التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من نوفمبر, 2023

واحدة

  الكاتب: هاشم شلولة واحدةٌ كلُّها الدقائق والأنفاسُ عندما تغمسُنا في وجوهٍ منا، لنا ربما أو لحكايةٍ كبُرت معنا.. واحدةٌ كلّها الكلماتُ عندما يتضح الغيابُ كوضوح الحضور والنهار والعيونِ التي لم يخطئها الترقُّبُ والانتظار العريقان مرّةً واحدة..  واحدةٌ كلُّ الأباريق الذهبيةُ، المنسيةُ على منضدة التاريخ؛ وضعتها امرأةٌ حرقتها الأمومة ذات فجرٍ، ومضت إلى مواعيدها/ إلى التنكُّر لاحتمالِ فقدِ الأبناء المتعبين ربما.. واحدٌ قلبي في كلّ المرات؛ يعبده الارتجاف الرزين بعد خيانات كثيرةٍ من ثباتٍ عاش الصغار أعمارًا لا تنتهي محاولين ملامسته..  كلُّ شيء واحدٌ كجرحٍ ظلَّلته أخوّةٌ عتيقةٌ، عمياء كرملٍ هيجته الرياحُ ذات ليلة.. ما بال الأشياء وهي واحدة؟ وهل يدلُّ الواحدُ على غيابٍ ظنّته حدائقُنا حضورًا؟  سأظلُّ أسائل المرآة عن سرِّ الواحد إن كان سرًّا أو جدولًا من جداول الخوف اليَقِظة والمُشتعلة.. وأسجد في فسيح الرمز سجدةَ زاهدٍ إن صدقت القافلةُ، أو رسمت ببابِ الحزانى الهزيمةُ نبوءتَها.. يا حامل الأسباب؛ تخفَّف، واترك لأهلك مع زاجلٍ خبرًا.. فإنّي والمسافة مكترين نائحةً بأبواب الزمن الأخي...

كل

 الكاتب: هاشم شلولة كل سائلٍ سهل.  . كل عابرٍ سهل. . كلُّ مُتكَلِّمٍ سهل.  . كلُّ راغبٍ سهل.  . كلُّ ميتٍ سهل. ____  جذر السهولة الخُلاصة، حالة الانتهاء التي تعقب كلّ مرونة وخطوة وكلمة وجموح وحياة.. السهولة أمرٌ حتميّ يماثلُ مسحَ اليدِ بعد غسلها، والعرقَ بعد الجماع، والكلام النشِط بعد صمتٍ استغرق سنوات، والنَّهم بعد مكابدة اكتئابٍ أو قلق، والخَلاص بعد كِفافٍ طويلٍ في الحياة.. إذن؛ فالسهولة علاقة الحواس بالكون، بعد تشكُّل الكون.. الكثير الكثير من مفردة "بعد" وهي خارجة من تنورها اليوم قبل غده، الأمس ربما إن لم تخوننا إدراكاتنا المُشيحةُ ببصرها نحو كلِّ أمام.. كأنّها بهذه الإشاحة تريد عناق المُحصّلات.  هل نواصل مراحل ما قبل السهولة كأننا نحيا، أم نكتري الظن لنُعانق الأشباح التي لا ندري دورةَ حياتها؟  فتذهب المشقة، وتبتلّ عروق المواعيد الأخيرة، التي نمضي والكائنات جميعُها جنبًا إلى جنب نحوها.. أقصد؛ هل هناك آخِرٌ أو أخير..؟ 

بريد

  الكاتب: هاشم شلولة بالأمس وصلني بريد من خارج البلاد الصغيرة المُسمّاة غزة، من إنسان حاولت أن أجد له صفة أسمّيه بها، لكنّي عجزت حقيقة.. عجزت لأنَّ علاقتي به ليست ذات اسم.. هي كل شيء.. كل شيء من المسميات الدافئة والحاضنة.  البريد عبارة عن ثلاث كتب، وهي: "شامة أعلى الرحم، لآلاء فودة" و"الجسد الذي تسلقته يوما، لأسماء عزايزة" و"فقه بناء الإنسان في القرآن، لكفاح أبو الهنود". باعتقادي أنَّ هذه الكتب تكفي لرسم صورة لمرسلها. يبدو الأمر هينًا على من يطلع على ذلك من بعيد، وهو عليَّ والله عظيم.  لحظة اتصال مكتب البريد بي لأخذ الكتب.. ركضت كالمصروع، من أقصى جنوب غزة إلى شمالها.. وخلال الطريق التي استغرقت ساعة؛ لم يبقَ خيالًا إلّا وزارني، رسمت سيناريوهات كثيرة، كيف سأستقبل هذا البريد.. هل أحضنه؟. هل أفتحه في المكتب؟ هل أقرأ أذكار ضبط النفس؟ ماذا أفعل..؟  القصة ضمن رمزيتها الموضوعية لا تأخذ هذا البعد الفني الضخم.. لكن ضمن ولوجها في عالمي الخاص والصغير، وعالم علاقتي بمرسل البريد.. فهي تساوي الحياة، تساوي المسافة القصيرة الطويلة بيني وبين المرسل، تساوي الليالي الطويلة ال...

