التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2023

مرة ثالثة إلى من عَمَّدَني: معين شلولة

 الكاتب: هاشم شلولة  مرة ثالثة إلى من عَمَّدَني: معين شلولة . إلى أن تختارَ المرَّاتُ محطة. رُبّما يبسَ في الذاكرة وجه لوركا البعيد أو كبُر أو تكرَّر... لكنَّ المسافات تحنُّ لزمنِ الرملِ وماء الأنبياء، الذي غسَّل الرَّحالاتُ به وجهَ قصائدهم. زمنٌ من الرملِ حين تُشيرُ الكلمة، وحين أراك، فهل ستمنحنا الحضارة ساقَ ليمونة أخضرَ آخر؛ جفّفَته نفثاتُ المُدُن النائية.  يا حلم الصلاةِ بالوصول/  لوّ أنَّ الله سلَّمنا حقيقةَ الأعناقِ لبروَزنا السيفَ في الأقبية، وصنعنا من مناديل البناتِ قوارِبَ.  يا شيخ أثينا المُحارِب والمُخبَّأ في الحانات، سقطَت في أجوافِ الرجوعِ حكاية الامتثال إلى المرايا، إلى شيوخ البلاد؛ سود الشِّفاه، ومَن حطَّت على أصلابهم نسور الأبجدية.  القارب يا ربُّان في الماء دفّتُه، وقاعِه ما تراه المنارة حين تدفعها صرخةٌ إلى التحديق أو الإنتباه. مولاي عزّ على الصيّاد غرقُ المهارة في الكلام، وزيت القناديل المُحترِق، كما عزّ على الفُراتِ احتمالَ ذبيحةٍ شاعر في مساءٍ كمساء سيدةٍ؛ تروَّت وقتما رأت، ورأت وقتما استعجلت.. علَّمتَني رفقةَ المُفارقةِ مع شاي الظهيرةِ...

كل شيء حدث بلا موعد

 الكاتب: هاشم شلولة  مَن يعرف ما في حقيبة المُسافر من محاولاتٍ لتأخير السفر؟. آه من كُل هذا الازدحام المُلتبِس والغامِض!. حملتُ الزّادَ ومضيت. عرفتُ كيف يأكلُ الإنسان نفسه بمجرد أن تحُطَّ على كتفه نسمةُ أملٍ من هول محاولاتِ استنشاقها للاستعانة بها على تفريقِ تراب المجهول العالق في حنجرة الولد الغريب. أستلقي على ظهري معتقدًا أنّه بطني، قد يكون عماءً وقد يكون ورمًا ازدواجيًّا يكبُر في رغبتي كما يكبر تيه الغُرباء في البلاد الباردة. أنا الحر المقيد، الباحث عن لاشيء، ماذا أفعل في نفسي التي ذوَت وتناثرَت كالرَّمادِ في طُرُقات المغيب؟. صرتُ نورسًا بُرمِجَت دخيلته على أن سقفًا قديمًا يمثل له السماء. آه. يوجعني مكاني وحملي لسلَّة أحلامٍ فارغة أتنقَّل فيها بين منافي عُزلتي. عدتُ كما كنت؛ إلى صراعي الأول وتفرُّق صفاتي في قافلة البشير التي وصلت إلى البلاد المقصودة قبل ميلادي، ولا زلتُ كذِبًا أظنُّ تتابُعَ خُطاها.  روحي الضاحكة سخريةً؛ لم تعُد تستعين بتفاصيل بائرة وجاهزة لأن تكون سببًا للضحك، صرتُ أراها كما كنت في سابق عمري، أراها لأُراهن نفسي على تحويلها إلى نائحةٍ قصائدية. أرفض محاك...

