التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

العارف بالله الخجِل

 الكاتب: هاشم شلولة كان جلال الدين الروميّ رضي الله عنه وأرضاه عارفًا برتبة عارف، وكان عارفًا أنَّ معرفَته سيفٌ مُسلّطٌ على عنقه والرغائب والشرائب وما يتوارى تحت الترائب.. هذا العنق ابن الحياة الرافضُ لها.. مما حوّل ذلك شيخنا قِبلةً لعيون من يبحث في العرفان عنه، ومقامًا لتلك العيون التوّاقة لنفحات ربّ العبيد والعباد كلّهم، وكان.. كان خجولًا من الله، وتحت سمائه.. فكانت شُعَب الإيمان التي في منتهى الصفِّ في مطلعه إذا ما ارتبطت بالشيخ الجليل.. وهذا هو الإيمان بمشرقه ومغربه إن اجتمعت المغارب والإيمان على مائدة المقاربة. ففي واحدة من صدحاته الحيائية القصوى؛ نظر في وجه شمس قرينه الروحي، والذي آخاه ولفّت روحُه روحَه، وقال بهدأته المُعتادة: "يا أخي، لا أريد أن يبقى لي أثر في هذا الوجود خجلًا من الله، ولو كان قبرًا."  جنونٌ واحدٌ قد تغفره ضرورات التعقُّل واعتباراتُه، هو الجنون بالحياء. فإنَّ استحيينا من الله حبانا بالعفّة، خصّنا بها وأحاطنا، وجعلنا بين عباده من المستحين حياء القَبول والوصول والذوبان في حضرة ذي الجلال. فو الذي نفسي بيده لا يوجد في الوجود أرقّ من قلب يستحي، فالحياء كلّه...

عندما تغمرنا ريحُ الله

الكاتب: هاشم شلولة  عندما تغمرنا ريحُ الله الطيبة، المُهذِّبة، المُرتِّبة.. تغمرنا بالتوازي حالةُ بدايةٍ قصوى للأشياء، حالةُ ميلادٍ مستمرّة، وواضحة بغموضٍ ربّانيٍّ لذيذ، لا يستشعره إلّا من سلّم طينَه لسِلال الله؛ لتحمله اليد العليا، وتمضي نحو فلاحٍ واسع وأصيل وذات معنى متفرِّع وموزَّع على كل أبجديات الذات المُسلّمة نفسها لأنزه وأعلى وأعظم وأعمق مُستلِم..  يا حبيبي يالله، يا أعدل اللغات حين تتوه لغاتنا، وتستشبه بالطريق فلا تجده، فتلمح أبصارنا المُجهدة نورَك يخترق أكوام الملح المجتمعة حول الأجفان التَّعِبةِ.. ينتشر في العين ابتداءً، فيلامسُ القلب كما يلامس الحفيفُ ورقةَ التين المبتلّة بماء المطر، وبعد التلامس؛ ينحتُ النور لنفسه مقعدًا في أقصى أقاصي الجسد، فيأمر ربُّ الأمر ببركةٍ غيّبتها دنيا طارئة عن مستأجِر الجسد، فمالك هذي الرمال ربٌّ حليم أزلي، يُنسَخ هذا النور نسخًا كحبرٍ على ورق، فيتجمّل الوجه، وبعد الوجه؛ يصير حتى الاحتمال جميلًا، وذا خارطة.. تدلُّ، ويُستدلُّ بها على أثر المعبود، وإيثار العبد.. أمثلُ ذلك توازيه الدُّنا؟ تدنو منه أو تنأى؟  لا والذي نفس الصالح في يده، م...