تفكيك لحظي

  الكاتب: هاشم شلولة  كل ما يتعلق بالحياة في ذاتها شائكٌ وذات موقعٍ مؤثر من جدلٍ مركّبٍ قد يفتك بالإنسان الذي يعيش بذلك الشكل من أشكال الحياة.. لماذا نقول ذلك، ونحن نستمتع أحيانًا بجزئية لا بأس بها من جزئيات الحياة بذلك الشكل؟.  لأنَّ الحياة هكذا رهن إرادة الحواس، التي لا تتخطى كونها ذاكرةً لمهامها التي اكتسبناها بشكلٍ عفويٍّ تارة، ومقصودٍ تارّة أخرى.. مما يحدث التداخل بين ما هو خبيث وما هو طيب، فتتشكل خلطة الحواس غيرُ الخاضعة لما هو واعٍ.. والتي تؤدّي ما هو منوط بها من مهام وفق الاختزانات المكتسبة من قبل صاحب هذه الحواس، تلك الاختزانات غير المنتبه لكم وكيف تسرُّبِها إلى عالمه الفردي والخاص.. فيُبنى السلوك الإنساني على هذا الأساس الأعمى، فتجد كثير من الممارسات السلوكية المشبوهة لا يُفهَم لها أساس واضح أو بمعنى أدق أساس واعي.. لكنّها في ظاهر المشهد فعل متكامل الوعي.. ومع تراكم مثل هذه السلوكيات المشبوهة؛ تولد شخصية جديدة لمن يقوم بهذه السلوكيات، شخصية الأزمة التي تصبح صاحبة السيادة على إنسانها، وعندما تصبح كذلك فإنها تنفي الصورة الموضوعية لصاحب الشحصية، والتي مفادها أن إرا...

أكمِل

  الكاتب: هاشم شلولة من سيفقدك أيها المستتر بهذه الجموع الرعناء، سيظنّك الضيفُ أو العابر من بعيد واحدًا منهم.. سينظر النظرةَ ذاتَها لك، بينما أنت تقاتل أسرارك، وتقنع نفسك الركيكةَ أنَّك لست منهم، وأنّك لا تتماثل وإياهم رغم وضوح غموضِك بينك وبينك.. لكنَّ الحياة ذات حدود؛ تضعك وإياهم في ذات الكفّة، فيحاول جموحُ الشاعر فيك تجميلَ القبيح، ومسحَ الغبار عن زجاج شبابيك السيارات القديمةِ؛ التي تحيط بالمكان/ المكان الذي لطالما أحببتَ فيه المحدوديةَ وبساطتَه، ولكن.. هيهات؛ أيُّ جمالٍ هذا الذي تقضُّ مضاجعَه الرعونة وعماءُ الاتجاهات..  لا أدري إن كانت وقفاتُك الاستفهامية هذه مشروعة طالما أنّك بنيت رفقةً مع السماء.. السماء التي تعرف كلَّ هذا معرفةً قديمة وأزلية، وتلفُّك لفًّا كقماطٍ يقيك انقلابَ المناخات، لكنّه نَفَس اللحظةِ، حين تعود إلى غرفتك الصغيرة، فلا تجد ظرفًا لرسالة اطمئنان عليك من حاضر على غائب؛ أنهكه المسيرُ كما فعلت التراكيبُ والتراتيلُ الملغزة بلغزٍ هو الحياة ومشاويرها.. أكمِل شطحةَ روحِك، ابتهالَك، لغتَك الجديدة الرقيقةَ والمبتلّةَ بجمالٍ لا يشبه الجمال، غريبٍ عليك وعلى من سوا...