عندما أقولني لي

الكاتب: هاشم شلولة هو الذي تركَ نَفْسَهُ في غيّمة، وسارَ دون سروالٍ في شوارعِ الأبد. هو العابر بخفّةٍ كأنّه أسطورةٌ في قصيدة، يعرفُ وجهَ الهاويةِ جيدًا، ويحترفُ تكرارَ الكلامِ والمواضيع المملّة. الوقت بالنسبة له؛ مجرّدُ نكتةٍ مستمرّة. يظلُّ يسيرُ في المُدُنِ دون استراحةٍ إلى أن ترتاحَ على كتِفَيّهِ المُدُنُ فيسقط كأنّه الرِّواية الأولى للأشياء. يخسرُ كُلَّ رهانٍ، ويجيدُ حرفةَ ضربِ اليديّنِ بصوتٍ عالٍ؛  تصريحًا عن الندم. يختبِئُ بصمته خلف ثرثرةٍ لانهائيّةٍ؛ لها أنياب، وتفترسه بكل ما فيها من حواسٍ وأحجية.  قابضٌ على النارِ كقَبْضِ التاريخِ على الأكاذيبَ كأنّه يعرفُ سرَّ الوجودِ ولا يتوقَّف عن الضَّحِكِ/ هذا الضَّحِك، تموّجات الجسد الهادئ، المُلتَفِّ بالبراكينَ التي تحدث نتيجة الفوران المستمرِّ خلف الجسد.  ساكتٌ بشكلٍ دائم، وسكوتِهِ هذا؛ بمثابةِ رفع أُصبع عقله الأوسَط في وجهِ الحياةِ، للإيحاءِ بلامُبالاةٍ عريقةٍ، تتجدَّدُ بتجدُّدِ النَّزَقِ المُتماهي في الأحداث؛ هذا النَّزَق المُتَمَثِّل في شوهاتِ الحقيقةِ، التي تُقِيمُ في تفاسير خُطاه.  على إلمامٍ تامٍّ بنواقِصِه الكثي...

البحث عن نضوج المدن

 الكاتب: هاشم شلولة أرى كل شيئ على هيئة نقاط متشابكة، ومتشابهة اللون والإيقاع، أغفو مرة وأخرى؛ يوقظني صوتُ غوايةٍ ما. يُعاجلُني سؤال: ماذا على المدن أن تفعل لتكون أكثر نضوجًا في علاقتها معنا؟.  _رُبّما هي رؤية لليلِ المسيح ما قبل الأخير؛ حين اكتملَ فعل اختفائه من مُنازَلَتِه حقيقة الرسالة؛ مع شبح الصَّلْبِ وهوية الجنازة. المدن تنكرَتْ، الدم صار نبيذًا، وقلبها صليبًا.. هذا ما يسموه حزن الظواهر المعقدة طوعًا، والعاجزة عن فهم النضوح الذي يجب أن تطوينا به المُدُن، لأنَّ عاصمةً تركَتْ في الأولادِ عاصفة من النَّدم، جفَّفتهُم، وأرهقَتْ استيعابهم للمعنى. شيءٌ صاعدٌ؛ يصحَّحُ شوهات الكلمة والتاريخ والقصيدة الأولى... هل يعرف أحدُنا مقدار الخسارة؟. هل يعرف الآخرون كم هو شائنٌ ما يفعله الندم بنا؟. هل نعرف الآخرين؟. هل يعرفونا؟. ربما نتعثر بالجواب بين الأسرار العتيقة، أو على ظهر خيلٍ تنزف، لكنَّ الرَّهان الذي علينا بالضرورة خاسر، ولن يحدث الوصول. الأماكن العامة، المدن، الغُرَف، وكل ما من شأنه أن يشكَّل بينه وبيني صفة التقاءٍ مجرّد، وبلا ثوب. كل هذه السرديات الطويلة والمُلتبِسة؛ تؤسِّسُ في ع...

لعل

 الكاتب: هاشم شلولة  لعل لهذا الزمن الكلمة؛ يحيطُ بنا من كُلِّ جانب بهيئةِ سلاسلَ حديديّة، ثم تحاول أن تفُكَّ نفسك من هذه الإحاطة الثقيلة، والمُحكَمة بشكلٍ مُثير. لعل لهذا القنوط التام كلمةٌ تصدِمُ كلمةَ الزمنِ أو تكويها لنتحرَّر أو نبرِّرَ أنفسَنا للحياة. أن نُعرِضَ ملامِحَنا لظروفِها لأجلِ تماثُلِها معنا، لكنَّ إعراضَ الكلمةِ قاسٍ جدًّا. يظلُّ الزمن بجوهر مفهومه مُحافِظًا على دور العقدة في هذه الحبكة الضالّة والمُتاهيَّة..  تظلُّ الذاتُ عَطِشةً، تُلاحِقُ الماء، والسماءُ ترفعُ سبّاتها رافضةً السِّقاية؛ السقايةُ لنا نحن أبناءُ السقَّا العريق. لماذا كل هذا الغدر من الزمن؟. هل لأننا لم نقص شاربَنا منذ زمن أم لأننا أقلُّ شأنًا من أسرارنا؟.  الزمن يُعاد هنا؛ يُكرَّر وتنتفي آثاره من عالم وعي الذات المُحترق سلفًا من سرديات كبرى أنهكَت غضاضتنا وجعلت من المعنى غيهبًا لوصوله؛ كل هذا يحدثُ في آنٍ واحد. نحن نعرف بشكلٍ استخفائيٍّ قوي؛ بأنَّ الزمن يُشكِّل لنا هذه الأسطورة الهاجِس، ويمنعنا من محاولات الإرتباط بطبيعة الأحداث، وبتوزيعتها وبعلاقتها بنا، تلك العلاقة التي تستمر دائمًا ...

