الكاتب: هاشم شلولة
كنتِ تأتين إليَّ كل مساء باكية، في يدكِ اليمنى قصة يومية حزينة، وفي اليسرى حب كبير لا حدود له، وكنت أنتظر المساء؛ لأسمع يومياتك، وأحب أن أقدم حلًّا لمشاكلك، أطبطب عليكِ وأقبّلك بهدوء مثلما يفعل الأب مع ابنته، وأمشّي يدي على شعرك الطويل، الذي غضبتُ غضبا شديدا عندما قمتِ بقصّه.. كانت تثيرك جدّيتي في التعاطي مع قضاياكِ التافهة، ويأتي ذلك تزامنًا مع إدراككِ المُطلَق بغياب المساحة عندي لاستيعاب مثل هذه القضايا اليومية لضرورات تركيبية وظرفية خاصة بتكويني وعالمي.. قلتِ لي مرة: هل يمتلك الحب هذه القدرة الفظيعة على العبث في الطين؟.
وكان السؤال نتيجة لمكوثي ما يقارب الساعتين ونصف وأنا أضع حلول وابتكارات لقَصّة شَعر جديدةٍ تشابه وجهك.. هذا الشعر الذي أعشق، وكنت أعتبره من ممتلكاتي الخاصة.. كنت أستغربُ من نفسي لهذا الاتساع وطول المساحة في ذلك الشأن، مثل استغرابي من تخيُّلي لنفسي في أحيان مختلفة شابًا مُحِبًّا للحياة وفنياتها؛ كاللهو والموضة وسواها...
كما تعلمين فأنا بطبيعتي نِكِد، وكان نكدي ذات نَفَسٍ طويل، يمتد لساعات وأيام، وربما لأسابيع.. أتذكر كيف كان يُنسى كلُّ شيء، ويذهب أدراج الرياح على حين عناق منك، يُخبرني بأن اسكت، والقِ بهذا النكد وراء مسرح العلاقة.. صوتكِ كان عناقًا، يداكِ، رائحتُك التي كانت تملأ مخدتي، وكلما بدأت الرائحة بالنفاذ التدريجي كنتُ أرشّ رشة واحدة، لأُجددَها.. صوركِ التي كانت تملأ الهاتف، وكنت أحدّق فيها في كل مكان، في الجامعة، على أبواب الممتلكات الحكومية، خلال جلساتي القليلة مع أصدقائي القليلين والعابرين، وبالمناسبة.. منذ أن غبتِ حذفت كل الصور، ولم يعُد في هاتفي صورةً واحدة، صرتُ أخشى الصور جميعًا..
نحن نحب صورَ بعضِنا يا حبيبتي بشكلٍ يفوق حبنا لبعضنا، هذا أقوَمُ ما عرفته في غيابكِ.
أتذكّر الآن كل شيء، كل تفصيل، كل مشهد، كل همسة وحرف وثرثرة وثانية تكلمنا فيها أو سكتنا.. وأعلم أن هوسي الذي هو السبب في نهاية كل شيء أثقل كاهلكِ وأتعبكِ.. لكنّي لم أكن أقصد أن ينتهي كل شيء بهذه البساطة، وتصيرين تاريخًا أو كلمة في نص.. كنت أرى فيكِ الدنيا كاملةً ومجتمعة في ظلِّ وحدةٍ كبيرة وعريضة وقاتمة.. كانت تفتك بي كل ثانية، كنت أرى فيكِ أمي وأبي وأخي وصديقي، وكنت سهل الاستغناء عن أي شيء إلّا أنتِ.. تعلمين بيقين أنني تركتُ حياتي جانبًا، ولم يعُد في ذهني سواكِ.. كنتُ منشغلًا بطريقة كلامك وشكل مشيتكِ وإيقاع صوتكِ..