ولادة النور الكوني

  الكاتب: هاشم شلولة _كُتبت في ذكرى المولد النبوي الشريف، لسنة ١٤٤٥ هجري/ ٢٠٢٣ ميلادي.  الحمد لمن طهّر روحَ الأمم بمحمد، الحمد لله الذي بعثه ليُكمّل الأخلاق، ويجمّل الأعراق، ويفسّح الآفاق.. والصلاة في يوم النور هذا على سيد النور، اليتيم، الذي جرحته الحياة وشفاه ربُّها شفاء الكرماء الأجلّاء.. الصلاة على من تستجمل البكاءَ لأجله عيونُ المؤمنين الموحدين المنتمين.. صلاةً تُدنينا من الهيام به، وصلاةً تصلنا بوصله؛ فتخضرّ بالوصل القلوب.. ويغفر لأجلها لنا علّام الغيوب..  ولد في لحظة لا تشبه اللحظات من التاريخ، وكان وقتذاك الصبيُّ في عيبه يهيم، والشيخ في رهانه عقيم. المرأة غليظة رخيصة، والرجل سقيم.. الحياة مريضة، ويعلو هامة الزمن شيطانٌ رجيم.. فكان اليتيم الأميّ، وكان المخلّص لهذي الجموع من الجحيم، يحمل بقلبه وعلى كتفيه قرآنًا عظيم، تسترشد الغاويات به، وتدنو من صفاتها دنو العابدين من الرحيم.. وتبسّمت الشمس لهديِه مفصحةً: كريمٌ وابنُ أخٍ كريم.  نُشهدك يارب أنَّ الصبيَّ الذي بلا أبٍ وقابلة، الذي لم يشهد مجلسًا إلّا وأحبّ شهادَته الجالسون، ولم يعهد عُهدةً إلّا ورقّ له المتعاهدون،...

درجةٌ إيمانية

  الكاتب: هاشم شلولة قال تعالى في الآية 30، من سورة فصلت:  {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}  هناك إيمان أعمق من الإيمان بعموم معناه وتجسيداته، وليس ذلك قراءةً في مستويات الإيمان، قدرما هو تفنيد لحقيقة إيمانية واجبة الانتشار في نفس المؤمن.. وهو إيمان التسليم والانقياد التامّين.. وينطوي على ذلك درجة سامية؛ تقترب من القصوى من درجات الراحة.. وهي درجة الخلاص من شدّ حبال الدنيا الثقيلة على اليد والروح اللتين تشدانها.. عدا عن حالة الخفّة التي تزامن النفس الموقنة بالتسليم.. وذلك لأنَّ شِقًّا تفكيريا دنيويًّا يُحذَف من براح عقل المؤمن، الذي هو قبل الإيمان إنسان غير منفصل عن التفكير بمعناه الحشدي والمستمر.. تسكت حالة الاستمرار سكوت الطائعين، العارفين بأنَّ هناك من يشاركهم الطريق، ويحمل عنهم جزءً من هذه الأحمال؛ التي تثقل الفرد..  هذه الدرجة من الإيمان درجة ثقيلة، وذلك لأنها مرتبة من مراتب "إن لم تُقهَر؛ لن تؤمن". القهر الذي ...

غفلةٌ تنتهي

 الكاتب: هاشم شلولة في مشهد جدلي ساحق، مؤداه ومحصّلته النهائية؛ الفرقُ الكبير والشاسع والواضح (بكل غوامضه التي أحدثها البشريُّ عبر تاريخه) بين الألوهية والعبودية.. إلّا أنَّ الإنسان في حالة رفضٍ غير مبررة وأحيانا غير واعية لهذا الفرق بكل تواقيعة وآثاره في حياتنا كبشر.. وذلك ليس نابعًا من عدم إدراك الإنسان لحجمه الوجوديّ فحسب، بل لتداخل حالتيّ الإعجاب والبهو الإنسانيتين بالمُنجزات الكثيرة عبر خط سير الإنسان التاريخي، فكرية كانت أو اجتماعية أو حتى نفسية (والنفسية هنا في سياق التفاعل البشري مع هذه المنجزات). لكن ما لا يفطن له هذا الإنسان القليل والضئيل والنكرة.. أنَّ منجزاته ما هي إلا تحقيق لزخرفٍ إلهي موعود قبل تشكيله بمسافات زمنية فلكية.. من قِبل من بيده الإرادة والخلق المُطلقيّن.. ومن بيده تشكيل ونحت هذه المشاعر الإعجابية المريبة؛ التي تقود إلى تجليين لا ثالث لهما (أو قل تجليًا أو هوام وتخبُّط) إما الكفر العميق كنتيجة لهذا الإعجاب السحيق باليد التي صنعت هذا التشكيل المادي، وبمعنى روحي عماء القلوب التي في الصدور، وإما الإيمان العميق المنبثق من حالةٍ إدراكية مفادها أنَّ هذا الجمال وا...

