الكاتب: هاشم شلولة
قد لا تموت المدن، لأنَّ الذاكرة تحميها.. لكن إنسانها يموت، وهو يحاول العيش فيها لو جار الزمن عليها، ويفشل. وكما تتفق كل الدساتير الوجودية بأنّ الإنسان هو المدينة، أو على الأقل هو انعكاسها على مفهومها.. بالتالي تظل حيّة كما تظل سيقان النخيل في المناطق الساحلية متروكة تحت الشمس.
*
لا يمكن للنفس التي تنجو من الموت عدة مرات أن تبصر بعض المفاهيم المثالية، فيما يتعلق بعلاقة الإنسان بالمكان، حتى لو كان هذا المكان الجنة. ربما يتحقق ذلك في العلاقة بالزمن؛ لأنّ الزمن لديه القدرة على التصرف في أثر الموت على النفس التي نجت، لأنّها قد تراه فيما بعد تجربة.. ونحن _أقصد الفلسطينيين_ في مكان لا نملك رفاهية الانتظار لزمنٍ آخر نصنّف فيه نجاتنا.
*
ثمّة حجاب بين الظروف التي تؤثر في الإنسان وبين دقّته في الاستشراف الآمن للقادم.. لأنّ الإنسان سهل التأثّر بالظروف المحيطة، وكذلك بالمشاعر والإدراكات الموازية.. بناءً عليه؛ فإنّ على من يعيش حربا بهذه البشاعة أن يكون جاهزًا دائمًا للقتال من أجل النجاة، أو القتال من أجل الخلاص.. لأنّ الراهن لا يمكن أن يفلت من سطوة هذين الخيارين المركزيين على إنسان أقل قوةٍ من بصيرته، لاسيما عندما يكون في النار، النار القوية التي لا تتوقف أو تدع لقدميك السير ناحية المحطة.