التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

من خطابات مدينة السفلة

 الكاتب: هاشم شلولة أعجبُ من أسماءٍ تكارَت مناهجها كيّ لا تلمح الصحراء الصامتة الثابتة في النفوس، وأضاءَت عتمتها بحفنةِ تكراراتٍ ملَّها الشهود، ومن يقدّمون القهوة في مقاهي المدن الفقيرة مُتّضحة تمايز الطبقات، وصعود البهاليل وهبوط حمّالي الفوانيس وسط هذه الجوقة الغامقة من الألوان المصطدمة بديهيا مع الزمن.  سأل السائل المتأمِّلُ سخريةً: ما معنى هذا الانشطار؟  بعد أن تغوَّط بالسؤال من فمه، قام بحذفه لضرورةٍ قد تكون حقّة في تقديم ذاتها كضرورو. قال في نفسه: ربما تلمحني عينٌ تصطفُّ حول سواحلها القَذاة، فتكون اللمحة إحاطة حديدية مسعورة، تجعل من القلم وتلك الكتلة الصغيرة التي في الرأس مجرّد ماضي؛ لا يفتأ يكون على لائحة استذكارات شتائية عند اجتماع الصعاليك، والطواف حول نارٍ تُعرِّيها الوجوه.  أخوةٌ قدماء راودوا الجرأةَ عن نفسها، ولم ينهروا صوتَ السائل فيهم، قمعوا رغبة الأصابع بالحذف؛ فأصابهم مطرٌ بلونٍ، وكما تعلمون؛ فالماء يمقت اللون لكنَّ المعجزات تتقوّلُ على من يميزون نكهات القهوةِ الأقاويل، وتُعيدُ أيامَهم لما قبل القول وحاجة الأطراف للخربشة عمّا يُنازِل أسوار المدينة، الت...

الحالمون يرحمهم الشعر، ولا تفعل الحياة. ( حلقة طواف حول الشعر)

 الكاتب: هاشم شلولة  الحالمون يرحمهم الشعر ولا تفعل الحياة. (إشكالاتٌ وتهاويل) كم مرّة كان السؤال الذي يُغرِقُ الشاعر في كل فرصة تظهر شاعريته فيها: ماذا سيمنحك الشعر؟. سؤال صغير وعفوي حتى في إيقاعه اللفظي والسمعي في آن. فماذا عن إيقاعه الجوهري؟ هل هو بحجم الثلاث كلمات؟ أم أنَّ الحجم في مشهدٍ كهذا ضِغث مشهد؟ هل هناك مِنحة ما من الشعر؟ وإن كان؛ فكيف؟ هل مطلوب من الشعر أن يمنح؟ ما هي الضرورة التي تقود للسؤال عما قد يمنحنا الشعرُ إيّاه؟ ما مصير الممكن والأكيد في جدلية العائد في الشعر؟ ما هي مضامين الشكل التي يحتكم لها السباق بين الحياة والشعر وهل هناك سباق؟ ما معنى أن تكون شاعرًا حالما؟  إنَّ الشعرَ كالروح، تشبيه بسيط ومألوف، لكنَّ المُشترَك بين المُفردتين أعمق بكثير من جزئية المُشبَّه والمُشبَّه به، إنهما يتشابهان، وربما يذوبان في بعضهما وبعض ما يُعرَف عنهما من استقصاءٍ عميق حول المُشترَك المراد. كلاهما سائليّ ومُبلّل، ولا يستطيعان الفكاك من كونهما كذلك. كلاهما بالغان في الزمنية من حيث شكلها الأزلي مفتوح التفاصيل، والنتائج، والغرق اللغوي على حين الفكفكة الشاملة لمتروك كل كلم...