وداعية أخ مهاجر

  الكاتب: هاشم شلولة وداعية الأخ الأصغر المهاجر/  بتاريخ: السابع عشر من سبتمبر، من العام 2023. وهو يوم هجرة أخي الصغير، الذي ربيته كأبٍ يربي ولدَه.  آه يا جرحي. كيف تلتهب بهذه السرعة وهذا الوضوح! كان عليك التريث؛ فمن ربيتُه يدنو من الأبواب، وتربّيك خُطاه نحو البلاد البعيدة. أخي الذي قبّلته وليدًا كما تقبّل السماءُ جبهةَ روح المتعبين الصغار، وتحنُّ عليهم وقت انكسارهم.. آه يا حبيبي. كبرتَ سريعًا، وكنتُ أرقُبُ كيف تكبُر. أسأل أسئلتي ذاتَها عن تفاصيلَ توازي سيرَ الأعمار نحو مصيرها. أسألُها لأضعَ الإجابة لك؛ دون أن تتجهم العناء كما كانت تفعل أمُّنا عندما كنا نرجع من المدرسة متلهفين للأكل.. جائعين، لكنّك يا حبيبي ستتركني وتهاجر، دون أن تنتظر بقية الإجابات.. ستذهب يا حبيبي، وأنا في ذات المكان أرتجف، ودموعي ترتجف، وجسارتي ترتجف، وقواي تُهَد.. لماذا أيها الأبد؟ لماذا؟ ألم يشفع لي حجمُ عائلتي الصغير؟ ألم يشفع لي لون قلوب أخوتي؟  أبونا شيخٌ صغير، قليل، وقد كان له ابنٌ من قبلُ ضاع، لكنّ ربَّه أتمَّ عليه النعمة وردّه إليه ردًّا جميلًا.. لكنَّ الشاهد قسوةُ ما بين السؤال والجواب.. ...

نكبر

  الكاتب: هاشم شلولة هكذا بالضبط، نكبُر.. وهناك طردية مخيفة بين فكرة أن نكبُر، وأن نزداد خرسا، وانتشارًا للخرس في أرواحنا وأجسادنا وما تقع عليه عيوننا؛ تلك التي رأت كلَّ باطلٍ وهزيمةٍ وجوابٍ غير مكتملٍ على كافّة أنواع الحيرة وعلامات الاستفهام، تلك الرموز التي ربيناها كما يربي أبٌ ابنَه في خضم النقص الكبير في الأولاد والأنفُس والثمرات..  كيف نُعيد ترتيب التساقط المتراكم أعمارًا كثيرة؟ وكيف يمكن أن نظلّ أبناءً نخضع للدوائر والمحكيات والشطوط الأولى؟.. في ظل كلِّ مرادٍ؛ تعكسه الظلال والغوايات والشبه المؤجّلُ أبدًا.. كثيرةٌ صيغُ الكيف والكشفِ عن هذا الكيف رغبةً أو رهبةً أو عطلًا في مجاز الأمثلة.. كأننا نحمل جرارًا من الوجوه؛ منها ما حملناه في صدورنا، وأخرى.. فارقناها عند كل بدايةٍ أخرى، فيزامننا عطلٌ كبيرٌ في الوقت، وتصلُّبٌ في روح السؤال عن منتهى الأشياء.. هكذا بالضبط؛ يسير كلُّ شيء إلى منفاه أسيرًا لاعتبارات كثيرة، وينحو فينا التفرُّد والسفر المستعجل نحو خيمة الزهد.. يستيقظ فينا قانون السقف، وبعد استيقاظه؛ يبتعد كأنَّ حياتَنا جثةٌ تُثقِلُ كتف العروج الذي يكتنف الطرقات. إلى ذي الخ...

هل الأشياء واحدة؟

  الكاتب: هاشم شلولة عند بئر عتيق، وتحت توتةٍ أكل أناسٌ كثيرون منها، وخلف المتاريس، أمام جرحٍ أبديٍّ قديم، وفوق الليل.. جاء مشوارنا من أقصى المدينة يسعى، قال يا قوم: إنَّ على ظهري غلامًا تهيم فيه الأسئلة، ويضرع إلى الخوف الكبير ضراعةَ المذنبين.. فهلل الرهط، واستلموا الغلام..  وقد اختلطت على الغلام المشاهِدُ كلُّها، فاغتسل في النهر، وركض في الجداول الملوثة، حتى اجتمعت فيه جوفه الثنائيات.. وظل ينمو، وإلى جانبه الثنائيات؛ حتى صدمته فكرة الطريق الواحد وخيار الاغتسال الواحد والميقات الواحد.. فانتبه انتباه المصفوعين الصغار وقت سهوتهم..  هل الأشياء واحدةٌ أم كثيرة؟.  سأل الغلام، وبكى أول الأمر، لكن العيون بالتقادُم تصمت، وقادها صمتُها نحو القصة. هدأت منابتُ الاستفهام في قلبه، ولحداثة عهده بالعُرف صار الخوف مخزونًا، يتحرر عند كل مفترق يصادفه، وقد بكا فيه مرّة.. اشتدّ فيه عودُ الرواية، وأصبح أقرب للشارح منه للطارح..  الغلام الآن جالس تحت تينةٍ عملاقة.. يتّصل بالتسابيح اتصالَ من فقدوا متاعهم، ويحملق في ظلمة الزرقة، وقد قرر أن يكملَ حظَّه من التجرُّد، ويستمرُّ في وضع النقا...

