التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إنسان وكفى..

 الكاتب: هاشم شلولة


الله سبحانه وتعالى علّمنا شيئا مهما، هو أننا جزءٌ من كل شيء، بمعنى أننا لا نرى الأشياء، ونحن فيها. لذا، لا يحق لنا الحكم عليها أو البت فيها؛ لأننا نرى الأشياء ناقصة، نرى كل الأجزاء إلا الجزء الذي نحن فيه.. وهذا الجزء هو الوجود مكتملا بالنسبة لوعيينا الظاهر والباطن، ومنه نأخذ صورة العالم.. فهل يصح أن نفهم العالم وفق ما يلامسه بصرُ شخصٍ واحد؟. وتلك مشكلة العبيد، وهنا أيضًا تتمثل الفجوة بين المعنى الموضوعي للعالم وبين المعنى الذي نبنيه نحن للعالم. من هنا؛ يحدث القلق. من هنا يتعب الإنسان.. 


مهما تمكّن الإنسان من نفسه، وأخضعها لإملاءات الله علينا.. فإنه في البدء وفي الخاتمة إنسان بقلب ومشاعر ومساحة تلتقط مسببات الألم ودواعيه.. وكلّما زادت درجة الإيمان قل الألم، وإذا بلغ الإنسانُ اليقين انعدم الألم.. واليقين ليس صورة يمكن التعبير عنها قدرما هو رياح منتشرة في كافة أرجاء حياة الإنسان المؤمن؛ تضبط إيقاعها وتعدل موازينها وتضع كل شيء في محله.. وإن حدثت هذه التوزيعة انعدم الألم، وذلك لا يعفي الإنسان من الابتلاءات. وهنا بالضبط؛ يتجلى تفرُّد الله بالعلم.. لأننا من المستحيل أن نفرق بين ابتلاء الموقنين وبين الألم النسبي المتفاوت بين عباد الله بمختلف درجات الإيمان.


اليقين أيضًا موهبة العابدين، أي أنّ العابد الذي يصل لفكرة أنّ العبادة لذاتها؛ يظفر بالمكسب الأعمق، لأنّها العبادة تخص النفس بدرجة أولى، وهنا أيضا يتجلّى كبرياء الله، كأنّه يخبرنا بعدم حاجته لعبادتنا بكثرتها أو ضآلتها، ولكنّه الحكيم البصير، الذي يخلق ويحتفظ بالحكمة من وراء الخلق؛ الحكمة التي يعجز الآدميّ عن استساغتها.. من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وفي موضع آخر في سورة القارعة "فأمّه هاوية" بمعنى أنَّ النار تتشكل في الدنيا وتكتمل يوم الكمال؛ من عند أول سوءٍ تقترفه، وكذلك الجنة.. كما أكد الله في سورة النحل "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فنحيينه حياة طيبة" الحياة الطيبة هي المرادف لجنّة الدنيا، التي تكتمل يوم الكمال. 


اللهم إنّا نُشهدك الاجتهاد، ونرجوك اليقين.. ونرفع الأمر إليك، فأنزل علينا الغمر، واطرد من قلوبنا الدنيا طردًا يُراد به جهتك العظمى يا حبيب المتعبين والقلقين.. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...