التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عودة للخيمة الأبدية

 الكاتب: هاشم شلولة


أتيتُ إلى الله خجِلًا، ملتمِسًا منه المغفرة، وراجيًا إيّاها. ليس لمعرفتي اللاحقة أنَّ الله يجزي العاملين بما عملوا بالقِسط المبين، بل استحياءً منه، وتقديرًا منّي كعبدٍ لمعَتْ بوجهه الغض الصيحةُ؛ لحجم ما كنت فيه من حجودٍ بحقِّ الجليل. أتيتُ إليه مهرولًا، ظنًّا منّي بأنّه سيأتيني ركضًا كما أخبر في حديثٍ قدسيٍّ، وتوسُّمًا بخيرٍ في فيضٍ أبديّ، بقلبِ ربٍّ به عُصارةُ ما تختزن الأمهاتُ الراوئمُ من عاطفةٍ واحتواء وإحاطة.. بعد سنين عِجاف؛ قضيتها متخبِّطًا تائهًا بين جملةٍ عقديةٍ وأخرى. سنوات عبثية محشوة بالصراخ والأباطيل والوهم الطويل؛ الذي كاد أن يكون أبديًّا لولا كرم هذا الرب الجميل، واصطفاؤه لي؛ لأكون واحدًا من عبيده المُعترفين بطول يده، وقدرتها على ملامسةِ كلِّ غائرٍ من المعضلات، وبارزٍ من الترادفات.


وعزته وجلاله كان عند حسن ظن عبده به كما قدّر وفكر وقرر وعاهد وأقسم.. 


منذ أول مرّة اشتريتُ بها ربّي بأمرٍ منه وقضاء.. وأنا في خشيةٍ طولى من التوقُّع؛ لعلمي بمُطلَقِه السديد، والقائم قبل قيامته.. لكنّي كنت شديد الظن بحكمةٍ أبعد من ظنّي وأقرب، وعند الظنِّ في آن.. كيف لا وهو من قرر الظنَّ، وشيّدَه بإحكامٍ عتيد! ليمنح عبدًا قاصرًا هو أنا ربما، وغيري ومن يظن به.. ما يكفي من ملامحِه، ولمحاتِه وملاحمِ كرمِه الكبرى.. سبحانه ما أرفع قدرته على غرسِ خِصاله في نفسِ من يريد؛ ليعرفه فيقترب، ويقترب فيعرفه!  


وعزته وجلاله كان فوق التوقع، فيه وتحته.. كان التوقع مكتملًا. 


إنّ خشيتي هذه ليست خوفًا من ربٍّ هو أبّ وأم وأهل وعشيرة.. وأنا الخائف منه كما أنا، بل خِفتُ نفسي كما أخبرنا أحد السلف الصالح (الزبيديّ) ورجوتُ ربّي فأنا أحبُّ أن أفارقَ من أخافُ إلى من أرجوه. إنّها خشيةُ رجاءٍ، وقد أورد الله في نفسي ذلك، فسبحانه خير واردٍ وحسيبٍ جليل.. يعيرُ خشيةَ من يخشى وصولها، يهدِّئ الروعَ، ويسكتُ الرجفَ. سبحانه علا وحما ومدَّ الذراع وأنقذ.. 


ما ظل من حزنٍ في المَتاع ضئيلٌ، وما كان من أمل؛ تردد في العبور إلى نهايات الجسور.. لكلٍّ من الساكتين السالكين أهلٌ وخيمة، ولكلٍّ منهم قدمٌ بترتها مناشير التوددِ للوصول.. كان الرفاق في الأفنية يذوبون في الأسئلة، والأسئلة تسخر من تاريخ اللفظ المجازي، من كلِّ ذي لغةٍ يبوح بسرٍّ خبَّأته أسماءٌ عن الآباء.. وأنت يا ربي حزني الضئيل في متاعٍ روحيٍّ كالظلِّ يسير معي/ حزني القويم، المُبرَّر والمنطقي، العتيق.. وأنت يا حبيبي أملي غير المترددِ في العبور إلى نهاياتٍ بدايات، وبداياتٍ نهايات. وأنت يا جابرًا الكسر ويا ميسّرًا العسرى خيمتي ووتدها وساكنوها المتعبون، الباكون تعظيمًا وإجلال.. 


وعزته وجلاله كان أكثر الأحزان وأشدّها شفافيةً ومعنى.. 


كنتُ أسيرُ بعيدًا عنك، وفيَّ من روحك ظلٌّ ظليل، وفي غياهب الظلمة؛ أسائل نفسي: من ذا الذي يفكُّ التشابُكَ والتشابه والتشاؤم؟ وضيق النفس ومحدوديتها والغوايةُ يُجِبن عن ربٍ أفقدتني إياه اتجاهاتي الضالّة مرّةً، ولحسن تركيز رفقِك ورفقتك غير المُعلنة إلّا من اعتقادٍ خبيء.. لم أعُد مُحتمِلًا أنَّ المُدبَّر بلا مُدبِّر، وكان ذلك منك تفضُّلًا وتجسيدًا لربوبيتك وألوهيتك وأسمائك والصفات.. يا أكثر الأقلّة، وأقل الأكثرية، الواحد الجمعُ والجمعُ الواحد، الذي لا يتركُ في الروح إلّا الامتلاء.. 


سبحانك كيف تصير طريقًا، وتصير الطريق أنت. سبحانك ما قبل التسبيح وبعده، في قِدمه وقدومه واستقدامه.. كلُّ أقاويلك إعجازٌ سهلُ الإيمان، فِعالُك والوصول. سبحانك من تحتى، مرورا بكل هذا علوًّا، وبك الانتهاء كما التمام والابتداء.






المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...