ما الرؤيا؟

  الكاتب: هاشم شلولة ترتجف العيون عندما تحتل الأسرارُ مرتبةَ الصوت.. الصوت/ الصوت هذا الفضيحة الكبرى لحامله وصاحبه وسامعه.. فماذا نعرف إذن عن لغتنا ومنطِقِها وبرودتها وسخونتها..؟  نعرف أننا نتكلم، لكنَّ عجزَنا عن منابِت انطلاقِ هذا الكلام هو صرخُتنا المخبَّأة والعملاقة، التي تُدسترها خطواتُنا نحو أنفسنا وملاذاتنا ورواياتنا.. فما المعرفة إن لم تكُن حضارةً مكتملةَ التكوين، والترتيبِ وتمام الكلام الخارج إلى الأسطح بمجمل تنويعاتِه؟  كباقي الاثنتين هذا الكلام؛ عند يتحول إلى صورةٍ تقول قول عوالق اختنزنّاها عمرًا، وارتهنّاها للمُتخيَّل البعيد؛ الذي يُفلت من العاديّ على الدوام.  الكلام الذي يصير مصباحًا يضيء وسط صحراء مكتحلة، وتخاف نهارها.. فماذا سيضيف الترتيبُ لميقات التناثُر المكاني الثابت والفج في آن.. والذي تقادمت عليه أخبارٌ كثيرة منذ طفولة التاريخ؟  وبارتداد صاعق.. فالقلوب ترتجف وهي تشير للعيون بذاكرتها المُراوِغة؛ أن قولي أنّك الخيمةُ والقوامة على أسماء سمّتها أبعدُ ذاكرةٍ فينا.. فما كان من العيون إلّا أن صكَّت نظرها، وقالت عقيم.. عقيم.  فما الرؤيا إذن إن كا...

قصاصات منسية

  الكاتب: هاشم شلولة ثمّة ما هو أبعد من الليل عندما يتعلق الأمر بليلٍ نحب لحظتَه، ونكره جوهرها.. يبدو الأمر فنيًّا جدًّا، لكنّها الرغبة القهرية بالوصف، وفضح حالة التستُّر وراء جثة الشاعرية؛ التي بدأت بالتعفُّن منذ زمن إثر اتِّكائها الطويل على حائطٍ من أبجدياتٍ دموية.. ومن منطلق تحنيطي محض، يسأل الشاعر الممسوس باللحظة: من اجترأ على طعن جثةٍ تقترب من الاكتمال الجمالي في تكوينها؟  .  إنَّ تاريخًا صغيرًا لكنّه طويلٌ ودقيق.. يشبه التواريخ كلّها؛ يقترب مع كلِّ ليل من صفة الهاجس، أو هاجس الصفة.. ليس مهمًّا ذلك، المهم أنّه وبينما يجسّد الاقتراب، يحاول تكسير سيفٍ صنعتُه من تعاويذ شخصية؛ لأقي الأشياء، وأغربلها من الناس والصور.. أقطِّع به ظلال الذين عاشوا أبطالًا للقصص، فزمني أضيق من بطولةٍ، وأوسع من قصة.. سأعلّق السيفَ إذن في ردهة الإدراك، سأحفظه من الكسر، وأكمل انشغالي.. ناولي شظاياي أيها الوقت.  .   بتؤدّة الريح، برفقِه، باستكمال الصياغة للمشوار المفتوح نحو كلِّ جنوب من اتجاهات الحقيقة.. تعبُر الأناشيد نحوي كأنّي أكررُ حادثةَ التاريخ بهدأةِ البادئين تنازُلًا، وأمدّ...

