الكاتب: هاشم شلولة
يجفُّ صوت الأرض هنا، تُكسَر مراياه في جوفِنا كلَّ ليلة، ومع كلِّ قمرٍ يسقطُ.. هل أرضٌ توازي كلَّ هذا الحديد المُحمّى والمصهور بأرواحنا وأجسادنا وتاريخنا؟
كلّما علا صوتُ الرمل، وهو يُمازِج العيون.. هبطت ملامحُ من يحمل القنديل مُستفهمًا عن الغايات في شطحة العتمِ الكبرى هذه، هبطت أعمارًا كثيرة. كان يظنُّ أنَّ السرّ كلمةٌ هي الأرض، وقد احتكم السرُّ إلى ضابطٍ يقضي أنَّ للأرض صدرٌ واسع، فهي التي تكفّلت بشتات أبينا آدم، وهو ونحن منحوتات ترابية راسخة في الدقة.
بدأت الأرض منشأً ووطنًا، وتزامنت مع الأفهام والمدارك مستقرًّا وعشًّا، وانتهت مأوىً أخيرًا، واحدًا ووحيدًا.. مأوى يتحد معنا وفينا، فيصيرنا ونصيره، ولكن للمينافيزيقا سؤالها المجروح، الطويل عن تلك الجلالة الهشة، المُحبِطة، التي تصنع منّا متألّمين ومهزومين بفعل طعن المُستقَرِّ لمداركنا والأفهام طعنًا قاسيًا، غريبًا، يبعثُ على الرغبةِ المقهورة بفكِّ الارتباط ولو بالسؤال.. السؤال فحسب؛ هل ثمّة أرض تستحق هذا كلّه؟ الكل الملخَّص بسقطة الطين الكبرى، التي كشفَت عن أعمق ندبات الترابيين الصغار في المعنى والمبنى والمُكتسَب..
هكذا نتجاوز مفترقًا عملاقًا ينتهي عند تركيب الهوية وتفكك الهوى؛ لنرتطم بجملة الكسب المشروط بالنزيف، هائجين وحشدًا ضخمًا من لاماذائياتٍ لا تُعَد جمعناها طيلة هذا العمر المهزوم. يسكتُ الهياجُ قليلًا؛ لصرخةٍ أو صاروخ أو جنازةِ شهيدٍ مرّت بجانبنا ربما.. خلال الهدأة القسرية؛ تُخبرُنا بناتُ آذاننا أنَّ ثمّة ما يقتضي الجزية، الفاتورة بالمنطق العصري.. نغيب وبصائرُنا في هذا الركام الممتد من غزة إلى غزة، ومن السكين إلى السكين.. غيبةَ المطعون والخائف من سبب الطعنة أكثر من خوفه منها، فتستشبه عقائل الكلام بلغة التناص التي تُقاسِمُ كلَّ اتّزانٍ فينا، وقت انفلات المغترب الذي يساكِنُ أواخرنا.. نحاول ترويض الهنيهات بما روادَنَا من صُحُف العاديات، لكنَّه العبث أوضح المنتصرين، المُكتَسِب انتصاره من الحادث الكبير، الجلل، الذي كوى الألباب وفرّق الأنساب، فتت الجُمّار وشيب رأس الصغار..
من هنا، وتحت هذه الوطأة الذبيحة؛ تنداح أسئلةُ المفقودين عن مقابل فقدهم، فلا يأتي جواب، ولا يتضح إعراب.. يغرق الغريب في ماءٍ سوّدته سؤدةٌ تفرّق دمُها بين ماضٍ يعيش في الثأر، وحاضرٍ يراكمُ ثأرًا آخر.. وبانسحاقٍ رهيب، وحزنٍ ضيغميٍّ عتيق؛ نشمّع باب هذا الصراع الفائر دمًا وحسرةً في أنفسنا متسائلين:
هل تشبه الأرضُ هذا؟
هل يشبه الأرضَ هذا؟