الكاتب: هاشم شلولة
من يمتلك عقيدة تنتشر في حواسه، وتتبدد في سلوكه. من يعيش ويموت لله، ويسير في الأرض حاملًا ربّه بقلبه وعقله ومجازه.. لا يُهزم ولا يخسر من نفسه المحرِّضة بطبعها والأمّارةِ بالسوء. ومن الدنيا؛ تلك الساحة الضاجّة بالمُلهيات والمُغريات والفواحش والجواذب.. ومن الجنّ والإنس اللذين لا يكُفّان عن إكثار الضرر ببعضهما، حتى لتكاد ترى الإنسان الموازي لك في الإنسانية يفوق الدنيا وجِنّها في ابتكار المضرّة وطمس المسرّة.
إن الاعتقاد الدؤوب القائم على الاستحضار في كل كبيرةٍ وصغيرة لهو الاعتقاد.. ولكن الاعتقاد بالمعنى المنتشر في عروق رؤيتك للمعاني والمرادفات، لكلّ شق تمرةٍ من التخيُّل، من التفكير في كل ما تقع عليه العين أو يحاينه القلب أو يزاوره العقل من صورة أو تفاعل.. لا بد للمُعتقِد أن يمرّن كلَّ ما فيه من مدارِك وحسّاسات على عدمِ فكاكِها من الحساب الميكانيكي، الذي يصير كذلك مع الوقت، ويبدأ كبحًا لكل فعلٍ مشبوه أو خالٍ من الاعتقاد؛ يزور النفس.. لوقف انفلاتها، حتى لا تصبح عمياء، يرهنها الهوى وطول الأمل بما هو خالٍ من حضور الله في الأفعال والمشاوير والدروب..
تجعل العقيدةُ المُعتقِدَ تلًّا بشريًّا منبسطًا مروّضًا، آيةً في الانضباط، ولكنّه ليس انضباطًا حتميًّا؛ بالغ الكمال.. لتُلغى تمامًا علاقتكَ بالخطأ الموضوعي؛ وغير المنفصل عن طبيعة التركيب الإنساني.. إنّما ملائكية الجوهر، التي تحقق وجود الإنسان الأمثل في الروح، الجوهر الذي يقف أمام اختباراتك عند المفترقات الكبرى، والتي من خلالها يُكشَف عن معدن الإنسان ودخيلته ولونه النفسي، عن حقيقة النفس التي لا يزكّيها إلّا الله الذي قرّبنا من الاعتقاد، وسهّل وصولنا إليه.. إنَّ صاحبَ العقيدةِ في الذمة والحفظ، تحت الرعاية وفي رحابها.. لأنّك لا تعتقد الحسنى إلّا بقرار من الأحسن، والأحسن هو الله ضمن سياقٍ اعتقاديّ.. وهو الأعظم الذي يصنع الفرق بين من يعتقد ونقيضه، الفرق الذي بمثابة شعرة تفصل بين تداعيات كل من النقيضين على مَن يعيشهما.. وإنك لتحتاج نَفَسًا مجهريا دقيقًا، من أجل الوصول إلى عمق توغّل العقيدة في نفس حاملها عند بلوغها التحقيق والتوثيق..
إننا نصبح ربّانيين عند تحقق الاعتقاد، ويعني ذلك أن تتجسّد الوجهة عندنا، ويصح الوجه.. لا نعُد يتامى، ونغدو منتصرين في عمق هزيمةٍ تُحدِثُها الحياة. هذا ليس نابعًا من فكرة أنّ العقيدةَ حلولية، بل هي الحل الحق، الأكيد الواضح والمستقيم.. غير الخاضع لمدى إمكانية البشريّ على التخطي ومدى ذكائه وحسن تدبيره. بل يكون التسليم معيارًا منتشرًا بأعرق وأعمق وأدق أشكال الانتشار في طرقِ تناولك لأيٍّ من ممرّات الحياة التي تمرّ بها، تتعثر بمطبّاتها وتمرّ بأحداثها أو تمرّ بك.. بالطبع؛ يترك الله لنا ما نُبصر به ونستدرك ونستعظم هذه الآثار الجليلةَ في النفس وعليها؛ كيّ نعبُدَه على علمٍ ونسبِّحَه على معرفةٍ ونحمدَه على تمكين.. وثقة به جلا في عُلاه، لا تزحزحها شراهةُ المُنكر أو نباهةُ الخطايا.. إنَّ الله بذلك يصبِح الامتلاء الأوحد لكلّ مسافةٍ بين بصرٍ ومُبصَر، وبصيرةٍ ومُدرَك، وعقلٍ ومعقول.. حتى ليصيرَك أنت وتصيرَه كلّما دُقَّ ناقوس بُطلان كلِّ روايةٍ فيك ولك أو للبشريِّ منك..