هاشم

 الكاتب: محمود الجبري.  محمود الجبري، هو كاتب فلسطيني شاب من خانيونس، جنوب قطاع غزة.. صدر له مجموعة شعرية واحدة، بعنوان: "هل تتأخر البداية". وقد كتب هذا النص لي، نعبيرا عن علاقة شاعرية تجمعنا، و يعتبرني  واحدا من الذين أخذوا بيده نحو عالم الشعر والمعرفة..  هاشم الذي أعرفُه كما أعرف عجزي التام عند الحديث عن تلك العلاقة الوطيدة، الحقيقية والتي تجمعني به، بيد قِصَر قامتِها، المطلةِ من نافذةِ الشبه على اتِّساعٍ لا مثيل لزرقته. تكسّرت كلُّ أسنان الفواصل، وكلُّ معاني الالتحام تلاقت.. لأن كلمةً ما نسيتُها في سترة البداية؛ التي أهداني إيّاها عند أول نظرةٍ حالت بين جسديّن يبكيان على رابيةٍ متشابهة وبعيدة.. لكنَّ المكان الذي يحول بيني وبينه وهمٌ مدرعٌ بمجمل صور الحقيقة. نساور بعضنا باللغة، ويعطيني العصا كي أرى قافية الأرض؛ فأنتبه..  يخطُبُ هاشم بحواسي خطبةَ الغد الثقيل بكل خفته، فأدنو من ضوءٍ يرشده مسيرُ الظل، كي لا أعمى من تضادِّ المعنى المعلقِ من عينيّه المجروحتين؛ إثر التعري الكبير من كآبة النضوج.. أسألهُ عن نفسي، فيجيب نفسَه بسكين تاريخٍ عالقٍ بين مفاصلهِ، تاريخٍ سائل...

الله فوق، والصلاةُ تحت

الكاتب: هاشم شلولة الله فوق، والصلاةُ تحت.. ما بينهما ماءٌ يغسل الأحزان والهموم، يسكِتُ نبضَ الزيارة المُهتاج، ويعلي شأن العبارة والمفارقة. يلهِمُ اللهُ سكّان الرأس بمحطتهم، ويعِدُهم صوابَ الطرق، فكل التقاطةٍ عبءٌ على الاستبصار. يخففنا ربُّنا حبيبُنا من أنّات الحِراب العوالمية، ويطيّع المكامن.. فنحن عبيدٌ ثقلُت علينا الشِّقوةُ، وبعُد المرام..  يحبُنا ربُّنا ونحن نعصيه ونخالفُ إملاءاته؛ ليعلّمَنا الاستدراكَ والاستئثار، وتلك مطيّة حبٍّ مطلقٍ إلهيِّ البداية والبديع.. ليُلهِمَ حواسَنا بصورةٍ للحب تشبهُه، وتجسيدٍ للجمال وتسكينٍ له في مخابئ الأرواح والأحشاء. يخطط لنا الدروب بمحض إرادته وامتثالِ إرادتنا؛ لتكتنز رؤانا له وبه، فلا تُسقطنا ما سوى رؤانا التي من رؤاه.. فنرى، ونُبصر ونهتدي، فيرانا بجزالة يده وقربه الأقرب من حبل الوريد، ونسلك ما يُقضَى بسلوكه، فتحدث الهدايةُ وتُمضِي علينا وفينا قدرَه.. فنحن لا نقترب منه إلّا بقضائه ومَنِّه وعظيمِ انتباهه المطلق لنا، ولا نبتعد إلّا بفصله.. فمن يظنّ أن قربَه من الله اجتهادًا غرُم، ومن آمن بأنَّ قربه من الله تفضُّلًا منه عليه فقد غنم وفاز وحسُن ظنّ...

ليس بالإمكان أعظم

 الكاتب: هاشم شلولة  بسم الله الرحمن الرحيم "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)" _سورة الحجر.  من أجمل وأعمق سور القرآن الكريم، وأحبّها لقلبي. هل هناك تكريم أكبر لبني البشر من روحِ الله التي تسري فيهم؟ هل هناك أعظم من سكون الله في ذواتنا؟  كل صنيع عظيم يقود بداهةً لصانع أعظم، فليس بالإمكان أعظم ولا أبدع مما كان. كرّمنا وجعلنا استثناءً وآيةً من آياته الكبرى.. لعلنا نتفكر أو نتدبر.. كأنّه يخبرنا أننا لمستُه الإبداعية القويمة والكبيرة التي فاتت الجبال والأرض إبداعًا.. بتكويننا المركب والممنهج. إنّك إذا تتأمل في هذا البديع؛ فإنّك ستأمُل وترجو وتطمع فيمن صوّر هذا التصوير، وما يزيد أملتك ضخامةً هو عجزك عن فهم ما هو سوى البادي منك فيك.  إنَّ الله لا يخبر بخلقنا عنّا رغم وضوحه للمؤمن، لكنّه يضعك في موضع المواجِه للمرآة بواسطةٍ التدبُّر والتعذُّر، ومشاهدة هذه الفسحة بتؤدّة من يرى الأشياء باحثا عن سرّها. إنّه ربُّ كل شيء، وفلسفة الاستحضار الجزيلة؛ حين لا تُخطئها استعداداتُنا كمؤمنين، يرون الجلالة في العَلاة الجسمية والفلاة الكلي...

