التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إلهي.. إله الرحلة

 الكاتب: هاشم شلولة


لطالما آمنت بالله مصفوعا من الحياة، ومدفوعًا بالحاحة إلى عرينٍ بعد رحلة رفض من كل العرائن الدنيوية التي سواه.. آمنت به باكيًا مصابًا بذبحةٍ في العقل، ضائعًا، ساكتًا وسط أمواج الكلام العواتي، وكان وعزته خير العرائن لأشرِّ المطرودين من الرحمات، وخير من يمسح على القلب فيبرى، وعلى العين فتُطفَأ نارُها.. كان إلها كما امتلأ وعيي بصوره العالية الرفيعة.. لقد شافاني وقتذاك من تخيُّلِه وسط جَلدٍ قاسٍ وعريق، خلَّصَني من تجسيمه والتخيُّل والرصد الذهني لصورته.. والفعل (كان) ليس رهنًا بالتبايُن، بل نقلًا لماضٍ مستمرّ.. 


لكن الرحلة إلى الله بكلّ مرارتها اللذيذة، لم تكُن مشفوعة باستغنائي عن الرصد لوحشية الإنسان والاستفهام حولها، الإنسان الذي هو صنيعة الله الراحم الرحيم.. فكيف ذاك من ذاك؟. كان الله يترك في نفسي سؤالا طويلًا حول هذا؛ لا تُسكته ارتدادات الإيمان على النفس. يعذّبني، ويقلق كلّ ثابتة لا تنجِب احتجاج.. قلت كمتوسّمٍ بوسامِه ومُأوِّلٍ: ربما هي حكمةُ التفريق بين العبد والمعبود؛ الممهورة بتحدِّ الجليل لأنَفَةِ العليل.. ربما هو الله كما هو دوننا وارتجالاتنا حول معاجزه والمراسم والخُطى.. ربما أشياء كثيرة، منها ما يشبه ومنها ما لا يشبه.. وقد صدّقتُ كلّ شيء مجموعًا ومتكاملًا دون خدش أو نقص، لأنَّ الأشياء جميعها صادقة لذاتها، وصادقة لصدقها، وصادقة لكمالها.. وصادقة لأننا آمنا بربّها، وصادقة كما يجب أن يكون إيمان المؤمنين.. 


إلهي الكبير.. العجيب المذهل والعميق، الذي لا يشبه الشبه، ولا يشبهه شبه. كان عليّ أن أكون مؤمنا بما يكفي لأقتل خدعة الأفهام حول عبيدِك، وشرّهم الذي يأخذ العقل من يده نحو ماهوية الحوادث، نحو جاذبية السؤال الماكرة لشهوة الوصول إلى نتيجةٍ تماثل خلاصات الإنسان الذي فينا، الآملِ العبد القليل.. إلهي لستُ أقول بأنّك أضللت عن طُرُقٍ، ولا بدّلت عن فُرُقٍ.. لكنّهم يا ربّ أشرار، أشرار وقتّلة وبشِعون.. وأنا بكُلّي الكليل الضئيل؛ يؤلمني هذا يارب.. يؤلمني هذا.. يارب إنّه امتحانٌ كبير على قلبٍ ذبحته الوقائع. 


طلبي صغيرٌ يا إلهي.. أنّ تمنحني الصلابة لاحتمال بشاعتهم، أن تدعني ألمس التبايُنَ بين قَدَرهم وقُدرتك، وعلمهم وقوتك، وهياجهم وهَدْأتِك.. وأن تُضمّد يا إلهي في أواخر الرحلة جرحَ الشعراء، وأقول ما ما أقول مستغفرًا إياك من كلّ أسئلة لا تجانب الإيمان، مستغفرا إياك من كلّ شارحةٍ وغمٍّ وذنب. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...