عشنا نرسم الموت

 الكاتب: هاشم شلولة الموت الذي عشنا نرسمه محطة، الموت كونه كذلك فقد اعتبرناه أملًا؛ راية النصر التي ترفعها أجسادنا فور خلاصها قاهرةً جدليتَيّ الصوت والرُّوح؛ لكنَّه الموتُ الذي يوجعُ جفنَ أبٍ غفير وصدرَ أمٍّ تستصرخُ مآتِمَ عصرٍ فقدته الرغبة. الموتُ الصغيرُ؛ القزمُ؛ الذي تحبُّه عقولُنا الفقيدةُ الواهمة. نعرفُ ملاءمتَه لصرخاتِنا التي تنمو كل فجرٍ، لكنَّا نعرفُ أيضًا حسرةَ السيِّداتِ؛ اللواتي يُفقدهُنَّ عُذريتهن خبرُ غيابِ وردةٍ أو تحفةٍ أثريَّةٍ؛ تداعَتْ أو حَرَّكَتْها رياحُ شتاءٍ من مكانها. الموت الذي نؤسِّسُ فيه لقصيدةٍ.. ربما نكتة؛ تضحكُ عليها الآلامُ الكبيرة، والأوجاع المتروكة في جوانبنا. آه أيها الموت كم أحبك! وإنّي عليك مناديًا خلال سيري الخَجِل في شوارعِ الله وأرضه التي يزدادُ حجمَ سفالتِها كلّ يومٍ وساعة، أناديك وقتما لا أجد لأسئلتي علاماتِ استفهامٍ لإيمانٍ منزوع الصفة بعدَمِ إجابةٍ أو بإجابة، ربما بفراغٍ يسكنُ كهوفَ إرادتنا. أحبُّكَ كما تكرهُكَ أمٌّ تُرتِّب لبنيها الآيات؛ ترتِّبهم، حتى لا تستنشق فوضاهُم أمانيَّك الغادرةَ بخاصرةِ بصيرةٍ؛ تؤازِرُ الحُلم. يا موت؛ يا قلب الطائر ...

مما لمحت مني

 الكاتب: هاشم شلولة أنا الآن أطلُّ عليَّ من بعيد، أراني كما أعرفُني، نتيجة لكلّ ما حصل من لقاءاتٍ حميمية بين اثنين غريبين، أراني في كفّي صورةً للأصوات، لمآذن الذنب ومتاريس الأخطاء.. هي الحياة رحلة، وهل أبهى من أن تكون رحلة خسارة معتدلة الوِقع، مُعطّلة لكنها تمضي، تمضي بتوتر المدمنين حين غياب الجُرعة، بفقر الفقراء وتعاسة الحظوظ. رحلة طويلة لم أتوقف فيها عن السُّكر، لمعرفتي سقوطنا في الرغبة غير المرادة بها.  أعرف جيِّدًا بؤسَ هذه الرحلة، لكنّي أيضا راحلٌ كصغيرٍ رموّه في النهر، وقالوا له: البرُّ هناك فجدِّف، لكن الطريق ماء، ماءٌ يبغضُ الصغارَ ويستعدُّ دائمًا لمعركتهم، يهينُ حقيقتهم التي أفنوا أعمارهم لأجل الوصول إليها أو إلى جزءٍ منها، الماء الذي رسمنا عليه دروبَنا وأحلامَنا، لا يحب الصغار.  فقدتُ أمنيةَ تجاوزِ النهر، ما أطمح له ودًّا من الماء وما يشبهني من أوجه الوصول المُستريحة.. أريد سكونًا مؤقتا، لأتفاهمَ مع أسبابِ هذه الشراسة المُلتصقة بوهم التوازن، وأحقيته في أن يكون صفرًا وراء هذا الواحد الشارد في أسمائه. هل يكون الاسم مأوى بعد ضياع أخوته الأسماء؟.  ظلًّ خيالًا م...

