الكاتب: هاشم شلولة
عاش حياته كالخائف، لكن المفارقة أن الأماكن والأزمان الخائفة قد ملّت أقدامه من ترددها عليها.
ولد مريضا في الجسد وفي النفس، عاش كثيرًا إذا اقترن ذلك بحالتيه النفسية والجسدية. لكنّه مات كثيرا إذا ارتبط ذلك بعناوين حياته العريضة، الحياة البائسة؛ التي ترفض أمثاله من التعساء، الذين رأوا كل شيء دون رؤية أي شيء. يخيل إليّ أحيانا أنَّ المصائر بكل الفوضى التي تبدو كنعتٍ لصيق لها، وكواقعٍ لا يُبارحها.. أنها مرتبة ترتيبا لا شك فيه. فأي مشاهد أو مطلع على حياة هذا الولد المشرد في الشوارع، وطريقتها والأخيلة المصاحبة لها.. فإنه من البديهي أن يتوقع هذه النهاية.
كان أكرم مفتونا بقصص الأساطير الشعبية المرتبطة بالمقاومة والتصدي لقوات الاحتلال. هذه الفتنة غير الخاضعة لمعايير الأسوياء.. المختزلة في الهذيان بهذه القصص، وترديدها على مسمع كل من يصادفه، وكلها دون استثناء كاذبة.. وهذه علامة بارزة من علامات شلله العقليّ. كان مرضه الجسدي يمنعه من أكل الخبز، وقد تبدو المشيئة في ذلك النوع الخارق من المنع القسري متواطئةً مع طريقة تخيله للاستثناء. كان منطقه يدعوني وكل من يعرفه للسخرية منه.
كان أكرم أعرجًا، نتيجة تعرضه لطلق ناريٍّ إسرائيلي خلال فترة الانتفاضة الثانية في قدمه اليسرى، فقد كان ضمن مجموعة من المجانين في كل مخيم من مخيمات قطاع غزة؛ تجدهم في تنور الأحداث خلال أي حدث من الأحداث الساخنة، التي تتطلب إشعالا للإطارات أو رميًا للحجارة أو مظاهرات، أو حتى طابورا لتوزيع الكابونات.. وبعرجته طاف خانيونس شارعًا شارعًا، وزاوية زاوية.. إذا ذهبت لشاطئ بحر خانيونس ستجده في منطقة "النُّص" وهي أول منفذ للبحر يراه القادم من المخيم للبحر، إذا ذهبت لمنطقة الضهرة ستجده هناك يعرج، إذا وجهت وجهك صوب مستشفى ناصر ستجده متكئا على بابها الشرقي في واجهتها الشمالية، هذا الباب ربما مسجّل ضمنًا باسم مجانين مدينة خانيونس.. فلو ذهبت ظهيرة أي يوم أو في المساء؛ فستجدهم جميعا هناك، بأيدي نصفهم سجائر رديئة، وبأيدي النصف الآخر ساندويشات "المونة" المحشوة بالفلافل والفلفل الأحمر الحار.. إذا قصدت دوّار أبو حميد، ستجد أكرم هناك يجلس بجانب بسطة من بسطات القهوة الصغيرة والموجودة على الرصيف، بيده سيجارة وكأس من القهوة.. وطبعا بالمونة. هذه الأماكن المذكورة هي أماكن شهيرة ومعروفة ومحفوظة في خانيونس المدينة والمخيم، ولا يوجد أحد من الذين عرفوا خانيونس على الأقل إلا عرفها وفهم جمالية هذه الأماكن، أو مر بتفصيل من تفاصيلها..
تزوج قبل ثمان سنوات، وأنجب أربعةً من الأولاد.. وتكنّى بأبي زهير، نسبةً إلى خاله زهير كما أخبرني.. لم يكُن أكرم على علمٍ بأنّه أب أو زوج.. أهلُ الهامش يعيشون في هامشٍ آخر عنوانه "لا أدري شيئا" وكل شيء يحدث لهم، فهو يحدث فقط، ولأجل الحدوث..
كان من أشهر روّاد حفلات زفاف غزة، وما أدراك ما حفلات غزة.. كانت حفلات بالمعنى الثقيل، ثلاث أيام من الفرح الهستيري المثير للسخرية. طبل وزمر وعادات استثنائية لا تشبه أي عادات أخرى.. جدير بالذكر أنّ حفل الزفاف ثلاثة أيام، المهم هو اليوم الثاني، أو ما يعرف بالسهرة الشبابية، أحيانا يحيي السهرة مطرب شعبي، وأخرى دون مطرب، بمكبرات الصوت فقط.. وذلك حسب حالة أهل العريس المادية.. ما يعنينا من ذلك أنّ هذا النوع من السهرات تجد فيه كل أنواع وفئات الذكور بمختلف الأعمار والعقول، ومعظمهم من معارف وأقارب وأصدقاء العريس.. وهناك فئة، تجدها في كل حفلة في خانيونس، وقد أسميتهم كتيبة الحفلات.. على رأسهم أكرم، كانوا يجلسون جميعا في واحدة من زوايا معرش السهرة، يرقصون ويغنون ويسألون الجميع سجائر، ويشربون شاي القرفة.. والجميع يوزع عليهم السجائر، يمازحهم ويرقص معهم.. أحيانًا يسخرون منهم، أو يأتوا بأكرم أو واحد من هؤلاء ليسخروا منهم بطريقة أهل خانيونس العدمية، وسأتحدث عنها لاحقا.. أذكر من هذه المجموعة: حسن جعفر، رامي الجردلي، أكرم شولة، الدجاني، مكوك وغيرهم...
