التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ما يصل من العاشق 5

 الكاتب: هاشم شلولة


قد أبدو متأخرًا، وقد لا يبدو للتأخير من عدمه معنى في سياقٍ كهذا. وقد تبدو اللحظة رهن هجعة صمتٍ جارفة دون منفذيّن أو واحدٍ على الأقل. قادت اللحظةُ رغبتي الميتة سريريًّا من نحرها نحوها. قد وقد.. احتمالاتٌ كثيرة، لا تُحصَر أو تبرى من لعنة ورودها في خَلَدِ جِبِلّة "قرشت ملحة الحياة مبكرًا" فاتَّكأت بزوايةٍ منفية في أقصى أقاصي الحلم أو الكابوس؛ ترقُب مدى توافقها والرواية.. خضعت تلك الجِبِلّة (التي هي أنا) لهذه الآنيّة الصامتة والساكتة، والتي تغوي شابًّا خائفًا مثلي من كل شيء بدءً بنفسه وانتهاءً بها.. تغويه ليحكي احتمالاته لشيء غريب، أنتِ ربما، وربما أنت.. ربما غيركِ أو تشبهكِ، وربما لاشيء.. وقد لا يبدو وجهُ الكون شبيهًا بالاحتمالات أساسًا. أسخرُ برهةً، وأخرى أقلق.. وأكمل هذا الشيء غير المفهوم، بيد عهدٍ قطعته على نفسي منذ عمرٍ بأن أفهم سؤال "لماذا أكتب؟" حين يكون ما أكتبه سهمًا يطلقه ليلى الهادئ من قوس حدسي نحوكِ/ نحوي/ نحو أشياء كثيرة أو قليلة.. 


رغم أنّي كثيرُ ذكرٍ لاسم أحاول مراسلتَه؛ لإيماني ككاتبٍ _أو يظن نفسَه هكذا_ بحقيقة حجم الأسماء، وهي تصيرُ إكسيرًا لتاريخ الرسول.. لكنّي هذه المرة وبأسفٍ؛ أشعر بهذا الحجاب يغطّي وجه الأسماء في رأسٍ مرتجفة كرأسي، لهذا قد لا أناديكِ هنا. وعلى سيرة الاحتمال، قد يكون ضميرُ المخاطب اليدَ التي تمسحُ العرقَ عن جبهة المحاولة، تأخذُ المنشار، وتكمِل الجزَّ في غابة الكلام الخنيق والمُخبَّأ في ال(هنا) الضالة، وغير العارفة لما تريد أو يريده صانعُ ظرف المكان.. الذي هو الآن يستجملُ العتمةَ، ويصنع منها أبجدًا.. مستصيغًا جهةً يسألُها، وربما يقدّم لها جوابًا، وربما يصنعُ قالبًا للقول.. الجهة أنتِ يا أنتِ؛ بكسرٍ لا تجبره الخشيةُ من الأسماء.. 


التأخير كان في البحث عن قاعة عَشاء، تتسعُ لحشدٍ من اثنين.. وكان لأجل أن يصدح العابرُ بخبر عبوره بصوتٍ عالٍ، وكان عن نبأٍ مفاده أنَّ المسافةَ والمساحةَ غيرُ كافيتيّن لانتحار روما، أو ندمِ قيصر.. وكان حقيقيًّا بما يكفي ليصير أبجدًا في حقيبة ساعي البريد.. الذي حمل وجهي من قريةٍ حدودية؛ لا تشبه الضوء.. إلى التروكاديرو الغريب وسط عاصمةٍ تضجُّ بعازفي الموسيقى على الطرقات.. 


لا يبحث العابرون عما استحسنته العيون من لافتات معلّقةٍ على جُدُرٍ يلمحها الراكبُ دابّته مسافرًا إليه/إليها/إليهم، وربما يكون السفر إلى ضميرٍ مخاطبٍ استعذبه الكناية مرّة أو أبدًا.. لكنّهم _العابرون_ مهوسون بالتقاطات محمّلة بسردٍ يفكك الاحتمالات، والمفارقة أنَّ التفكيك لا يزيدها إلّا تركيبًا وتلغيزا.. مهوسون بشرح التأخير وتشريحه لبعيداتٍ يعتقدن أنَّ الإمبريالية هي الحياة، مُقبِلاتٍ غير مدبرات ما عدا قصائد يلمحنها صورًا تدلُّ على الآخرين؛ فينتشين ويهربن نحو سيرتهن الزمكانية؛ التي تخلو من غائبٍ مريد..


كنتُ على مدار أعوام أحاول بشقِّ الأنفُس ملاحقتَكِ، وقد يكون هذا الجهد لمحوكِ من دفتر الوساوس المتسارعة.. كأنَّ صيغةً عكسيةً ترقصُ الآن على أنغام كيّي لنفسي وأنا أنزع الفهم من حشد نقيضِه الذي يحاصر شَبَهي.. منذ البداية حتى البداية، ومنذ النهاية حتى النهاية؛ كنت أحاول التفريق بين هزائم الاعتبار، وانتصارات الاندفاع. كنتُ مهزومًا في مواضعَ كثيرة كخيلٍ أنهكتها الكبرياء، أما عن الظفر بكِ فكان منازلةً تشبه أعماقي مع الزمنية الحادة، والتي أصبحت حادّة؛ لأنَّ التردُّد نجرها مثلما يفعل حطّابٌ غريب في أوقات الفراغ. كنتِ لي حاضرةً فحاوطني سؤالٌ طويلٌ عن الاسترسال الحرِّ في ذاكرتي، ولم تكوني لي فخنقتني أساطيرُ الكشفِ عمّا يعتريكِ، وبعدها.. صرتُ أحبو بين النار والنار، وبين الاحتمال والاحتمال، دون أن تصدُقَ وضوحي رؤية، أو يلامسَ أسراري عراء. 

لذا؛ ظلَّ هذا الحب معلّقا من كتفيه على سارية الأبد، فصار الأبد، وصار الأبد.. 


السلام عليكِ يا أنتِ، وعلى شيء أردتُ ملحمته فأذابته التراكيب في دمها الفائر من عراكِ طويل بين الخابية والبائنة من شهوة الوصول.. السلامُ عليكِ وأنت تعيدين القراءةَ مصابةً بلثغةٍ في التآويل، والتي ستحلّينها بعد وقتٍ من إصابة التآويل بمقتلٍ حلًّا يشبه فهمَ الفكرةِ وتدارُكَ المسموع الصامت بين الأسطُر.. السلامُ عليكِ وأنت في حيرةٍ من أمركِ بين الهزيمة والانتصار لأجل استبدال اسمِك بالضمير.. الضمير الذي يجعل منكِ حقيقيةً وخائفة بما يكفي مثلي وأنا أكتب كل حرفٍ هنا بحرصٍ ودقة شديدين.. السلام علينا ورحمةُ الله وإلهامه لكِ بالتغاضي عن سؤاليّ "لماذا؟" و "ما؟". 

هي بُرهةٌ حاصرت شاعرًا؛ أنتِ بطلتُها وفقط.. فقط. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...