التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حالة المعنى المشتبكة مع الإنسان

 الكاتب: هاشم شلولة


في مجمل اشتباكات الإنسان مع معناه، فإنه لا يتعدى كونه كومة حواس تبحث عن ذاكرتها وسط رماد الأسئلة واللغات.. ليس لأنَّ الإنسان محاصرٌ بها، بل لأنّها كلُّه مجموعًا، بعد تناثرٍ اختزلته مراحل التشكيل والترويض. هل يمكن للمعرفة أن تدرك ذلك كلّه؟ نصفه أو انقص منه قليلًا.. 

قد تدركه إذا لم تستشكل عليها تداخلات الطبع المعرفي، ونوعيته.. نحن محكومون بما نعرفه وعيًا، وبما لا نعرفه ضمن سياقٍ لاوعٍ، ولا يمكن لنا ضمن أيّ حالة من حالات استحكام إرادة الفرد العارف؛ أن نفكَّ أنفسنا من الاختزان المجنون لحدّة التجربة، التي تُملي علينا طبيعةَ النوع المعرفي الصانع لجوهر طريقنا الوجداني، والذي تُنحَت من خلاله أسارير التأمل الكوني، الذي يخصنا في شتى مراحل الارتباط بالواقع؛ كنتيجة لما عرفنا استظهارًا واستبطانًا واختزال...


يدرك إنسان المعنى تلك الحيلولة الجسورة بينه وبين سهلية ما يطمح لملامسته، فلا يعني تحقيق الذات الاجتماعية خلاصةَ المرام الوجودي، ولا حتى الذات الأخلاقية أو الفكرية.. ورغم صعوبة اجتماع تلك الذوات الثلاثة في جوفٍ واحد؛ إلّا أنها _الثلاثة_ هي المتمم الأدق لفكرة تحقيق المرام الوجودي، التي تقود إلى المعنى..


من هنا؛ نفهم أن المعنى ليس رغبةً تنتهي بالتحقيق من عدمه، حتى وإن حوّله الإنسان كذلك، ضمن ضرورات وظروف معينة، طرأت على تاريخ الحالة الإنسانية حادِّ الطباع والتحوّلات.. نفهم من ذلك استحالةَ اكتمال المعنى في أدنى تصوراته، فكان الحل الوجودي التلقائي هو تجزئة المعنى، والنظر له كمجموعة سياقات لا تنفصل؛ بعضها عن بعض، وأنَّ تحقيق ذات واحدة _كما تشير الفلسفة_ يؤدي إلى تحقيق ضمني للذاتيّن الأُخرتيّن. من تلك النسبية، نستطيع استقطاب المعنى بشكله المعهود، ومحاضنة أدنى درجاته ضمن لغة الإنسان المحدودة، إذا ما تواجهت ولغة المعنى الفسيحة.. التي تفوق حجم التصور الفردي والجمعي في آن لمثل هذه اللغة. 


إنَّ تلك الفكرة التحايلية على الجدوى، المتاهية، والمبحوث عنها من قِبَل الإنسان في حياته.. ما هي إلّا تعبير عن جهل الإنسان بما يروي عطشه الشعوري بالأشياء والظواهر والحوادث.. ولا بد هنا من إعمال روايةٍ ذاتية؛ تحوّط لحظاتنا القصيرة من الكونية الكلية بالتوازي مع زمنيتها الطويلة طولًا ملحميًّا. 


إنَّ خيمة ناطور تكفي أحدنا، بالتزامن مع هذا الحشد الكبير من الإشكالات والاستشباهات بظلال الاكتمال.. خيمة ناطور فحسب!

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...