التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

ما يصل من العاشق

  الكاتب: هاشم شلولة عزيزتي..  كنتُ قد جهزّت نص الرسالة منذ أواخر يناير، وكنتُ متردِّدًا في إرساله، لكنَّ غيابَكِ المُقلِق رفع من منسوب جُرأتي، ودعاني رغمًا عنّي لإرسال هذه الرسالة لأطمئن عليكِ أولًا، وأقول ما أختزنُ ثانيًا.. فمنذ اللحظة الأولى لغيابكِ لم تسكُت خليّة في عقلي عن التفكير في الغيابِ وأسبابه ودواعيه.. الغيابُ يعلِّمنا الجرأة وفنون التذكُّرِ والنسيان.  ازدحامٌ كبير يحوِّطُ خلايا عقلي لدرجةٍ عجزتُ فيها عن اختيار طريقةٍ افتتاحيّة تُشبه البداية مُفتتحًا هذه الرسالة. لذلك؛ سأعتذِرُ بادئًا بدلًا من التحية، تلك عادتي؛ فأنا كثير الاعتذار، وتفوق اعتذاراتي تحياتي، ويعود ذلك لعقدة ذنبٍ تلازمني باستمرار، تنبثق نتيجة تأمُّل ومراجعة مستمرة لكل بنتِ شفّةٍ أنبسُ بها، وبعد ..  مرحبا أيتها الجميلة ذات الوجه الثائر المدلل، المُحتار بين النضج والصبيانية.. تلك الحيرة التي تطفو فوق وجهكِ كقاربٍ لمن يجرؤ على الإبحار كشاعرٍ مثلي، يقضي وقتًا طويلًا في توزيع نظراته في صورةٍ أحبَّها، وهذا بالضبط ما حدث.. كان كل ما جمَّعَه وعياي الباطن والظاهر هو اختزال قامت بارتكابه صورةٌ لكِ.. أل...

لا خلاص من الشعر

  الكاتب: هاشم شلولة لم يكن سهلًا على نفسٍ شاعرة تقبُّل فكرة أنَّ بناءَ المجد المحدود والمُطالَبة به تلك النفس على مدار زمنيتها من الواجب أن يكون على حساب شاعريتها.. هذه اللاسهولة تحاصرُ كلَّ فكرةٍ من شأنها التأسيس لهذا المجد؛ من أجل طردها كأنَّ المجدَ مسٌّ من شيطان رجيم. الأساس لا يحلم بالمجد، وهنا سيبزغ سؤالٌ اعتراضيّ، لأنّه لا حياة بلا مجدٍ معيشيّ، وسؤال الكيف تكمله أصوات الاستمرار، إذ كيف تقصف الحياة أيها الشاعر دون أن تكلِّلَ صوت الخطى بالاتجاهات وما تحتاجه من وقودٍ لدرء الخطر!.  لو أنَّ الله وضع فينا القدرة على تنظيم الأصوات التي تلتف حولنا؛ لاستطعنا أنَّ نعيش شعراء، ولأنَّ الشاعرَ طفلٌ يشكر من يوهبه، فيصلي صلاة شكرٍ لله من أجل تلك الميزة المُتخيَّلة. سيستطيع إخماد صوت الحياة، مجد المعيشة، الناس والأحياء المحقين في نكرانهم لشاعريةٍ توازي الحياة.. رغم أنَّ لغةً نفسيةً أخرى، تلي طرح الصوت الهادم لمجازٍ يصلي فينا، وهي سؤال يشكّل طرحه هاجسًا لإرادة المجد المهزومة: كيف يمكن أن نصيح بالمجد وقد ولد الشعر معنا كالتميمة في الأعناق؟ هل يطلب الإنسان من ربه أو غير الله أن يقطع منه ي...

