الكاتب: هاشم شلولة
هل ثمّة ما يمنح الحياة حياةً لدى الفلسطينيّ أكثر من سهولة قتل إسرائيل الكثيف والثقيل له؟
لم يكُن يخطر ليعقوب النبيّ (العبريّ للمفارقة) أنَّ شعوره الحقيقيّ والأكيد ببشرى تبعثُ على الحياة في عروق أبجده؛ يكمن في فقدانه ليوسفه، فقدانه بصره وعيشه سنوات منتظرًا هذا اليوسف. يوسفُنا وطننا، وقد فقدنا أبصارنا في الانتظار، وها نحن في الخيمة ننتظر.
كان الفلسطينيّ فلاحًا مجتهدًا، غائبا عن التركيب والتعقيد في علاقته بكيانية الحياة الوطنية.. كان أكثر من عاديٍّ وأقل.. حتى جاء الاحتلال ليلكز غفوته في العاديّ، ويفتحه على عالم كبير من الصراع حول الوطن وفكرته، على السؤال الكبير عن ارتباط الإنسان بوطنه.. أصبح الفلسطينيّ استثناءً، ويكبر هذا الاستثناء رويدا رويدًا وبالتراكم.. مع كل حدث ساخن أو بارد، يُستَفَز السؤال الوطني العملي والموضوعي المصحوب بعماء التوجه ناحية الصد للزحف الاحتلالي.. بالدم وباللغة وبالسلاح وبالممتلكات.. أصبح الفلسطيني يغذّي معناه، ويمنحه الشرعية من خلال القربان المقدس في سبيل الوطن.. منتظرًا الخلاص المُلخَص في عودة الوطن المسروق واسترجاعه..
تشكّلت لدى الفلسطيني الفرد خارطة ضمنية مفهومة ربما، إذا ما اشتبك ذلك مع التاريخ الجمعي المتواتر منذ العقود السبعة التي مضت.. تدل هذه الخارطة على مَقصدٍ يريده الفلسطينيون منذ بدأت خطواتهم الأولى نحو الفكرة التي استيقظت الأجيال على لسعها بجمار الاحتلال، والتي أحرقت طموح الجماهير الفلسطينية داخل الملحمة وفي الشتات..
لقد فرَّ الفلسطينيون من الوطن إليه؛ حيث الذاكرة المُثقلة بالاضطهاد والعنصرية والقمع والطرد لأي عنوان فلسطيني أو أدبية، أو نية لبناء هذا الكيان المنتظر منذ ذلك الوقت.. الكيان الفلسطيني المرسوم على رأس صفحة كل مشروع طُرِح لبناء الدولة على أقل تقدير، فمن هنا يبدو الوطن أكثر وضوحًا، كون الدولة جزء أساسي لا يتجزأ من الكلية التكوينية لموضوعة الوطن الكبرى.. حتى باتت هذه الخارطة أشدّ المجسمات النفسية وضوحًا في خَلَدِ من يخوض المعركة الرمزية الشرسة، التي تسير جنبا إلى جنب مع المعركة الموضوعية، بعدما تخفف الصراع واختُزِل في مشهدية جغرافيّةٍ أقل أهمية من بقية المشهديات الأخرى الخاصة بسيرة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.. فتأتي هذه الخارطة متحررة من تجسيمها نحو الأساس الخاص بهوية الفلسطيني كصاحب لهذه الأرض، لتُثبِتَ أن الساحة أكثر تنوعا من الجغرافيا، وأنَّ للثقافة وللإبداع وللمعمار وللتاريخ وللوجود وللانتظار حصص من حيز الصراع، وهنا بالضبط تتجلّى قدسية هذه القضية وأهميتها.. لأّنها تختزل كامل هوية شعب احتُل وشُرّد من أرضه وقُتِل ونُهِب..
في أدبيات الشعوب تاريخيا؛ فإنَّ الشعوب تستمد حقيقتها الجوهرية من القضية التي تحملها، وتحتفظ بها في قنواتها الوجدانية، التي تنعكس على الأرض حركة وبركة ونضالًا ومواجهة.. هذا بالضبط ما عاشه ويعيشه الفلسطينيّ؛ إلى حدّ الانغماس الذي أفقده بغير قصدٍ الكثيرَ من الضرورات المشروعة والموضوعية التي تتعلق بحقه في الحياة بشقيّها المادي والمعنوي في سبيل قضية الوطن والصراع الآخذ بالانحطاط من أجلها.. إذن؛ فالشعب الفلسطيني لديه هاجسه الذي شكّل له واقعًا وجوديًّا كبيرًا وملحميا، يحفظ الهالة الخاصة بهذا الشعب، ويمنحه نرجسه النزيه.. بعيدًا عن أي شَبَهٍ بالشعوب الأخرى التي احتُلّت عبر التاريخ.. ولا يزال الفلسطينيّ يؤجّل حياته ومشاريعها والسعي نحوها.. في سبيل الإعادة للجسم الرمزي الكبير المسمى الوطن، والذي يحمل في أحشائه الزاد الروحي على مذبحيّ التاريخ والحاضر إذا ما تناولنا الشعب الفلسطيني كشعبٍ يمتلك سجلا كفاحيا حافلًا ضد قوى الاستعمار الجائرة، ويبحث في الكون عن كونٍ اسمه الوطن.. أو القبس البروميثيوسي المُعبَّأ بالدم والشتات وتجميد الزمن الفلسطيني بالاعتقال والحصار والملاحقة...