كانت تربطني به الشفقة والسخرية في آن، شأنه في ذلك شأن كل مجانين وهوامش خانيونس.. كان يزورني في البيت، ويجلس معي بالساعات، وهو يكذب بالطريقة السالف ذكرها.. حيث كانت تراوده أفكار البطولة المفقودة في واقعه ومن حياته.. بمعنى أنّه كان يحدثني عن قدرته القتالية، وجبروته في التصدي للاحتلال، عن سفرياته التي لا تتوقف، عن قدرته الخارقة في كل شيء.. في بعض المرات، كان هو نفسه يستدرك ويضحك على نفسه، ويرجع ذلك إلى حجم الكذبة.. حيث كانت قدرته الضمنية على معاينة حجم كذباته قدرة فائقة، وكان يعرف بمعرفتي لكذبه.. كان يتخيل ويسرد، ويعرف بذلك معظم إن لم يكن كل سكان المعسكر الغربي أنَّ أكرم "بيعتر في الصدق عترة". ولم يكن يضيره ذلك أو يضير الناس.. لأنّه كان خفيف دم، وطريقته في الكلام لطيفة، تجعل الجميع يبتسم لها، ويحن عليه.. كنت ألتقيه أيضا في شارع من شوارع المخيم فأوقفه أو يوقفني، وتبدأ حفلة "الهشت" المعهودة، وتُختَم بسيجارة رويال أو "ضاني" كما كان يسميها.. كان مُلمًّا بقصص المعسكر الغربي بكل أنواعها، حتى الأحاديث التي تدور بين المرأة وزوجها في غرفة نومهم.. لأنّه كان جوّالا في كل شوارع المعسكر، في الليل والنهار..
بدأت حرب السابع من أكتوبر 2023، وبدأت معها شهية الموت لكل شيء.. لم يسلم منها الآمن في سربه، النائم بسريره، فكيف بمن هم أمثال أكرم من أهل الهامش والشارع.. حيث حصدت هذه الحرب ثلاثة أرباعهم.
في مطلع يناير عام 2024 _الشهر الثالث للحرب_ طُلب من سكّان المعسكر الغربي إخلاء بيوتهم من قبل جيش الاحتلال، وبالطبع غادر الجميع بيوتهم.. لم يبق في المعسكر إلّا أكرم وعدد من أمثاله.. وفي نهاية يناير، ومع اشتداد وطيس المعركة في خانيونس، أسقطت طائرة استطلاعٍ صاروخا أعمى وحاقدا على بيت عائلته، حيث كان يتواجد وحده فيه بعد إخلاء أهله.. فقلت الحرب أكرم، ولم يستطع أحد إحضار جثته للدفن إلا بعد أيام، لأنّ جيش الاحتلال كان قد سدّ منافذ المعسكر الغربي..
كان خبر استشهاده خبرا أقل من عادي، لأنّه أكرم المنسي على ضفاف الهامش أولا، ولأنّ الحياة ذاتها في غزة أصبحت باردة، وكل المشاعر فيها سواء.. الموت أصبح يشبه الحياة شبها دقيقا، بل إن الحياة تفوق الموت موتا.. ففي زحمة هذا البُهت الذي تعيشه أرواح سكان خانيونس وقطاع غزة عموما.. كانت تقول الأرواح بضمنيةٍ صامتة: لن يُحدث موت أكرم فارقًا كما لو كان في وقت عاديّ، فلقد أخذت هذه الحرب كل شيء، ولن يقف أخذها عند أكرم. لكنّ موته، وفي زحمة الموت هذه أشعرني بالفارق ولو في خيالي، أبكاني، وحملني إلى تخيل هوية خانيونس المخيم والمدينة الجديدة، وهي خالية من أكرم وغيره من الذين ذهبوا إلى السماء تاركين الأرض فارغة من البركة والنكهة وجماليات الهامش المهمة في سياق أي تجمع بشري على الأرض..
ألا يستحق هذا الولد الصعلوك بعض الذكر، لاسيما أنَّ هناك فرق كبير ولذيذ بين سردَ القصة وعيشها..! لقد عشت وعايشت هذه التفاصيل الكثيرة، ضحكت وبكيت وأشفقت... عشت كل المشاعر مع أكرم وأخوته وأخوتي المهمشين والمجانين وصعاليك السوق والأزقة وزوايا الشوارع.. تشاركتُ معهم كل شيء، دخنا سويا وحششنا، وضحكتُ معهم بصوتٍ عالٍ دون أبهٍ أو قيود أو اعتبارات تمليها على النفس قوانين الذوق العام البائرة..
لقد قال لي ذات مرّة بطريقته المعهودة في الكلام، تلك التي لم أأخذها مرّة على محمل الجد، حيث كنت أنظر لكل شيء يقوله نظرة سخرية: "ياريت أموت شهيد، ويعملولي جنازة ويضلهم يطخوا فيها، بدي أسمع صوت الرصاص من قبري" ضحكتُ كثيرًا وقتها، ولم أكن أدري أنني سأبكي بمقدار ضحكي لاحقا، سأبكي كثيرا وأنا أتذكر هذه الكلمات بلهجته المضحكة، وأسأل من أعماق الذهول: هل مات الولد؟ هل عاد الولد؟