مما أراه

  الكاتب: هاشم شلولة لا أتقبل أن أكون شريكًا لامرأة يمتلئ وجهها بمساحيق التجميل، وأشعر باشمئزاز عندما أرى المرأة بهذا الشكل. بالطبع؛ سيقول أحدهم أنّك تشمئز من غالبيتهن.. ببساطة نعم، لا أستطيع حتى إطالة النظر في وجه إحداهن إلا اضطرارًا.. كان يحدث عكس ذلك في بداية مراحل رشدي، وكنت أرى أن الأمر يعطي نفحة جمالية للوجه، وخصوصًا أحمر الشفاه الذي كان يجذبني إلى جانب الرداء الأسود كتخريجة جمالية لي أدحض بها عدم قبولي الداخلي لذلك.. لكن مع تراكم الوعي ووضوح التجربة؛ اكتشفتُ نفسي ووجدت أني لا أستطيع تقبُّل هذا الأمر للدرجة التي يؤثر الأمر فيها على أمعائي لو اقتربتُ من إحداهن في جلسةٍ أو لقاء وكانت مُكثرة من هذه الدهانات التي تجعل منها مجرد مهرجة ترفيهية، وتكون هذه الصورة هي أكثر ما يحاوط عقلي خلال الجلسة..  ضمن السياق العملي، فإنّه حتى في أدق وأعمق اللحظات الحميمية؛ يجد الشريك حرجًا في ذلك، أي أن هذه الدهانات ستلتصق في وجهه، فتتحول اللحظة من الأجمل والأعمق إلى الأقبح والأسطَح.. وعندما أقول الشريك؛ أقصد الشريك صاحب الوعي والامتلاء الذي يؤهله للانتباه أو الالتفات إلى مثل هذه الزاوية، وليس...

من كلمة تأبين ياسر حرب

  الكاتب: هاشم شلولة ياسر عرف موته قبل حدوثه، وكان صديقًا حميمًا للموت، ومرتبطًا به ارتباطًا تجسيديا متينا وواضحًا بأشكال ووجوه عدة.. لم يخنه الموت كما اعتقد الكثير، ففي كعب غزال، قال الراحل: "أبي مات صغيرًا، وأمي كذالك.. أظن أننا نموت صغارًا". وقال لي ذات مرّة: سأموت باكرًا يا هاشم، تذكر ذلك!  لم يكن في حياته نزقًا، أو متفزلكًا أو انتهازيًّا.. كان بسيطًا عذبًا وخفيف دم ومتواضع.. لم يكن يضيره أن يجلس على على قارعة الطريق أو على أي جانب من جوانب الشارع.. كنت أسير وإياه من عمارة جاسر حتى البريد مشيًا، خلال مرافقتي له.. لم يكُن يمشي من جانبه أحد إلّا وكان يرفع له يده مُسلِّمًا ومحييا ومحتفيًا.. يعرف أكثر سكان المكان، ويحفظ قصصهم عن ظهر قلب، كان يحب ما تحبه الناس وكذلك يكره.. كان يقول لي بلهجته الساخرة وابتسامته المعتادة: "كتابة الشعر غير وعلاقتي بأهلي ومكاني غير ومن المحرم بالنسبة لي أي ربط بين الأمرين". كان ارتباطه بالأشياء كارتباط الطفل بها.. كان يسخر من كل شيء لأنّه كان يلامس كتف الحقيقة على الدوام، كان عاشقًا منذ مراهقته، وقد دفع ثمن ذلك، وكان عنيدًا مناضلًا وقد دف...

من إشكالات المرأة

  الكاتب: هاشم شلولة المرأة ليل نهار، تغرد كالبلبل عبر المنصات الإعلامية المختلفة بالمطالبة بحقوقها، ولكن لم ينتبه الكثير إلى أنَّ المرأة تطالب بالثأر من مجتمعها، لأنه باعتقادها أساء معاملتها وخصوصًا نساء الشرق الأوسط، دون النظر إلى أنَّ المعاملة نفسها يُعامل فيها الرجل ولكن أدبيات علاقة المجتمع الشرق أوسطي بالرجل تختلف عن تلك التي تخص المرأة لمعايير اجتماعية مع الأخذ في عين الاعتبار التردد والتذبذب في تطبيقها لأنَّ الإنسانية في تلك المجتمعات بدأت تتضح بالتزامن مع التحول التطوري العصري والإنساني والفكري فيها. لماذا تتجاهل المرأة مثل هذه المفارقة؟. لماذا لا تعرف أدوارها جيدًا؟ هذه الأدوار جزء من الخارطة المجتمعية التي رسمت حدودها مناهج جمعيّة مُتفَق عليها ضمنًا وعفوًا ولضرورة طبيعية.. والتي يلتزم بها الرجال قبل النساء وكل فرد في المجتمع.. على المرأة أن تأخذ في عين الإعتبار ودائمًا الجدول الأخلاقي الذي حددته الطبيعة بالمُجمَل، وتحترمه لأنَّ مخالفة ذلك؛ تُذهِب حقوقها وتُسقِطها في حال كان لها حقوق، وأصبحتُ في شكٍّ وسؤال دائميّن حول كم وكيف ونوع الحقوق التي تُصدِّع رؤوسَنا بها المرأة لي...