ما يميز حقيقة الغاية الفلسطينية، ما يمنحها الوسام والمصداقية.. هذه الفوضى العريقة التي تكبر وتتسع كل يوم، وكل دقيقة.. بذلك تُثبِت القضية الفلسطينية أنها قضية شعب، لا مشروع مؤسسة تحمل أجندة. الشعوب ليست منظمة، وهذا الفرق الماكر الذي وقع في مكيدته الاحتلال، أي أنّه أراد توجيه هذه الفوضى وتصويبها لصالحه، استغلالها لصالح أهدافه المرتبة والموجهة.. لكنه لم ينتبه إلى أنّ هذه الفوضى هي التي تشعبن الأمر، وتمنحه أبعاده النضالية القويمة، التي تؤكد أنّ هذه الأرض هي ملك لشعب تتباين أطيافه وجماعاته، شعب عريق وحي وعلاقته بالزمن علاقة خالدة بما يضمن الكيانية والارتباط العميق بالوطن ووحيه وأبجدياته.. وأنّ فوضاه هي طريقته المنظمة في الوصول إلى تحقيق أهدافه، بما يؤثر في غضبه كشعب يحاول منذ سبعين عاما انتزاع وجهه من بين الأيدي التي تحيط فيه وتمنع رؤيته.. هذا من شأنّه أن يقتل الاحتلال في مهده، أو بشكل أدق؛ يولد احتلالا ميتا وله تاريخ انتهاء كأي صيحة جديدة تمرّ على الشعوب، وأنّه مهما تجبّر واتضحت إقامته الدائمة إلّا أن زواله يكون دائما أقرب إلى الشعب الفلسطيني من حبل الوريد، وأنّ ما يسد رمق الفلسطيني دائما هو الاستمراره في توضيح هذه الفكرة بكل أشكال التضحية والقربان ومقاومة الاحتلال...
راهنت دولة الاحتلال على خسارة الفلسطيني للبيت والنفس والاستقرار على مدار ثمانية عقود.. لم يغب عن بالها أي طريق من طرق التحكم بكل شيء، ولو استطاعوا لتحكموا بالهواء والأنفاس.. لكنّ غيابًا لفكرة أنّ ما تفعله هذه الدولة المجرمة والكولونيالية المقيتة يمنح الفلسطيني سببا لمقارعة الظاهرة بكاملها بكل طاقته وفكره وعتاده وعناده.. يشحنه للانتظار والنفس الطويل، وأيضّا البحث عن سبب مقنع للحياة وزوال هذا الجسم المشبوه المسمى إسرائيل عن بقعةٍ تزداد قدسيتها بالفوضى أو بالهدوء.. بالبيت أو بالخيمة.. بالجوع أو بالشبع.. بكل الوسائل القبيحة التي يستخدمها الاحتلال أو الناعمة والذائبة في تفاصيل الصراع. لقد شكّلت هذه الخسارات الكثيرة والمتتابعة روحًا مختلفة للفلسطينيّ المهموم، المتواتر.. الذي يحيا بحياة صوته وصراخه الوطنيين المرتفعين حد ارتجاف الكيان المحتل ارتجافًا دائما، حتى بات هذا الارتجاف جزءً من طين هذه الدولة الطارئة، وكلما نُبِش بطرف أصبعٍ طينُها صرخت بالتهديد الوجوديّ، واستغاثت بمن يمدّونها بالأكاسير من الإدارات المُحتلّة الأخرى.. الثابت أنَّ هذا الأكاسير ستنتهي، ستُفَض الغشاوة التي تمنع رؤية الحقيقة من قِبَل من لا يعرفون الشعب الفلسطيني، وستأتي السنوات التي يُغاث فيها الشعب الفلسطيني وفيها سيعصر..
يحبون الموت ويمارسونه بحرفيةٍ علينا، يجربون كل طرق الوحشية.. ونحب الحياة. وبذلك نمتلك أرضية المواجهة، بذلك نقتلهم ونحبِطهم ونخبرهم؛ أنّ هنا شعبا لن يمحو الهواءُ خُطاه التي رُسمت على التراب مهما طال الوقت وتقادَم، شعبًا يمتلك كل أسباب الحياة في مواجهة قوةٍ تعسفية مارقة لا تمتلك إلّا وسائل الاستبداد والتطهير العرقي والإبادات.. يستغبي آڤي شلايم المؤرخ الإسرائيلي إدارة دولته وهو يفتش عن معنى الفلسطيني في كل هذا، فيقول: "نحن من جعل الحياة تليق بهم، ولقد أثبتوا بموتهم أنهم يدركون معنى الحياة"