ما نحن إلّا مشاويرنا

الكاتب: هاشم شلولة  هذه الحياة واسعةٌ، ومشاربُها كثيرة.. مليئةٌ بالجداول والأسرار وحواشي التأمّل. تأتيها ضئيلًا صغيرًا فتملؤك الزوايا بالأسئلة. يظل يطاردُك البللُ كما يفعل الأمل، ويفعل اليأس.. كأنَّ الحياة حاضرٌ متأخر، بشهادة اللحظات التي تعيدُك إلى شيءٍ تعتقد أنّك عشتُه، وما أنت كذلك.. ربما عشته في ردهةٍ من رُدهاتك البعيدةِ فيك، لكنّك الآن قريب.. تبصر ما تبدأ عنده النقاط، وتنتهي علائم الدهشة.  كالحائر أنت وكاثنين يشاهدان نفسيّهما تعلوان في أسفل الأشياء. لماذا تحب الورد العتيق؟ هذا سؤالك لصف الأضواء على جوانب الطرقات، وأنت تتفقد ليلًا يشبه سارياتك البعيدة. تريد من كل مستحيلٍ ألفةً أو رجاء؛ أيها الوافد إليك من ساحل الحزن الغامض، ثم على شبابيك الزمن تغني، ويسمعك ذبول اللحظة بإنصات..  لا تسكت أيها الحفيد المخلص للغربة، فلا تسكت مثل الرياح، ومثل أحلام الصغار قبل أن يكبروا.. يقول الذبول؛ فيمضي قوله لغةً بقدميّن على طريق بدأ حقيقةً وانتهى وهما.. هي رغبةُ المارّ والفاحص لخرسه، أن ينفث عالقا أثريا في فسحة اللغات، فيصير فارغًا كهذا الليل، ممتلئا كالنهار..  هذه الحياة ضيقة وتع...

لم أعرف الحياة قبل الإيمان

 الكاتب: هاشم شلولة كُتب ذلك في صباح الثالث من يوليو تموز للعام 2023 ميلادي، والذي وافق الخامس عشر من ذي الحجة للعام 1444 هجري.. وهو ذكرى ميلادي.  بلغتُ من العمر ستةً وعشرين عامًا.  لا رمزَ لعدد السنوات هنا، ولا رمز للكم الذي قطعته في هذه الحياة.. كل الرموز تجتمع حول كعبة السؤال عن حقيقة ما مضى، تطوف حولها مثلما تطوف الصور في عقلي هذه اللحظة.  أعتقد أن كل ما مضى كان وهما ملطّخًا بالركض، وأقول ذلك بحيادية مطلقة، دون حزن أو ندم.. أقوله متصالحًا مع ضرورة القناعة بأنَّ الحياة كذلك، وكل محتوياتها كذلك.. إلّا برًّا تفرضه علينا حاجتُنا للنجاه، وهو الإيمان.. الإيمان بالله هو غُنمنا والحقيقة الأوحد، وهو العمر، فمنه بدأ، وعنده سينتهي.  لم أعرف الحياة قبل أن أؤمن بالله.  أحبُّ طفولتي، فقد كنت ابن أبي الأكبر، وكان سعيدًا بي وانتظرني بلهفة، ودعا الله بمواصفاتي ودللني في المطلع.. لكن سعادته لم تكن سببا كافيا ليُذهِبَ عنّي حزنَ الطريق وبؤسَ الرحلة فيما بعد.  أكره مراهقتي وشبابي، ومتعلقاتهما.. إلى اللحظة التي اقتربت فيها من الله، وشعرت خلالها بأثر هذا الاقتراب عليّ.. ...