كشف

 الكاتب: هاشم شلولة كلّما أحبَّ الله عبدًا أذن له بالكشف، الكشف عمّا وراء عبادته تعالى.. وهذه هي الجائزة الحقيقة، العرفان الذي يلي العبادة، البصيرة والوصول إلى حقيقة الأشياء وجوهرها.. فتتضاءل في الأنظار قيمة كلِّ عظيمٍ دنيوي، ويعلو في النفوس شأنُ الآخرة.. وكلّما اقتربت أكثر، كلّما استعففت، فاستغنيت عمّا تعلّقت به قبل القرب من دنيويٍّ بخس، فيأتيك الدنيويُّ يسعى مهرولًا، وهنا أيضًا تكشف عن حقيقة قربك، ووصولك.. عندما ترفض ما كنت تبكيه قبل القرب فداءً للقرب، وإجلالًا وتعظيمًا. يأخذُك الله صوب الإحسان، فيؤدّب ظنّك، ويرفِّع بصرك، ويجلّي قلبك، يوضِّح قبلتك، ويسوق الأنوار قُبالتك.. فيستقرُّ عقلك، وتتجسد الوجهة كما يتضح الاتجاه، فيجافيك الضلال، ويخافك ويخشاك.. كلّما دُقَّ ناقوس الضعف فيك لتضل، بادرَكَ من اقتربت منه لأجله بالانتشال، وطرد الصرعة عنك.. فتعود جليلا جميلا قريبا، محبوبًا، كاشفًا مكتشفًا حنان الله ورقّته وغضاضته وخفّة يدِه..  سبحانك ربّي ما أعظمك وأعلمك.. سبحانك تسبيحًا يليق بمنّك على مَن منك يقترب، سبحانك ما أعظم شأنك، أحببناك فانقطَع حبّ عبيدك عنا هيبةً لحبِّك بأمرٍ منك ورِ...

زادنا

 الكاتب: هاشم شلولة مثل قلب هذا البراح.. كلّما نظرنا إليه؛ وصل إلينا سرٌّ آخر، غير تلك الأسرار التي سبقت وتسابقت نحونا وتراكمت، وجهرت بنفسها كجهر الكون للشمس وقت البزوغ.. هذه الفسحة الجليلة التي تضيق بنا كلّما عرفنا أنفسنا أكثر، وتتأكد صفاتها كلّما أنكرنا أنفسَنا، وفهمنا حجمَنا، وعرفنا ربنا.. عرفنا مساحاته وآياته وسلطانه المبين والكبير علينا وفينا وبنا.. فيصير البراح رصيدًا يُضاف إلى كفّ اليقين، وزادًا يُثقِل جيب الراحلة ثقلًا خفيفًا؛ يبزغ من خفّة الأكتاف الموجِّهة صوب الأرض ساجدةً ومبتهلة.. باكيةً من جمال الكمال، وجمال الجلال، وجمال القِلال.. وأكثر الجمال أن يصبح القلبُ سليلًا لحائكه؛ بإبداعٍ يأسُر المجاهيلَ لوضوحه، ويُغرِقُ الوضوحَ كلّما اتضح أو ماثل نفسَه.. ربّي حبيبي، ها أنت تجمّلُني، وتجمّلني.. وتتالي الجمال هنا عجزٌ عمّا هو الجمال وكيفه.. إن كان خلاصةً لمشاعر العابدين، لكنّه فيك وعندك.. يصير جمالًا دون لغة أو رجفةٍ مؤقتة؛ سمّيناها جمالًا.. فكيف الجمال ببابك وجنابك.. ربّي أوزعني أن أقترب أكثر، وأستسيغَ ملحَ القُرب أكثر.. فوحياتك ما طاب ملحٌ ولا لَذَّ.. سوى ما تتلقفه الأرض مُند...

الحب دائما أخير

  الكاتب: هاشم شلولة الحب دائمًا أخير، يشبه المصائر.. ناعم، وليس ذلك صفةً أو نعتًا قدرما هو معنى لخلاصة الأشياء، ويوازي ذلك قعودك كجنديٍّ على ضفة النهر، وبجانبك البندقية.. الحب كخلاصة للرفقة الطويلة هو البندقية التي ترافق الإنسان/ الجندي/ المحارب.. سمّه ما شئت أيها العزيز.. سمّه النهر إن أردت، فالبندقية والنهر ما يلمحهما المستريح استظلالًا وختامًا لهذا الطريق الطويل..  هو إذن؛ ذاك الذي تستفهم عنه الجلود، وهي معرّضة للرياح العاتية أو الشمس الحارقة خلال هذه الرحلة.. لتتكور داخل جلود أخرى اختباءً أو مُداراة.. هو تتمّة ڤرجينيا، وزفايج وكيسيل وبوشكين.. وكل شهداء الحب الأنقياء.. هل يستحق منا استجلاب هذه الويلات لنبلُغ ذروة اللغة ومنطقها الطفيف والحميم _الموت_ ؟ هو هذه الأحجية الواضحة وضوح الغامضين لأجل وردةٍ نُسِيَت في كتاب؛ فبكاها من الفاقد والمُفتقَد في الليالي الباردة والمساءات الملتهبة.. دون عشتار، وهي تفرد شعرها الطويل على صدر الشعراء الصغار..  آه أيها الحب الهادئ كصخب، والمتفجّر كبرودةٍ ولاجدوى.. بلّغتَ ملاحمَنا سرَّها المفضوح على الأبواب، وجوانب الطريق والأرصفة العتيقة.....