تعرية الوقت وعري الوصف

 الكاتب: هاشم شلولة كانت الأرقام تختمر الجسد، وكان الجسدُ صُبحًا لاستراحات السواد الرمادي. ما مضى استزادةُ المشوارِ من ماء السؤال وعطفَة الأغنية التي عاركتها ظلال التردُّدِ. هل يكفي كل شيءٍ ليكون شيئًا يدلُّ عليَّ أنا/ أنا الذي تخفَّفَت منه الرواياتُ لتنجو، وعبرَ على خواطره نجمُ قافلةٍ مؤجَّل، يرجو الألوان لاحتمال ولاداتٍ شريدة. سأراك يا صديقي مساءً، ونحن نعدُّ العُدَّة لناقةٍ رَأْدٍ نمتطيها حين تُغادِرُنا الأرض التي هذَّبَت بتأخيرها صبيانًا أفقدتهم حربُ اللهِ على أزمنتهم سراديبَ أمانهم المُنتظَر؛ كأنّه أمانهم غايةُ جلجامشِ في بلدٍ تُعاركها إرادةُ الفصل الأولِ وهمّةُ الفصلِ الأخير. من يعربُ فعلًا طال صلبَه على خشبةٍ صنعتها الهاوية بمطارقِ أسقام الرسلِ وشكاوى الرسالات التي تراكمت في جوفِ التتاقُضِ.  تعرَّفَتْ على وجهي أمثالٌ سائرةٌ، وحطَّت الأفلاكُ على كتف فتاةٍ عنيد قاومَ تعريةَ الوقت وعُريَّ الوصفِ. خارطةٌ وجهي تجهلها الذاكرةُ بعدما تُخلَع من الفاعل أل التعريف، التي ارتابت قبل الغوص في ساحٍ تُغطّيه الدماء. قطعوا رأسَك يا موت، وخبَّأوا ظَلَّ هذا الرأس في خزانتي وبين أقمصتي. رأ...

كان الليل ليلا

 الكاتب: هاشم شلولة آه أيّها الليل؛ لقد أصبحت شاذًّا بعدما كنت مأساةً عذبة، تبعث فينا إيقاع المُتعة. آه أيها العزيز لقد التبسَتْ علينا مفاهميك، ولم نعُد نستطيع فَكَّ أُحجيتك بعد طول وضوحك. آه يا أبا الجُرح العميق؛ تمهَّل فنحن بَنِيك الصغار.  لقد كنت تُحوِّل العذابات إلى قصائدَ تستبيحُ الجمالَ وتتعثَّرُ بالاستقامةِ الروحيّة التي تنِمُّ عن وِردٍ أخلاقيٍّ أصيل، منبثقٌ من موطنٍ نقيٍّ وصافٍ. عرّفتنا بأنفسنا في البِدء، وأوصَلتَنا إلى بديعِ السؤال الخفيف، الذي لا يفعل بنا كما الآن من استحجارٍ للطين.  كنّا نُرَدِّدْ فيك وداعِيّة "ماياكوفسكي" للقرويّ المُتعَفِّف  "سيرغي يسنين" بشَجَنٍ خفيف على المسمع وحوّصلة تتفرَّد بسجيّةِ العُذوبة. أما الآن فنرددها بصرخةِ السَّجين، القابِع في زنزانةٍ دون شبابيك.  آه يا من كنت سدًّا منيعًا وجميلًا. تحوّطنا وتحمينا من التفكير بما هو هالك وضال وزائل... كأنَّ نُفكر بمآسٍ يومية وكدحٍ عائِبٍ عيب الوجود والميلاد. كنت تمنحنا القلق الشفيف الزهري والمتصالح مع مقدار المعرفة الذي لم يتقهقر ولو مرة ثقةً في ما يبعثه في نفوسنا من صدق ودأب عقلي حثيث ل...