مذبحة الكلام

 الكاتب: هاشم شلولة  لم يتغيّر كلُّ شيء كما يعتقد الجميع، بل أمطرت الحياةُ أحداثًا وأسبابًا كاشفة، وبتتابعٍ لا يسمح للبصر أن يتوزّع أو يرى كليّة الزاوية.. عرَّت كلَّ شيء، وذرته بكامِل أعضائه واقفًا في مهب الريح. لم تكُن تلك المساحة المخصصة لوجع الأشياء بهذا الترف، لأنَّ السفالة كانت في مرانها الوجوديّ المُستعِد لنِكاح الصور، وإشباعِها بالتواريخ التي تدل على آثار المسامير في الأجساد وطينة الأمل اليابسة، التي صارت صلبة في مساءٍ صيفيٍّ حزين.  اليوم، بات الوضوح مرتديًا ربطةَ العنقِ، ويسير بخُيلائه في الشوارع العامة، بات مرئيًّا تاركًا وحدة الرغبة المتراصّة تشكو فوضى الجهات وجهات الفوضى.. إنَّ الاستنشاق المرصّع بالروائح الدخيلة لم يهَب الحِيَل ولا نقمة الفصول الجليلة.. لأنَّ الأسماء اتَّخَذَت من الأوكار المنحطة فنادق، ولأنَّ الرجال تعفّنوا في سراديبهم، وكلما مرَّ مارُّ؛ حصل على حصّةِ أنفه وأكمل مرورَه ناحية اللاشيء واللاصوت واللامعقول الذي يتقيَّأ معقولاتٍ كثيرة..  كالماء فوق الحطب المشتعل أنت أيها الجالس بالباب تأملُ بارجةً، وتتأمل أسبابًا شديدة الحرص على بقائها.. كلّما ...

الشاعر لا يموت

  الكاتب: هاشم شلولة ألقى الشاعر البحريني الذي أحب قاسم حداد قصيدة بعنوان "الوقت" في أمسية لمؤسسة الجابر، وعندما وصل إلى مقطع:  "كم سوف يكفي من الدم  كي نحتفي بالضغينة، وهي تزول من النص"  كرره ثلاث مرات، وبكى دون توقفٍ لمدة تشارف على الدقيقة، استمر في البكاء لما بعد المقطع، وهنا، بالضبط هنا.. استشعرت مهمة الشاعر الأخلاقية الحقيقة، وآمنت بأنَّ الشاعر ليس في حالة الانفصال الإشكالية عن نصه، التي أحدثها "رولان بارت" لاعتبارات الحداثة النقدية للنص الشعري، وما بعدها.. رغم أنَّ قاسم شاعر ما بعد حداثي بالضرورة، لكنّه أكد حالة الاستثناء التي تستوفي مفهوم الشعر مكتملًا. إنَّ بكاء قاسم حدّاد هو تجسيد لمشهد خرق الأعراف المونودرامية المُحَدِّدة للنص الشعري بارتداداته الانفعالية على الشاعر، وذلك التجسيد هو النزعة الرافضة للتجريد، وما بعد الشاعر كحالم، عدا عن التأكيد على أنَّ الشاعر هو فكرة ثبات البدايات، وليس خطًّا لغويًا ومشاعريًّا متعجرّجًا.. ينسجم مع مدارسية النص، إنَّ قاسم حدّاد ألغى التشيُّؤ النعتي لعلاقة الشاعر بنصّه.. الشعراء في حالة من الاستقامة الطويلة وجدانيًّ...