لين الله مع حبيبه

  الكاتب: هاشم شلولة الملفت في خطاب الله سبحانه لنبيه الكريم في الرسالة المحمدية الشريفة؛ أنّه خطاب يراعي إنسانية محمد (صلى الله عليه وسلم) ومراعاة بشريته ومحدوديته.. من خلال تفاعل مشاعر النبيّ الكريم المختلفة مع كافة التبليغات، ومجمل التكليفات.. حيث نقل الله تعالى لنا خوفَه وهمّه وحزنه وضيقَه وحتى مشاعر الفرح في النصر.. وفي مواضع مختلفة في القرآن، يتأكد باللفظ الصريح أنَّ محمدًا بشرٌ. قال تعالى في ختام الآية 93 من سورة الإسراء: "قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا".  كأنَّ الله جلا جلاله يطمئنُنا بسهولة إشراكنا في الإيمان بأنَّ الرسالةَ ما هي بالخارق ولا بالخارف أو المؤسطر؛ الأبعد من لغة الإنسان والأقرب من سياقه.. وقد قضى لنا بذلك من خلال تسليط الضوء على المراحل النفسية التي عاشها النبي الكريم خلال مسيرته.. من خوفه من الوحي، من معاناته من قومه، من هجرته واختبائه في غار ثور، من وصوله للمدينة وإعادة هيكلة نظامها الاجتماعي والسياسي، من انتصاره وهزيمته، من فتح مكة وتوسعه، إلخ... كل هذه الأحداث الكبيرة والصغيرة مجموعة تُشكل حصيلتها شخصية النبيّ الكريم؛ التي ...

عندي ما عندك

  الكاتب: هاشم شلولة عندي ما عندك حبًّا فيك يا محبوب.. أنا أكثر واحد فيك، وأوحد.. جئتك كالماء دمعًا ورواية وكُلًّا كليلًا متعبًا، والطريق أضاعت حقائبي.. فضمّني لقافلة الخواص، الذاهبين إليك.. جئتُك مستغفرًا في الأوكار والأسحار/ بكلِّ اللغات والأصوات وأحلام الفتية المتعبين؛ فضمّني لحجرك يا حبيبي ولدًا محجورًا، أنت به تتصرف.. ربًّا بولدٍ تائه؛ خانته مربعاته والدوائر والحدود..  كُنّي فلا ذات لمن يحمل الزاد على كتفيّه؛ محتفظًا بحصّةٍ من الدنيا؛ كأنّها الدنيا وفي صدر المؤمن بك إيمان العاشق ما يوازيها من دُنا ومباهج.. أخطبُك هذا الذي فيَّ أم مَسٌّ تعربش جبهة الروح؟ أسحرٌ هذا أم همسُك يركض في الأحشاء مختالًا فخورا؟. لم أقُل كالقائلين، وفعلي ذلٌّ بأبوابِك يتحسس الأنواء البعيدة فيك.. بحزن الساكتين كشفًا لدنيا بخسٍ؛ أناجيك.. أناجيك بوحًا وعذوبةً يا حبيبي.. أن قُرّ عين خشيشٍ عاجزٍ عن السيرِ بجانب أمّه، أبكيه خشيةً فيك منك.. وضمّه كمقطوعٍ من الأهل بظهر الغيب، أو ولدٍ جذبته تراتيلُك.. ضمّه بناحيتك، وضمّه..  تعاليت وأعليت، وتكبّرت وجبرت وتجبرت، ورعيت ورضيت وأرضيت، وعفيت وعفوت وشفيت، وحن...