ربما، وهل؟

 الكاتب: هاشم شلولة في زمنٍ غير هذا الزمن، وفي مكانٍ غير هذا المكان؛ ربما نلتقي ونُكسِّر كُلَّ استشباهات الغياب التي سئِمَتْ من التردد بكُلِّ الخدشِ للحياءِ على صروح الحضور.  في زمن آخر ومكان آخر؛ ربما تُصبح الصورة التي صوّرناها معًا بكاميرا المسافة لوحةً من لوحاتِ مسرحية الحظّ الأشعث والمُتعَب والفاقد لعذريته..   تأخرنا يا صغيرتي؛ يا ابنتي وأمي. تأخرنا كثيرًا، وخجل السماء المُنساب بفيضٍ وتأنيبٍ لاستسقائه لصفته؛ شاهد على تأخُّرِنا المُشترَك؛ المُجَسَّد بقصائد "بوشكين" التي تلوناها معًا أمام مرأى الطريق الطويل، وكل الجُدُر والحواجز والقوانين الفاصلة بيننا.  تأخَّرنا حتى ابتلّت الأرض بالملح وشظايا حبكةٍ حَبَكناها معًا بانفعالاتنا التي مُؤدّاها ومبدأها ومنتهاها؛ الحب الأبدي والخالد فينا.  عرفنا بعضنا بصمت، ونعيش معًا من بعيد كذلك، نتشاجر، نستصرخُ اللهَ والأيامَ الطويلةَ والسائرةَ ببطءٍ بنفس الطريقة، كذلك؛ نشاهدُنا من عُلُوٍّ صامِتَيّنِ وباقتدار.  نقتل بعضنا ثم نبتعثُنا من رماد، ونرتجفُ، نخاف ونسقط ونعلو ونشيِّعُ جنازات الأمل؛ واحدة تلو الأخرى بصمت. كُلُّ ...

نصف يوم لإحداهن

 الكاتب: هاشم شلولة 21 يونيو 2021 غادرتُ مضجعي، غسّلتُ وجهي، وفرشيتُ أسناني.. ثم بعد ذلك تناولتُ الماء، وصنعتُ القهوة؛ ارتشفتها/احتسيتها/ شربتها!. ودخنت سيجارة.. انتيهتُ من ذلك، وسأبدأ بتكملة الكتاب الذي عزمتُ على قراءته أول أمس.. بالتأكيد؛ في كل فعل كان وجهُكِ نجمًا حاضرًا في سماواته (الضمير يعود على الكلمة "فعل").. كنتِ بمثابة قُبّعة تستُر رأس الأفعال جميعًا، وتحميها من تقلُّبات الحواس والفصول والأمزجة... كنت عقار ديباكين (مُثبِّ مزاج) لكل ما شأنه أن ينقلب أو يتحوّل فيَّ أو مني، وشعرتُ خلال رفقة وجهكِ بأنَّ الحياة ليست كما أتصوّر؛ بهذا التصدُّع والتكسُّر المُتماهيين في تناولاتي لها..  الحقيقة كُل الحقيقة؛ أنّني بدأتُ في تشكيل مفهوم جديد لملاكي القديم، وهو "الانقلاب" لكنّها لن تنال إيراد المُناداة كالكهف لضرورة هووية (كلمة هووية لفظ فلسفي استخدمها في فلسفة الشعوب الدكتور فتحي المسكيني، واستخدمتها لإيضاح تباينٍ ما). حقيقة وليس أمرًا ملتبسًا يخضعُ للجدل أنّ شعورًا بالانقلاب يفردُ جناحيه كطائر الكيوبيد؛ ليُغطّي وجه عوالمي كاملةً فيجعل منّي هذا المُنقلِب.. ربما مُحِبًّ...

تخفف ما

الكاتب: هاشم شلولة إنني في حالة خلاصٍ مفتعلة من الأشياء، تصل لحدِّ التخفف.. تخفُّفٌ مُحكَم، ومقصود.. متردد أحيانًا؛ من أجل عدم فقدان كامل الذات، التي فقدت جزءً كبيرًا منها، نتيجة لمحاولات الاستكناه وانتزاع الذات من التفاعل مع مشاعر العادي البشري.. أعتقد أنَّ هذا الأمر جاء نتيجةً لتراكم مجموعة من التجارب الصادمة، وأشعر أنَّ ذلك أمر صحيّ في مكان ما من أماكن النفس، لكنّه ليس كذلك في مناطق أخرى كثيرة؛ لأنَّ فُقدان العادي مشاعريا ضمن سياق المشاعر الجمعي أمر مؤذٍ على صعيد العادي الفردي، الذي يحتاج ما أتخلّص وأتخلّى عنه من الأشياء، وقد صار هذا التخلّي أمرًا روتينيًّا بسبب التراكم والتتابع..  تلك مشاعري تجاه الأشياء، التي نمت وربيتها معي دون قصدٍ، رغم حقيقة القصد إذا ما ارتبط الأمر بالتربية للمشاعر.. لكنّي ولشعوري بالفُقدان لكثير من تراتيل الحياة ضمن سياقٍ واقعيّ، أحاول التخلُّص من علاقتي بالأشياء بهذه الطريقة، لأنَّ أمرًا كهذا لا يجعلنا استثنائيين بقدر ما يحوِّلنا لغرباء، مغتربين أو غريبين ربما..  لهذا؛ دائما ما أقول لنفسي أننا بشرٌ، نحتاج للخفّة، لا للتخفف..

