الكاتب: هاشم شلولة
أجلسُ تحت التينة المعمرة، أمامي فنجان القهوة، وفي يدي سيجارة، يذوب طعم السيجارة والقهوة مجتمعيّن في بقايا نكهة الشيكولاتة.. فتتشكل ردّة فعل الذاكرة كانفجار، الذاكرة تنتحر وسط صدودٍ وإعراض عن أيامٍ مضت، كانت قاسية لكنَّ لها صباحات، وأناس كنّا نشاركهم فيها رجاءنا بصلاح اليوم. إنّه الصباح أيها الناس، الذي يستعين بصوت وردة في رائعتها "حكايتي مع الزمان" فيسحب كلَّ ماضٍ من رأسه لدائرة اللحظة، التي تتجمل بالوجوه والتفاصيل.. بالحكايات التي اعتقد جميعُنا أنها غابت بلا عودة. فأغمض عيوني أكثر، كأنني حارسٌ للوقت ومُزيِّنيه. أحبُّ البدايات بكلّ قسوتها، وأحب من كان في حياتي بكلّ ما كان من قلقٍ يرتدُّ على الأشياء في تلك الآونة. صورة الابتسامة التي ولّت، ووشوشة بدايات النهارات العذبة.
كلُّ شيء قطعه الزمن كان شاقًّا وسحيقًا، هو الآن هيّنًا وموضعًا رقراقًا للحنين، عدا عن أنّه لغة الذين تركتهم الأيام في غيابات الاستحضار يسبحون، كأنّهم يفعلون ذلك في نهرٍ بانسيابٍ وعذوبة ورفق، كلُّ الذي كان هو الآن غضّ كجغرافيا يد الأم، وكآثار الصلاة على جباه المستيقظين للفجر.
صباح الخير القادم من أقصى أقاصي الأغاني، والأشياء سيدة كالذين ذهبوا بعيدًا، تاركيننا نغني ونستذكر، أو نفاوض الدمعة الدافئة حنينًا واسترجاعًا لحبٍّ ظلَّ فينا أبدًا، وربما أزلا.