من دياجيها الحصاد، فقد زرعناها في الليل، وربطنا في خواصرنا النهاية وشددناها مع كل سنتمترٍ مشيناه في الملحمة.. وها نحن نزرع إلى جانبها نهاياتِنا.. نتحسّر على عُشٍّ أحببناه، وفرّطنا فيه ففقدناه.. ونبكي على مصر مصّرناه بالدموع والاحتمالات القلِقة والهزائم المنتصرة وفيوض الأرق التي لا تُعَد.. بكاءَ الفاقدين والمفقودين واليتامي والأذلّاء.. نعم، الأذلّاء الأسياد الذين أذلّهم حُرّاسُهم وغوافيرهم والمستبيحون لهاماتهم وقوامِهم بدواعٍ ودوافع لا تسكت ثرثرتها... ما نفعُ أي وكل شي بعد الآن؟ ما قيمته ومعناه ومنطقه..؟ 

خسرنا كلّ شيء وكل شيء خسِرَنا، ونعيش ما بعد الخسارة مستظلّين بها.. منتظرين مطرها الجامد الكامد؛ الذي لن يأتي.. مستظلّين بروحها التي ستلاحقنا كشبحٍ طيلة ما سيأتي من عمرٍ إن أتى، وقد أقسمَتْ الخسارةُ لضعفنا بالغِ التجسيد أنها مكسبٌ.. ونُقسم بدمنا وأرواحنا وأهلينا وشتاتنا أنها خسارة مكتملةُ الصياغة والتجسيد والإيقاع... خسارة أبدية ومتأكدة من كونها خسارة.. دون تردد أو شُبهةٍ أو شك.. لقد خسرنا كل شيء.. خسرنا كل شيء. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...