الكاتب: هاشم شلولة
ياسر عرف موته قبل حدوثه، وكان صديقًا حميمًا للموت، ومرتبطًا به ارتباطًا تجسيديا متينا وواضحًا بأشكال ووجوه عدة.. لم يخنه الموت كما اعتقد الكثير، ففي كعب غزال، قال الراحل: "أبي مات صغيرًا، وأمي كذالك.. أظن أننا نموت صغارًا". وقال لي ذات مرّة: سأموت باكرًا يا هاشم، تذكر ذلك!
لم يكن في حياته نزقًا، أو متفزلكًا أو انتهازيًّا.. كان بسيطًا عذبًا وخفيف دم ومتواضع.. لم يكن يضيره أن يجلس على على قارعة الطريق أو على أي جانب من جوانب الشارع.. كنت أسير وإياه من عمارة جاسر حتى البريد مشيًا، خلال مرافقتي له.. لم يكُن يمشي من جانبه أحد إلّا وكان يرفع له يده مُسلِّمًا ومحييا ومحتفيًا.. يعرف أكثر سكان المكان، ويحفظ قصصهم عن ظهر قلب، كان يحب ما تحبه الناس وكذلك يكره.. كان يقول لي بلهجته الساخرة وابتسامته المعتادة: "كتابة الشعر غير وعلاقتي بأهلي ومكاني غير ومن المحرم بالنسبة لي أي ربط بين الأمرين". كان ارتباطه بالأشياء كارتباط الطفل بها.. كان يسخر من كل شيء لأنّه كان يلامس كتف الحقيقة على الدوام، كان عاشقًا منذ مراهقته، وقد دفع ثمن ذلك، وكان عنيدًا مناضلًا وقد دفع ثمن ذلك أيضًا.. فاعتُقِل، وأمضى ما يقارب الثلاث سنوات في سجون الاحتلال..
أول من أخذ بيدي، وأول من أُعجِب بنصوصي، وأول من ساهم في نشر كتابي الأول، وأول من قدمني.. أنا مدين لك، أحبك وأحزن وأبكيك وأحزن وأتذكرك وأحزن.. كيف لا أفعل وكنت ما كنته بالنسبة لي قبل ارتجالك نحو مثواك الأخير..
لا زلتُ حتى الآن في حالة نكرانٍ لأبدية ارتجالك، إن كان مشوارك طارئًا فأنا في انتظارك، وإن كان أبديًّا فسأفعل المستحيل للقاء بك..
قبل المُضِيّ إلى حتفه بأسبوع، ذهبتُ لزيارته حيث يرقد في مستشفى ناصر برفقة بعض الأصدقاء، كنت مذهولًا مما فعله المرض به، لدرجةٍ كنتُ أبكي فيها بصمتٍ خنقني ودون علامات.. كان محدِّقًا بتركيز في وجوهنا جميعًا وعيوننا أنا ومن رافقني لزيارته وبصمت مريب ومُقلِق.. كان ينظر فينا نظرة الأب في وجه ابنه المهاجر عند بوابة المطار، كأنّه يقول لنا، أو أنّ عيونَه قالت: أنا ذاهب هناك، وأنا صديقكم ورفيق دربكم.. فاحفظوا الأمانة، ولا تخونوا الطريق..
وها نحن اليوم جئنا لنقول لك؛ أننا نحبُّك ونحزن لهذا الذهاب، نحفظُ الأمانة ولا نخون الطريق يا صديقنا وأخينا ورفيق دربنا.. فالسلام عليك يوم ولدت، ويوم حييت، ويوم ذهبت إلى مصيرك مقبِلًا غير مدبر..