التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2022
  الكاتب: هاشم شلولة.  نحاول دائمًا بكل ما وصلنا إليه من هدوءٍ أو انطفاء أن نطرد أيِّ مدٍّ قتاليٍّ جديد، قد تستجلبه الحياة لخلق حالة من الخصومة بيننا وبينها. لا أقول ذلك كوني خصمًا للحياة هادنها مؤقتًا لأعطابٍ سيكولوجية وفنية؛ إنما ابن غَضّ وجسارته طرّية لا تحتمل صلابة الوجوم الذي تستفرغه الأم الحياة في أرض استيعابنا لكل ما يحدث من مناكفاتٍ ذات فمٍ كبير وفاغر، ومستعدة دائمًا لابتلاعِ أيِّ شبلٍ من بنيها قد يقرر أن يكون جنديًّا. الإحباط حاضر دائمًا في كُل الأنساق الفكرية الإنسانية، حاضر بشراهة، وكأنّه وجه آخر لها، ولكل ما يحدث. بكل ذيول التعاسة التي نجرّها خلفنا خلال مرورنا في هذا العالم، والتي يخلّفها الإحباط فإنَّ هناك ما يجعلك تقف منتبهًا قليلًا كإنسان مُحبَط _أو أي إنسان آخر_ أو فنان أو مُفكِّر... إن هذا الانتباه يتلخص في الذي قادنا كمُحبَطين نحو الإحباط، الوعي هو الذي فعل ذلك، ويشبه الوعي هُنا ذلك الرجل العجوز الذي دائمًا ما يجلس على باب بيته عصر كل يوم، وكلّما مَرّ غريب يستفسر عن الطريق، دَلّه العجوز عليها بسهولة لأنّه الأخبر والأقدَم والأكثر معرفة... (الوعي العجوز، والغري...

امتلاء

الكاتب: هاشم شلولة.  هذه الامتلاءات مهيبة الطالع، فوضوية الترتيب، وليس العكس، أخذَت شكلَها؛ لأنَّ ليلًا مبتورَ الأقدام طَلَّ جالبًا معه أساريرَ وجوهٍ كُنّا قد حفظنا علامات اختناقها، وغمغمات ثيرانٍ وضعَتْ يدُ الأبديةِ نفسها على الأفواهَ التي تُشكِّلُ ممرًّا لها. التوابيتُ الصماءِ المُظلمة ليست استثناءً من درزينة الامتلاء التي تنمو كأنّها حاجةُ عابرٍ لصلاة الخوف، العبارات كذلك، التوق الشفاف القديم  للحب، فكرتنا الأولى عن الحرية... كل ذلك، ومعه نعوت جديدة، كُنّا قد صنعناها؛ لننجوَ من التأمل الممسوس بالاجترار في هاتيك الأصفاد المتروكةِ فينا جرّاء مثل هذه الامتلاءات.  كان التساقطُ أقرب لولا خُطى الحاجة، الفراغ أيضًا حاجة يُرادُ بها فائض، والاستعجال فيما تريده الحاجة؛ امتلاءٌ سافِرٌ بمُنعطفاتٍ حاولنا الحياد عنها مرارًا لكنَّ لغة الطُرُق الطويلة يعلو صوتها في حضرة أخطاء التوازن؛ تلك الأخطاء التي نربيها كالظلال دون قصدٍ أو انتباه، وقبل قِبَلِنا بها؛ أشربها بغتةً لعقولنا الآباءُ والأعمام ومن شجَّت أصواتُ الرصاصِ بصيراتهم، ودعَت بصائرهم تحت مجهر الشمس، فماذا تكُون البصائر حين تتسمّ...

إشباعٌ ولذة وتأمُّلٌ بكّاء

الكاتب: هاشم شلولة. بينما يبكي عقلي ويتجدَّل مرّة أخرى، ويُكرِّر ثَنيَاتَه، صادفتُ في مكتبتي مجموعة قراءات للذة، وكنتُ كغيري من المحتدمين الغاضبين، لكنّي أستوعب لضرورة الشاعرية أنَّ اللذة أعمق من حدِّها الشهواني، وأبعد، لكنّها لا تخلو من موازاة مع الشهوة. فإذا بنص مؤجَّج بقدر هدوئه لجدي الذي أقام مستلذًّا في أثينا، ولم يستطِع النسيم محوَ آثاره أبيقور عليه السلام، وهنا كان الذهول، كأنّه يصرُخُ في أذني قائلًا: اللذة في عدم التجاوز، تجاوز حجمك ولونك وصورتك ومعرفتك ومساحتك المخصصة لعلاقتك بالأشياء... اللذة سكنٌ وسكينة.  شعرتُ بإحباطٍ شديد لحظتها، لأنَّ تجاوزاتي التي تطول لائحتها أوصلتني لمرحلة من الإشباع للدرجة التي لو كنت فيها مكان موسى النبي مع ولي الله الخضر، لم أكُن لأسأل عن تفسيرٍ لأفعالِه، وسأستطع معه صبرًا، ليس لأني أعرفُ جملةً واحدة من اليقين؛ لكنّه الإشباع الحقيقي من التفاسير والتأويلات ورغبة الفهم أو الوصول والعلاقة شبه الاكتمالية بالتجربة.. هناك الكثير لم أصله، لكنّي عرفته، وأن تعرف يعني أن تُقدِّم استقالة من مزاولة الحياة، وتنحو ناحية زاوية من زاويا العالم مُراقِبًا، والمُف...