مرة واحدة

  الكاتب: هاشم شلولة.  _كتابة عامية.  احنا بنحب إنسان حب حقيقي وجدّي مرة وحدة.. وبنكره مرّة وحدة، وبنحن مرّة وحدة، وبننقم مرّة وحدة، كل شعور حقيقي بنعيشه مرّة وحدة.. بعدين المرات كلها بتصير أحداث روتينية وطارئة مهما بلغ طولها الزمني. بعرفش إذا أنا بشوف الحياة وفق تخيُّلاتي وتشكيلتي النفسية اللي صنعتها التجربة (اللي هي فردية، ومش مقياس لحكم نهائي) ولا هي الحاجات بتنعاش بالمنطق هاد اللي أنا أصلا شايفه أعوج.. لإنّه لو مشينا ضمنه بتصير الحياة بمعناها الموضوعي مرّة وحدة.. ولا شو؟! جد.. أنا مش فاهم كيف ولا ليش.. أحيانًا بتاخدني تخيلاتي لمثالية جارفة، مفادها سؤال: لهالدرجة الإنسان كائن حسّاس ولا هادي الأفكار أضغاث أفكار ولا شو بصير..؟ بوقف قدام نفسي حيران، وبتوديني وبتجيبني أفكار فنية زي مثلا فكرة إنه الإنسان صنع الآلة، والآلة فعليا محاكاة دنيا لحالة الإنسان.. ليه فش فينا خيارات زي ديليت وسكيب وإيديت وكانسل وغيرو.. بحيث إنه نمحي تجاربنا أو نعدّل عليها أو نتصرف بموقعها من الإعراب في أنفسنا.. عشان نصيغ سلوك جديد ومجرد لنا، ومنفصل تماما عن تراث الشخصية.. لحتى ما يتحول الإنسان لجثة ...

الأدب كذبتنا الجميلة

  الكاتب: هاشم شلولة التجربة الأدبية ليست بالضرورة انعكاس لمسار صاحبها الواقعي أو الحياتي.. نظرًا لخصوصية الواقع، إذا ما ارتبط الأمرُ بالتجارب الإبداعية، لاسيما أنَّ الإبداع حالةٌ من حالات الانقلاب غير الواعية على واقع المبدع، لأنَّ الدافع لصياغة الحالة الإبداعية؛ بالضرورة هو خلل في الواقع.. فتأخذ التجربة مجموعة من المناحي المحتملة التي تصب كلُّها أو جلُّها في جدول التعبير عن هذا الخلل، والذهاب التصاعدي ناحية المُتخَيَّل الذي هو روح العملية الإبداعية. لكنَّ ما لا يفطن له المبدع، هو توغُّل المُتخيَّل في بيئته العملية.. فيحدث ما يشبه التداخل بين متنافريّن، وعلى إثر ذلك؛ يهيم المبدع ويضيع ويتوه، ويتشظّى عن مركزيته الحقيقة التي يُذيبها التداخُلُ بين المُتخيَّل الإبداعيّ والعملي المُعاش.. فيُنتَج الأدب الصحيح والمُبهِر، وتُسحَق النفس وتُطفَأ.. فتصبح أداةُ التصحيح هي نفسها أداة هدمٍ وتخريب.. لأنَّ الانتصار يكون للإبداع، وللنفس الهزيمة، وهذه هي النتيجة الحتمية، ويعود ذلك لبريق الصيحة الأدبية، وتعزيزها لإعجاب المبدع بنفسه نتيجة صناعته للعمل الأدبي؛ فيميل للإبداع بعد ذلك ميلًا قهريًّا، ويهم...

احتمال الإيمان

  الكاتب: هاشم شلولة الإيمان حالة من حالات الاحتمال المريحة، بمعنى أنَّ الاحتمال عملية حساب عقلية عفوية، تجسّد نفسها بنفسِها عند كلِّ طقسٍ من طقوس الإيمان التي تمارسها الجوراح.. فتطفو التساؤلات عن معنى الطقس وجوهره وإلى أين وكيف..؟ على سطح الإدراك المتزامن مع الفعل الطقسي.. وهنا تماما تتجلى قيمة الإيمان، في تتميم الاحتمال، وتحويله لتأكيدٍ عقديّ؛ يبدأ فور الطقس، وينتهي حصادًا روحيًّا مثمرًا.. عدا عن صياغة فعالية للطقس، وانتشالِ السؤال بتحويله إلى إجابة من خلال الإنسان الآخر المُنقَذ من ضلالاته عقب أداب الطقس الإيماني.. وإنه والله ليس بطقس قدرما هو حياة أخرى، لا تشبه الحياة البائدة التي نحياها.  هذه العملية تُدستَر وتصبح نظامًا يفرض نفسَه على المؤمن بالله، تقوده بتتاليها إلى التسليم المُطلَق لله تعالى، وبعد ذلك تجعله من أهل اليقين، فيُبنى على ذلك التقوى والعفافُ والإحسان، والتجلّي في الحضرة الإلهية العظيمة.. شكرًا يارب لجعلك إيانا مسلمين لك ومن ذريتنا وأهلنا وصحبنا.. شكرًا يارب لتبصُّرك بنا، وجرِّنا من نحرِنا نحوك.. شكرًا يا حبيبي الذي لا حبيب سواه، ولا أعظم منه ولا أكبر.. شكرًا...