التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مما أراه

 الكاتب: هاشم شلولة


لا أتقبل أن أكون شريكًا لامرأة يمتلئ وجهها بمساحيق التجميل، وأشعر باشمئزاز عندما أرى المرأة بهذا الشكل. بالطبع؛ سيقول أحدهم أنّك تشمئز من غالبيتهن.. ببساطة نعم، لا أستطيع حتى إطالة النظر في وجه إحداهن إلا اضطرارًا.. كان يحدث عكس ذلك في بداية مراحل رشدي، وكنت أرى أن الأمر يعطي نفحة جمالية للوجه، وخصوصًا أحمر الشفاه الذي كان يجذبني إلى جانب الرداء الأسود كتخريجة جمالية لي أدحض بها عدم قبولي الداخلي لذلك.. لكن مع تراكم الوعي ووضوح التجربة؛ اكتشفتُ نفسي ووجدت أني لا أستطيع تقبُّل هذا الأمر للدرجة التي يؤثر الأمر فيها على أمعائي لو اقتربتُ من إحداهن في جلسةٍ أو لقاء وكانت مُكثرة من هذه الدهانات التي تجعل منها مجرد مهرجة ترفيهية، وتكون هذه الصورة هي أكثر ما يحاوط عقلي خلال الجلسة.. 


ضمن السياق العملي، فإنّه حتى في أدق وأعمق اللحظات الحميمية؛ يجد الشريك حرجًا في ذلك، أي أن هذه الدهانات ستلتصق في وجهه، فتتحول اللحظة من الأجمل والأعمق إلى الأقبح والأسطَح.. وعندما أقول الشريك؛ أقصد الشريك صاحب الوعي والامتلاء الذي يؤهله للانتباه أو الالتفات إلى مثل هذه الزاوية، وليس من تلهب أعضاءه أيُّ مسخةٍ ملونة يصادفها في الشارع أو العمل مدهونة، أو حتى يلمح صورتها في السوشال ميديا بالفلاتر والقرف الذي نشاهده يتراكم ويتفاقم مع كل يوم يمر. لا أستطيع أن أتخيّل رجلًا يستمتع بقبلة لشفاهٍ مطليّة بهذه الألوان والخربطات، وأمقت الرجل الذي يفعل ذلك، وأنظر إليه على إنه لا يبتعد في الشبه عن الجراء الجائعة، ولو كان كل الرجال كذلك فنظرتي ستكون واحدة. 


أما ضمن سياق الفكر، أظن أنَّ معناه واحد ومعروف، هو أنَّ المرأة لديها خلل في فكرتها عن نفسها، وتشعر بأنها قبيحة وتحتاج ما يجملها، وتشعر بالعار من وجهها إن لم يكن مطليًّا.. قد يكون البعض منهن ليس كذلك، لكن وقعن ضحايا للتسويق التجاري كما عبرت عن ذلك المفكرة الكبيرة نوال السعداوي رحمها الله. إضافة إلى كون المرأة تفعل ذلك، والرجل لا يفعل؛ فإنَّ ذلك يؤكد تمييز الرجل على المرأة، ويدحض المساواة المطلوبة (بغير حق طبعا).. المفارقة أنَّ اللواتي ينادين بالمساواة مع الرجال هن أنفسهن من يسرفن في دهن وجوههن بهذا الكم من ألوان التهريج. أي هراء هذا! 


على المرأة أن تقدِّر نفسها، وتتعالى عما يحطُّ من شأنها لهذه الدرجة.. ليس مطلوبًا منها هذه التركيبة الشائنة لإثبات الأنوثة. تُثبَت الأنوثة بالثقة وخفة الحضور وقوته، بسلامة التناول وصحة الأفكار عن الأشياء.. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...