أصبحتُ شاعرًا

الكاتب: هاشم شلولة.  من يعيش حياته مُفكِّرًا؛ ستُطيحُ به ازدواجيةُ المنطق الإنساني المتمثلة في فكرة أن كل عملية دخول هي عملية خروج في ذات المنطِق. هذه الإطاحة هي إطاحة بنائية، أو مشهدية تراكمية محصلتها تركيب منطق المُفكِّر، كما تفوّه بذلك أول فلاسفة ما قبل الطبيعة طاليس لتلميذه الجاد والضحل أناكسيماندر خلال تدوير عقل التلميد ورحلة التأثُّر. السؤال هنا: هل فهمُنا الذي سيكون بشق الأنفس _في حال كان_ لهذه الازدواجية سيجعلنا نستوعب مشهد هدّام كفكرة الحياة؟ (هدّام بمعنى أنه ساحة لتبديد هذه الإزدواجية، وفي ذات اللحظة متملّص منها؛ لأنَّ الحياة لا ذات لها، كيّ تُخاطَب بلغة الإنسان القديمة التي بُنيَت على المنطق تتاليا مما نستنتج هلاميةً مستشرية في جوهر الحياة تحول بين التواصل معها، وبين الإنسان الذي يفني عمره باحثًا عن لغة ثابتة لخطابها.)  منذ سن أربعة عشر عامًا إلى اليوم، وأنا أبحث عن إجابة لهذا السؤال الذي خلق نفسَه بداخلي بصفته العفوية، والتي جاءت سبرًا لأغوار تأملية أولى، أخذت بيدي على مدار عشر سنوات لمجموعة من الأفنية التجريبية المختلفة والمتباينة، كانت محصلتها أنَّ المناهِجَ تدُل...

في استبصار أدهم العقاد

 الكاتب: هاشم شلولة. قبل ثلاثة أعوام، وقد كان يومًا باردًا وأشبه بهذا اليوم، ذلك ما دعاني للتذكُّر، كان العصر قد بدأ مجيئه، وبدأت معه حاجتي وأدهم العقاد للبحثِ عن طريقةٍ نطردُ فيها شيطان الصحو اللعين، فبدأنا بالمشي الطويل في شوارع مدينة خانيونس باحثين عمّا يُغذّي هذه الحاجة، وفي أوجِّ عجزنا؛ كان أدهم يرسم الخطط ليصل إلى توفير ما نُطعّم به عقولنا من مُسكرات لصناعة الشعر والسُّكر معًا، التفتتُ لأدهم الذي عبّر لي عن برودة جسده من طقسٍ كهذا، وقلتُ له: أحبُّ فكرة أن تتدفَّأ الأطراف، وستتدفَّأ بقية الجسد تلقائيا.  أدهم في لحظات الحاجة للسكر يكون كل شيء تقريبًا بالنسبة له مثار سخرية، وغير قابل للاهتمام، ضحك بسخرية صامتة ولم يرد، حيث قال لي: "لما ندخن حنبقى نحكي". نسي هو، وقد حصلنا على مونة تلك العصرية، ذهبنا لغرفته المبنية من سعف النخيل فوق منزلهم، وروينا رؤوسنا بأدخنةٍ تدلُّ علينا، وفي غمرة السُّكر، سألته ما إذا كان قد تذكّر حادثة دفء الأطراف، سكتَ وقال لي: "دخّن ي خال." ضحكتُ وقتها بصوتٍ عالٍ، ونظرتُ إلى أطرافي، يومها أيقنتُ أن البرد والدفء سيان طالما أن الحاجة مكشوفة، و...

عزلة حرّة

الكاتب: هاشم شلولة.   منذ مدة لا بأس بها، أعيشُ حياةً تشبه الهادئة، متخفِّفًا من الأشياء، أحيا مع نفسي وفيها، وأحاول باستمرار طردَ المُنغِّصات وما من شأنه إثارة حِراك في يومي، أعمُدُ لبناء حياة لا صوت فيها، لا أصدقاء، لا شُركاء. إن كان عندي عملًا أعمله، ولولا أنني أحتاج مردود هذا العمل لما عملت، لكن العزاء أن عملي يكون في غرفتي وأمام جهاز اللابتوب ويتزامن ذلك مع إغلاق للباب والنافذة وخنق أي صوت ما عدا صوت الموسيقى والتي تشكّل مصدرًا وحيدًا لتجلياتي في تلك الحياة التي اخترتها لنفسي، وإن شعرتُ بالملل من الغرفة، فإنني أذهب لمقهى قديم من مقاهي المدينة المُتعَبة، وهو ما يحدث بشكل إن لم يكن يومي، فإنه شبه يومي.. أجلس بمفردي في واحدة من الزوايا، وقد حفظ النادل طلبي، يأتي لي به دون صوت أو طلب.. أقضي عدد من الساعات أكتُب وفي أذني الموسيقى، بعدها أعود للغرفة.  هذه حياة هادئة وباردة وأنا راضٍ بها وعنها، لكنّ الوحدة ليست دائمًا على حق، وتجعل من الإنسان أشبه بالآلة، يوازي الاعتياد، ويتدارك دون قصدٍ حاجاته الإنسانية المشاعرية، لأَّن الإنسان دون مناصفة هذه المشاعر نصف إنسان، تستطيع أن ترضى ب...