دولة إسرائيل العقدة والتناول

الكاتب: هاشم شلولة بعض مثقفي الأحزاب الفلسطينية المنتفعين باعتقادهم أنَّ اسرائيل على باب الزوال، وهذا الاعتقاد مشفوع بعقدة ال٨٠ عام التي يعاني منها اليهود بعد زوال مملكتي داوود وحشمونائيم، ويستشهدون لذلك بخطاب نتنياهو عام ٢٠١٧ في ندوة التناخ التي عقدها في منزله بمناسبة عيد العرش، مشددا وقتها بالنص: "أن وجود إسرائيل ليس بديهيا" وأنّه يحرص على ضمان عشرين عام جديدة؛ لتجاوز نحس حشمونائيم وداوود..  لحظة تحدُّث نتنياهو هذا الحديث كان سعيدًا مُحتفِلا، ويتحدث بعقل مسؤول يفتش عن المخاطرة والمجازفة من أجل علاجها ومواجهتها، ولا يركن إلى معطيات الأمان وقتها، والتي كانت تتمثل في بداية موجة تطبيعية علنية مع الدول العربية.  بالنسبة لمملكة داوود، فقد تحوّلت في فترتها الأخيرة لساحة حرب بين أقطاب يهودية متباينة في اعتقاداتها الدينية، أنهكت هذه الحرب التي امتدت سبعة عشر عاما المملكة أثناء فترة حكم رحبعام، هذا أضعف المملكة آنذاك وقلَّص أسباب وجودها، وبعد سيطرة رحبعام على المملكة بالكامل، هاجم الفراعنة المملكة بجيش قوي، وتمكنوا من الاستيلاء عليها، ودفع رحبعام كل خراج الهيكل كجزية للفراعنة، وأصبحت...

الفهم علاج الفهم

 الكاتب: هاشم شلولة يُعالَج الفهمُ بالفهم، وهذا مقتضى حياتِيّ، وهو الأقوى ضمن سياقات منطقية، والمنطق هو نتاج بشري.. لكنَّ علاجَ الفهم بالروح هو العلاج.. العلاج فحسب، ببساطة شديدة؛ لأنَّ الفهم صناعة بشرية، والروح صناعة الله.. الله المُطلَق، الذي لا يعالج فقط، بل يعالج ويداوي بمقدارية ثابتة، تتوازى وشكل الألم.. بل تفوقه ثقلًا، والدليل أنَّ علاج الإنسان يخضع للاحتمال والنسبية وظروف الألم..  وهنا؛ نحن لسنا بصدد مقارنة قدرما نحن أمام استدراكٍ للفرق بين معيتيّن، أو قُل بين معية ومحاولة إن صح التعبير، تشبه تلك المقارنة الفرق بين الرمل والماء والقاعدة علاج.. وقد خلق الله الدنيا، الموصوفة بالكَبَد، وخلقها مقابلًا لها وهو "ولقد خلقناكم أمةً وسطا"..  سبحانه ربّي، يعلّمنا ألا نذر معضلةً دون افتهام وحل، علّمنا أن نكون بشرًا بما يكفي، ومؤمنين بما يكفي، ودنيويين بما يكفي، ونحن علّمنا أنفسنا المفردات ومفاهيمها، لكننا لم نعلّم أنفسنا كيف نبني بهذه المفردات والمفاهيم علاقتنا.. تلك حكاية الله، وتلك حكايتنا مع الفرق بين الجلال وبين التراب. سبحانك ما أعظمك وأقدرك وأحكمك..!