كنتُ لا أنام قلقًا وخوفًا ورعبًا من فكرة ممكنٍ واحد؛ يشمل غيابكِ.. كنتُ مفجوعًا بكِ، وكان حبي لكِ ساحلًا طويلًا وممتدًا أبديًا أزليا مرتعشًا.. كنت أسألكِ دومًا؛ لماذا أتيتِ؟ ولماذا وجودكِ صار هاجسًا؟ لماذا أنا بهذه الهشاشة والتعلُّق والانصهار بكِ..؟
أعلم أنَّ هذا الهوس بكِ أثقل كاهلكِ، وأشهد أمام كل الأمكنة التي لنا فيها ذكرى، وكل الليالي التي نمنا فيها سويًّا على الهاتف أنكِ حاولتِ احتمالي، حاولتِ البقاء إلى جانبي لكنّ هوسي وحبي المَرَضي لكِ كانا أقوى من محاولاتكِ.. لكن؛ ماذا أفعل؟!
كنتُ عاجزًا، ولا أستطيع التحكم بنفسي على حينكِ.. فقد كنتُ أراكِ في الحائط الذي يقابلني، والذي على جانبي والسقف.. على الشباك، على السرير، في خزانة الملابس، في المطبخ، في الصالون، في كل مكان أمشي به خطوة واحدة... وكان الخوف من فقدانك وحشًا مفترسًا وبلا رحمة، يلاحقني في كل مكان وزاوية وموضع..
أحببتُكِ بلا عقل أو ميزان أو تفكير..
لكن وبعد كل ذلك التجريب والانغماس والازدحام بكِ.. ابتلعني وإياكِ وحشُ الغياب غير الرحيم، رغم أنني من قرر التخلّي، لا لشيء بل لحمايتكِ منّي أولًا تحت حجاجٍ واهٍ وعلّة كاذبة، ولأنَّ عقلي بدأ يرتجف، ويذهب ناحية الاضحملال والتلاشي والموت.. وخفت فقدانه؛ لأظل أشعر بحُبِّكِ حتى لو غائبة.. أتذكرين يوم قلتِ لي ما صرخته فيروز في أذن الحشود العاشقة "وبحبك ع طريق غياب"؟
انتهى كل شيء، وصار ذكرى لقومٍ يعشقون ويهيمون وينهوسون وينسون في الغواية أنفسهم.. عامان وعشرةُ أشهر، وثلاثة وعشرون يومًا وأربع ساعات ونصف.. لم يرحمني خلالهن شبحكِ أو يترأف بي، كنتُ أعتقد أنَّ الوقت سيتكفّل بكل شيء، وتجرّأتُ على الانسحاب.. أعلمُ أنَّ أهم ممكن من الممكنات؛ هو أنّك نسيتِ كلَّ شيء، وأنّكِ الآن في حضن رجلٍ آخر تتبادلان الحب والقبلات والجنس وأشياء أخرى.. لم يعُد ذلك مهمًا بالنسبة لي، المهم هو أنني لا زلتُ أخشى تجارب الحب، وأرى وجهكِ راميًا نفسه أمامي كلما فكرتُ في خوضِ نهرٍ جديد، فأخاف وألملم أجزائي وأهرب..
صحيح أنني لم أعُد ذلك المهووس وقد خفّت وطأة المرض بكِ، لكنّي وبعد هذه المدة فشلتُ تمامًا في تخطّيكِ.. ذكرى قاسية وحنونة وذات رسالةٍ مفادها خيبتي واعتناقكِ، ويشكّل وجودكِ رمزًا لفكرة أنني لا زلتُ حي وأشعر، ولم أفقد كامل المشاعر وكامل العقل وكامل القلب... أحبكِ بحجم الألم الكبير الذي عشته طويلًا حزنًا عليكِ، بحجم الحِداد واعتزال الحياة والحب بعدكِ.. ولم يعُد يهمني إن كنتِ في مكانكِ وفي حضن الرجل الآخر الذي هو سواي تحبينني أو لا.. المهم أنني لا زلت موجودًا، وأعرف ذلك من خلال أنني لا زلت أحبكِ، لكنّي يا حبيبتي فقدتُ الطريق والاتجاه.
"كنّا نتلاقى من عشيّة، ونقعد على الجسر العَتيق، وتنزل على السّهل الضبابة، تمحي المدى وتمحي الطريق، آه وما حدا يعرف بمطرحنا، غير السّما وورق تشرين، ويقللي بحبّك أنا بحبّك، ويهرب فينا الغيم الحزين، يا سنين اللي رحتي ارجعيلي، ارجعيلي شي مرّة ارجعيلي"