التخطي إلى المحتوى الرئيسي

معين.

 الكاتب: هاشم شلولة


لجميعكم أعمام، ولي معين.. لي أنا فحسب.


نأتي إلى هنا باكرًا، لكننا نختار أساطيرنا متأخرًا.. المعروف عن بلوغ الإنسان لأسطورته؛ إكمال دائرة من الدخان المعنوي، وتلك أعراف الإنسان.. لكنَّ عبدًا من هواءٍ أو سراب، هو أنا، اختار أسطورته؛ ليخلَعَ كلَّ شيءٍ عن ملامحه، يتخفَّف من فكرةِ الواحد الذي بقدميّن؛ على ابتعادٍ عن الأرض مقدار سنتمترٍ واحد مع كل خطوة، اخترتُ معين أسطورةً وسطرًا من الأبديةِ.. 

هكذا قالت لي الهواجسُ حين صليت، وحين كفرت، وحين قلتُ للجنوبِ الشعرَ ذات مرة؛ عند الغروب ومطلع الليلِ البدويّ.. 


قلت له ذلك مرّةً؛ صكَّ وجهه، وقال: تلك قصيدة يا عم!. لستُ إلها؛ لأقول: يا معين؛ إنّا نبشرُك بغلامٍ اسمه هاشم!. بل تطوّعَت ملامحي بصمتٍ حزين ومُحتَج في آن، يعبّر عن فكرةٍ عنوانها؛ كيف لا تكون القصيدة يا أبي؟ كيف أفكُّ أنفاسي من جملتها لأصلّي لك هاجِسًا مباركًا؟ 


معين يعرف أنَّ الدنيا تُمثل خطًّا مستقيمًا من الصرخات، وعلى منافذ الخطّ الأسباب تختلف، تأتلف أحيانًا، وأخرى تنوء حزينةً باكيةً؛ لأنّها ضيّعَت الطريق إلى الخط.. ومن بديع الرواية أو القصيدة كما يوصّف نبوءتي دائمًا؛ أنَّ سببيّنا ائتلفا كأنَّ دائرةً 

على طرفيّها وقف كلانا، هو وأنا، وأنا وهو.. دارَت فصدمتنا سويًّا، وصرنا قالب ترابٍ، شكّلته الزمنيةُ بمعرفةٍ واكتشافٍ واشتباه.. 

ربما اشتباه، هكذا قالت العيونُ المُطفأة، ومضت إلى خلواتها؛ لتمارس طقس البكاء.. أبكاءٌ هذا أم غفران أم عروج..؟ 


بودي أن أقول ما أقوله بوضوحٍ يفضح قمع اللغة لابنٍ يبتهلُ  لأبيه بعد الله؛ فوق جبلٍ كنّا نسميه الترتيب.. لكنّك رسّختَ في خَلَدِ التائهين فيك الكيَّ. بودّي أن أمسحَ الغُبارَ عن خارطةٍ خطّتها أهلّةُ الرؤية؛ لتراها الأسماء، فتهتدي إلى معنى؛ يسكنُ فيَّ وفيك.. 

قلنا أنّها الشبابيك المُطلّة على آخر رُدهةٍ في الإنسان، وهي تستقبل روحيّن من لغةٍ وماء.. ماء على العتبات؛ يغسلُ دمًا فوّرَه سقوطُ البدايةِ، وسقطةُ الأصل الشجيّ.. كذبت علينا المواقيتُ المكانية، وانتبهنا.. انتبهنا بعدما حمل النصيبُ على كتفيّه الاكتفاءَ وجرّةً مملوءةً بصفاتِك والأسماء.. 

ناديتُ أول مرّة، فكنتَ أولَ مُجيب والأخير.. كنتَ النداء، وهمّة المعراج في بلدٍ جفَّ فيه القفير، وصارت أفواه ساكنيه تسبح في اليباس. 


على طفلٍ ضاع في الزّحام؛ أن يكبُر في عناق كتمامٍ للشقاء، هذا ما كانه ويكونه العبد المعين لتمام الصغير، والفاقد مرمى عيونه، الجالس على الضفة يبكي.. إنَّ معين عناق، وهو أكبر صغيرٍ يبحثُ في كلِّ ذاكرةٍ عن عناق. ما أنبل هذا! ما أكبره!


سيدُ الفُرَص في الحب كما أوصتنا بلادُ اليتامي، التي لا تدرك إلّا حظَّ الموت في كل شيء ومنه. سيفٌ روحيٌّ على نفسه وظلِّها وكناياتها.. لا تصير النبوءةُ نبوءةً إلّا بعد زهدٍ جزيلٍ في رأسه وحكمته؛ لأنَّ الفصولَ غايةُ التجربة، ولأنَّ عمّي معين ما هو إلّا خاطرٌ شفّاف بكلِّ التباساته؛ من خواطر الصلاح على الأرض..


كلّم يا أيّها البار بالشواطئ خطوبي، واعرف مهادَنتي مع الحياة كما فعلت قبل ذلك، من أجل أن يدقَّ صوتٌ دمي فأصيرُك مرّة أو اثنتين. أُعيذُك وأستعيذ من كلّ ما قد يُفلِتُ روحيّنا الغضتيّن من الأناشيد، وأحبك حبَّ الشدائد للرجال.. أحبك أبدًا وأزلًا.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...