من تأملاتي القرآنية

 الكاتب: هاشم شلولة لا يمكن للنفس احتمال الترك، الترك وهو المصير المحتوم إذا تزامن ذلك مع توجّهٍ ذاتيٍّ عقديّ؛ يقضي باستثناء الإيمان من معادلات الحياة.. الترك بمعنى التوجّس والابتعاد عن حالة الامتلاء الروحيّ، والتي من شأنها صياغة إنسان تحرسه هالة العلاقة الجيدة بالله، تؤدّبه وتهذّب مصيره وخطاه وخطواته.. إذا ما أقدم على زاوية جائرة من زوايا الحياة البخس الكاذبة الخاطئة..  يقول جلّا وعلا في سورة الأنعام:  "قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ"  مع الإيمان وبه وفيه.. فإننا نُبصِر ونستبصِر وتُبصِرُنا عناية الرحمن.. حتى في أدق وأوفى وأعمق تفاصيل النفس الركيكة في الأصل، الأنانية إذا ذرتها الظروف دون إيمان.. يصبح الحق حقًّا، وكذلك الباطل، وبناءً على ذلك، فإنَّ حياة الإنسان تحكمها محددات التكليف والاختيار والممنوع والمسموح.. وذلك كلّه لا يصب إلّا في مصلحة المُستخلَف في الأرض أي الإنسان الذي يميز خبيثه من طيبه من بقية مخلوقات الله التي لا تملك عقلا أو حواس.. وذلك ليس دعوة إلى كبح جماح العقل، بقدر ما هي دعوة إلى توجيه العقل نحو الانتقاء للم...

ما الحب؟

 الكاتب: هاشم شلولة ما الحب إذا لم يكُن مجردًا من كونه حبًّا وفقط!. الحب للعابرين، الذين تلمحهم من بعيد؛ ليس إعجابًا سيمضي عندما تهجع وتغمض عينيك وقت النوم.. وليس صيحة تستفز القلب وتذهب إلى سبيلها.. وليس أيضًا صورةً أو سيرةً أو مجموعة أسطر.. إنّما حالة تلامس نهايات المنطق، فتقرب من اللامنطق اقترابا خجِلًا ودودًا مترددًا رفيقًا كرفقِ يد السماء، وهي تلامس رأس المكلوم والمتعب..  إنه أثقلُ المشاهد خفّةً، كيف لا! وهو يشكّل حالتيّ سطوع واشتباهٍ مشاعريّ.. تأخذانك حيث لا أنت، أو أنت.. أو أسماءً سميتها لنفسك في السرِّ أو العلن.. لا أنت تمرُّ عنه، ولا تفعل ذاكرتك؛ كأنَّك مثقالَ ذرّةٍ في فضاء. هو الحب الذي يريد أمام إرادةٍ تقطّعت بها الأسباب، ومال ركبُها عن الطريق لا أملًا، بل رجاءً وارتواء.. الحب الصامت والعارف، وأكثر الساكتين كلامًا تحت منابر الضوء ورُدهات الظلمة.. أينك حين تريد؟ وأينك حين تذهب حيث القرى التي استطعم أهلها باحثين عن ذاك الذي تسميه حبًّا؟. كأنَّ كلَّ شيءٍ فيك انتبه أو ارتجف أو صعد إلى ما لا تدركه العيون.. وكأنَّ الحب متراسٌ، تُداري به تاريخك الحزين.. ليظل الحب بُرهةً في ...

كذلك ماتت شيوعيتي

 الكاتب: هاشم شلولة عملتُ بنشاط مع الحزب الشيوعي الفلسطيني، لمدة عاميّن.. كنت مؤمنًا بمبادئ الحزب، وقد كرّستُ صوتَيَّ الأدبي والفكري لصالحه.. كنتُ مؤمنا وقتها بتاريخ سليمان النجاب وبشير البرغوثي ومعين بسيسو وغيرهم.. من قادة ومؤسسين لهذا التكتُّل الوطني النقابي والمؤسساتي العظيم.. لكنّي وبعد عاميّن صُدِمت من اكتشافي بأنَّ الحزب ممثلًا بأفراده ومؤسساته مجردُ سيرةٍ قصصية لهؤلاء المفكرين.. أما الواقع فكان عبارة عن مجموعة من العاطلين عن الوقت والعمل والفكر والتصور الأيديولوجي الواضح، الذي آمنت ورفاقي به.. ورغم ذلك لم يتوقف نشاطي، ونسبت العطب للمرحلة السياسية المعطوبة التي تمرّ بها الحالة السياسية الوطنية.. لكنَّ السبب الذي جعلني أتخلّى عن مواصلة العمل سببٌ تفاصيليّ بسيط، لكنّه يعني لي الكثير.. وهو أنني قمتُ باستعارة كتاب "مطاردة الأمير الأحمر" من مكتبة الحزب المتواضعة لإيتان هبر، وهو كاتب إسرائيلي؛ يصف في كتابه رحلة مؤسس جهاز الاستخبارات الفلسطيني أبو علي حسن سلامة من بدايتها لنهايتها من وجهة نظر الموساد الإسرائيلي التي أعتقد بصدقها.. وكانت مدّة الاستعارة لأسبوعين، بالفعل، أنهيت ا...