لذّة التأمّل في الملكوت

  الكاتب: هاشم شلولة بينما تتكِئ هذه المغربية فوق أرضٍ خرساء ببدنك المُجهَد، يتلقفك ظهرُك، وعيونُك في ارتخاءٍ بصري مستريح في بديع خلق الله، في زُرقةٍ توازي كلَّ تحتٍ تُدركه الحواس.. تنسابُ الأشياء أمام عينك، تغمرُ خلاياك وأوردتك الدهشةُ من رقّة من يتعرَّشُ تلك الزرقة، يحاوطها بأجزائه، وأجزائه جميعها جزء واحد واجد، جمال صفاته وعمق فُسحته وتدبيره.. كأنَّ السماوات والأراضين وما بينهما من جمال والناس أجمعين محضُ عناصر لمشهدٍ فني مُحكَم. تلك عَبرةٌ ينقصها المسلَك، ويُكمِلها الذهول.. ما أذهلني يا ذا الكمال! ما أبعد أقرب منطقٍ منك عن منطقِك! ما ألذ سؤالي عنك فيك!.  هذي جبهتي تنعم بطقس أكفِّك يا أبعد بعيد بقُربي..  هل قلبٌ صغير كقلبي سيحتمل هذا الجمال المُغلَق الحلقات، والذي يؤلم ألمًا مُحتملًا؟ لنقصٍ يعارجُ كلَّ اكتمال في إدراك ما لا يمكن إدراكه. عقلي يا حبيبي كقلبي في الحجم؛ أمام ما تترك من استصاغات تتمايز في الشكل واللون والراح؛ مع كل صلاةٍ وسجدةٍ وابتهالٍ ولونِ سَحَرٍ أو شفق..  أأُبكي النفسَ أمّ أضاحكها عجزًا؟. هذا سؤال العتب النزيه لمُنَزّهٍ هو أنا، لكنّي لستُ أنت. لن أ...

ثقافة المنع (عامي)

  الكاتب: هاشم شلولة مساكين الناس.. بعيدًا عن توجّهاتهم الدينية من عدمها، بيعتقدوا إنهم أحرار، ويمكن كلمة أحرار كبيرة.. بقصد بيعتقدوا انهم بيملكوا مساحة، رغم إنه ولا واحد فيهم قرر شي.. لا في الوجود ولا عدمه، لا في الأصل ولا في النسب ولا في اللون ولا في العرق، ولو نضل نعد ما ح نخلص.. الآن سؤالي؛ شو قيمة مفردة الحرية في حضرة غيابها عن كل اللي ذكرناه!. إذا مفهومك عن الحرية شوية الخربطة اللي بتخربطها في نوع الأكل والشرب وشوية الكماليات اللوجيستية، وحبة الأفكار اللي مقنع حالك فيها؛ فأنا هيك بضمنلك تسوق البسكليت المرسوم ع الحيط..  أنفاسك محصورة، ومُتعَك مهما تعددت محصورة وكذلك معاناتك، مستوى استيعابك للأشياء محصور، ورفضك وقبولك كمان محصور.. أنت وحظك بتخلصهم في قد م بدك، قصدي قد م بدها ظروفك.. كل اللي بنقدر نعمله؛ إنا ناخد دور شرطي المرور، وننظم علاقتنا برغباتنا عشان ما تُستنفَذ بدري.. استعانةً بما لا ينفذ، اللي هي رحمة الله في أقداره.. لإننا بدون رحمته شرطي مرور فاشل، الشرطي بدون دستور مروري ببطل شرطي، بتحول لمتخبط بيهري وبيجري في الحياة مش عارف شي غير التناقضات والصفارة طبعا.. يا ع...