وحدة

  الكاتب: هاشم شلولة. إنَّ وحدتي هذه لم تتوقف عن منحي أسبابًا وجودية للأشياء. هذه الوحدة التي تأتي خفيفة، وثثقلها عراكات الذاكرة المُستمرة مع ما هو واعي، وغير واعي. إنها لغة لا يتوقف التاريخ الزمكاني عن تعليمها للحشود الإنسانية المُتعاقبة، لإخبارهم بشطحات الأبدية، نحن نعلم بأنَّ الوحدة بكل ما لديها من قدرة على خلق فوضى مثالية منتظمة كدافع للوجود، لا تستطيع منحنا ولو جزءً بسيطًا من اللذة الغامضة التي يمنحنا إيّاها التفاعل مع البشر كجزء من نظام الطبيعة. الوحدة تجعلنا نرفض الأشياء وهي ملتفة بماء ميلادها كفكرة.  ربما تفترسها محاولاتنا للحياة لكنَّ النار حين تنطفِئ، يبقى الرماد يئن من هشاشته. ماذا يجب علينا أن نفعل لنتلاشى جنون الوحدة؟. علينا التأخر كثيرًا في اختيار رغباتنا، وتأجيل النشوة. علينا ألّا نتعلق بالمجاز؛ كأنّه النبيّ المُنتظَر الذي يحمل الرسالة، التي ندرك فيها عمق شعورنا الذي صرخت به الوحدة في آذان اللغة. هل أخطأ "نيتشة" حين أنبت من الوحدة مشهدًا فلسفيًّا نقوى به، ونحتمي من ظُلمة الآخر الذي يعتقل جزءً منا بهذا الإحتكاك المُفسد لصفو وحدتنا الأبدية الشفيفة؟. ربما انتبهت ا...

ابتهالٌ مفلسف

الكاتب: هاشم شلولة. إرادة الله التي نعرف، ليست محض إرادة يخلُفها قرار، هي مشهد مكتمل لقراءة النفس، وترجمة زواياها في مختلف أمكنة تطبيق هذه الإرادة، لهذا؛ نصدُّ عن معرفة الله في أماكن محدودة، ليست صدودًا ترفيًّا بقدر مهو مناشدة لله، كما يناشد طفلًا أباه حضانة شعورية رغم أنَّ الله الفلسفي إن جعلنا نشعر بحضانته فالشك أولى، لكنَّ تركيبة الإنسان ناقصة والله كامل، الكمال آية يُراد بها كفاية النقص بدليل المناشدة والصلاة، فرجاء الله ربما غير كافي بقدر الحاجة لمعرفة عدم وجوب إدراكه ولمسه عينا.  فيالله الذي لا ينفع أن نلمس وجهك، يالله الخاص بنا، لا تنسى بكمالِك نقص العبيد صلاةً وصلة، لا تدع أساريرنا تأكلُنا على مهلٍ، وامنح صراخنا هواءً بارًّا به، حناجرُنا الضعيفة لا تؤرّق الليل، وتعاتبنا حين لا نصرخ، فكيف لا تريدنا أن نغوي صراخًا وارتجال، كُن صديقًا للدليل نشيدًا واحتشاد. لا تذر لليلِ في جبهتنا حقوق. 

دوار

الكاتب: هاشم شلولة كبشر؛ نعيشُ ونحيا ونفكر ونتدبَّر.. لسنا معفيين بالمُطلَق من تهمة الاحتيال على الأحداث والأوقات، تلك السردية الكبرى التي تؤرِّق بواطنَنا بعُنفٍ غريب وشرس والتباسي.. يتمثل هذا الاحتيال في رصد وعينا ومراقبته للأحداث رغم أنه يكون جزءً منها، وقد يكون قلبها، لكنه مراقِب؛ يستعير من عقله ألاعيبَ مُمنطَقة لشرعنة هذا الاحتيال أيضًا، كالسخرية مثلًا. السخرية أعمق طرق التجلّي الإنساني العريض وأكثرها مرونة، لكنها ليست الحل، لِما تختلقه من هوَّةٍ عريضةٍ تكبُر وتتَّسِع كلما مرّ الوقت؛ بين الساخر والحياة باختلاف صورها، وأنباء أخرى غير السخرية، قُدِّمت كمِيكانيزم دفاعي لأسبابِ احتيالِنا على الأحداث والأوقات، لكنّها لم تُفلِح لأنَّ الإنسان لا يجيد الخفّة، ولا يُجيد حقيقة الوجود المُجرَّد من الأوهام والأخيلة.  سينتهي الأمر بالإنسان بعد هذه الدوّامة التي تسبب الدوار إلى الركون جانبًا للأبد والسكوت الطويل، والممتد على طول الطريق، سينتهي حيًّا على قيد الموت، تُنكره الخُطي ويذوي.