من أدبيات العلاقة بالذاكرة

الكاتب: هاشم شلولة علاقتُنا بالذاكرة علاقة كليّة، تجتمع فيها الحواسُ والمُدركات. تمثّل تاريخنا الشخصي الحسي والمعنوي معًا، وعلى إثر ذلك؛ تتشكل سلوكياتنا وكذلك مسالكنا ومشاربنا وأحلامنا.. الذاكرة هي قصّة التكوين مكتملة في خَلَدِ أحدنا، وهو ينظر للشيء، يسمعه أو يلامسه.. كأنَّ الذاكرة مآل الأشياء ومكان إقامتها الحتميّ. زمن الذاكرة هو يقظة الآدميّ، وموت سواه فيه.  لسنا مسكونين بالانتباه، بقدر حقيقة تسكن الأدمغة، تجمع دلائل على أنَّ العين التي فينا حيّة تُبصِر وتسجل المشاهد والشواهد، وكذلك اليد؛ تلمس وتسجل، والقلب الذي ينبض ويشعر ويسجل.. إنّ هذه التسجيلات محض أرشفة لماضي الأشياء التي تصلها المدركات، ليترجمها الحاضر سلوكًا، ويضبطها مستقبل الشخصية على مؤقِّت الأنا التي تدلُّ علينا، تؤكدنا، وتقول ها هم ذا.. مُلّاك الذاكرة، مجانين الممكن، والمسكونون باحتمالاتها؛ حول حقيقة ما يحدث من النقيض.  نحن تميمة ذاكراتنا، نسير بها، وتسير بنا.. يحدث ذلك بالتناوب، وكما تقتضي توزيعات الزمن لمهام كليّنا. لهذا؛ علينا أن نكون خفيفين ونحن على قيد الذاكرة.. لنكون!

يوم من أيام أمي

 الكاتب: هاشم شلولة الحزانى والمقهورون والمسحوقون، الذين قطَّعَت الدنيا مجملَ أوصال ارتباطهم بها، حين يملكون أمًّا فإنَّ الأم في هذا السياق تتحول لمنطقة من الخطر بحجم وطول جسدها؛ مخطوطٌ عليها بما هو ضمنيّ بأقلامٍ من حبر الارتباط الوجودي والوجداني والروحي والنفسي وكل نعوت الارتباط... ممنوع الاقتراب، ممنوع اللمس، ممنوع كل ما من شأنه ولو ردّ التحيّة من بعيد على هذه المنطقة، وإن حدث سهوًا وخطر على بال الأبد خاطرةً أن يُلامسَ ظَلَّ منطقةِ الخطر هذه على سبيلٍ طارئ أو غير منتبهٍ له؛ فإنَّ انفجاراتٍ ما تطفو على وجه الوقت واللحظات من كل مكانٍ وزاوية، من كلِّ حدبٍ وشِق، من كُلِّ جفنٍ وصدر وحنجرة وصليب ورواية... ترتعدُ كل مواثيق الارتباط دون التماسِ عذرٍ لطارئٍ قد يحدث رغم معرفة هذه المواثيق السالفة أنَّ الطارئ حتميٌّ في سياقٍ ما من سياقات الأبد سيئة المزاج والسيرة لكنّه طور الحزانى الصامت والمختنق، الذي لا يعرف مِلكًا أثمن وأغلى وأكثر قيمة من الأم، فما قولك يا أبد لو كانت أمًّا قلقة، لو كانت سناء التي أنجبت صِبيةً قلقين كذيل قَطاةٍ كسيرة الأجنحة، تتنقل بين القبور باحثةً عن فُتات الروح والمعن...