الكاتب: هاشم شلولة
كثير من الناس يعتقد أن تأدية عبادة الله في هذه الدنيا والمناداة بإرساء مبادئ التشريع الدينية؛ هو مادة خام لصناعة الاستثنائية، ويقع في هذا الفخ المتدينون الجدد، ومفرزات الإسلام السياسي.. مما يُعلي حس الاصطفاء لديهم، فيتصرفون في الحياة وكأنهم الأصلح، والأفضل.. وأنَّهم خليقون بالمركزية. بالطبع هذا أمر خاطئ؛ لأنَّ الإنسان حين يؤدي ما عليه من عبادات ويكون صالحًا.. فإنه يفعل ما ينسجم مع فطرته التي فطر الله، ويوافقها؛ لضمان عدم الوقوع في مهالك النفس الأمّارة بالسوء.. أنت ليس استثنائيا لمجرد تأديتك لواجبك الوجودي. أنت تفعل الطبيعي، وما يتصالح مع حاجتك من الحياة.. يقول جلا في علاه في سورة الأنعام، الآية 98: "وَهُوَ الَّذي أَنشَأَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ فَمُستَقَرٌّ وَمُستَودَعٌ قَد فَصَّلنَا الآياتِ لِقَومٍ يَفقَهونَ".
إذن؛ أنت عندما تعيشُ الصلاح، فأنت تقدِّر مالك المُستقَر، وتحفظُ الوديعة، وعليك بأن تحسِن ظنّك بالله، لعله يحنُّ عليك أو يخصُّك برعايته.. فيجعلك ممن يفقهون. والفقه هنا هو القدرة على إدراك أنَّ الله هو السؤال الطويل والممتد عن أيِّ مما تختار في هذه الحياة من خيرٍ وشر.. وإنَّ كليهما لك وعليك، وليس الفقه هو اعتقادك بأفضليتك. هذا يتوافق مع فلسفة أفلاطون، وحتى لو تراجع عنه في محاورتيّه (القوانين والسياسي) ضمن نطاق الحكم، لكن الصلاح والعمل وفق مقتضيات ما أمر الله، وأنَّ ذلك ليس تفضُّلًا من الإنسان.. هو من ثوابت محاورته الشهيرة (الجمهورية) التي تضع الأسس الخاصة ببناء الإنسان المثالي، والمواطن الصالح.. الذي يكمن في نفسه سرّ الشعور بالعدالة الإلهية، التي يُشعَر بها ولا تُلمَس.