التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من مايو, 2023

سبَّحناك

  الكاتب: هاشم شلولة  نحن الذين حملنا تواريخنا الصغيرة فوق أكتافنا، وألقينا بها في دائرتك.. عرفناك قليلًا حين اقتربنا كثيرًا، وحين فهمنا مفردتَيّ الفقدِ والكسبِ فهمًا قاسيًا صادمًا.. لم نجد إلّاك حين فقدنا كلَّ شيءٍ، وما فقدنا سواك حين وجدنا كلَّ شيء.. عرفنا صفاتِك، ونحن ننقبُ عنّا في جلاميد الزمن، فهل تفاضلنا على اللغة أو تفاصحنا حين وجدناك؟  كان كلُّ شيءٍ مُتعَبًا من كلِّ شيء، وحين استفسرنا عمّا يبلُّ ريق خطواتنا، ونحن نقطعُ المسافات بدماءٍ في الأقدام التائهة.. كنت خيرَ تفسيرٍ، وتأويلًا نراه في رزق طيرٍ ضال، حياةً لجنينٍ في أحشاءَ رطمتها الحياةُ، وكانت الأمُ في الغياهِب تسأل عن وليدها.. بعد أن تقادَمت فينا حيرةُ الباحِثِ عن وجلٍ؛ هو سقف ما نريد وصوله. رُفِعَت راياتُك برفعةٍ ورفق؛ لتدُلَّنا.. ومن بعد ذلك؛ نستدلُّ بها عليك، علينا وعلى آياتِك التي لا مناص من عمقِ ما تتركه فينا، وفي دمنا وارتجالاتنا في أفقٍ عادلٍ كرُباك.. رُباك يا أوحد!  جئنا إليك؛ من تواشيح المؤقت إلى وحيٍ سرمديٍّ.. نسألُك ولا تسألنا، لتردّ على النداء تقاديرُك، فنسمع وتسمعنا لذةُ اقترابِنا منك اقترابً...

نواقص تُكملنا

  الكاتب: هاشم شلولة دائرة الضعف الإنساني ناقصة باستمرار، رغم أنها في تصوراتنا غير الواعية مكتملة.. فالفرد الباحث عن رضا الله الجزئي؛ لضمان حاجياته الروحية؛ يتقن الطقوس الروحية بشكل يقترب من الاكتمال.. إذن؛ التعبير الانغماسي عن الاقتراب من الله يصل لأقصى مجهود، رغم أنَّ الحاجة روحية محضة، وفينا ما يعادل الروح سواها، ويعدلها..  لا يمكن أن نكون أخلاقيين دون الشعور بحالة التقابل بين الحاجة والواجب.. الحاجة من حيث هي دافع للواجب، والواجب من حيث هو تميمة الحاجة، وسبيل تحقيقها وإشباعها.. وهذا الشرط هو شرط قَبْلي حسب تسمية إيمانويل كانط له، أي يكمن في العقل دون الخضوع للتشكيلات الاجتماعية والإطارية لتعريف الأخلاق.. وهذا ينبِئ بأنَّ الأخلاق فكرة تترنح بين كونها معرفة محضة أو معرفة من حيث هي معرفة فحسب..  الأخلاق تتشكّل مع زمن النفس المعنوي تشكيلًا ضمنيًا، بحيث يُصاغ الزمن وتوازيه الأخلاق صياغةً.. لأنَّ الزمن الانفعالي في أوضح حالاته، هو مشهد أخلاقي مكتمل، ويكتسب هذه الأخلاقية من خلاا خضوعه للضوابط التلقائية.. لذا فالأخلاق هي قرار معرفي محض وغير واعي، لتهذيب النقص، وبناء الاكتمال ...

لم يُشهدنا

  الكاتب: هاشم شلولة بسم الله الرحمن الرحيم "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا"  (سورة الكهف، الآية ١٥)  _جدل العقل البشري لا يتوقف عند حدود الإرادة، لأنّ العقل ضمنًا يسير وفق خطة، من أهم أبجدياتها المتعالية فقدان الإرادة الكبرى.. لكن الإرادة تتمثل بوضوح في حيز المساحة الضيقة جدًّا؛ التي خُصصت للعقل من قِبَل الخالق. لذا؛ فعمل العقل محصور في ملامسة الملموس، وغير مهيأ لإدراك وقائع الخلق الغامضة اقترانا بحجم الاستيعاب الإنساني.. تجد ذلك واضحًا عند فيلسوف العقل المحض كانط، وقد أسماها بالمعرفة القَبْلية؛ أي الموجودة سلفًا، ويلتقطها العقل بالتجربة، لذا فقد سمّى المعرفة البشرية معرفة بَعْدية وأطلق عليها لفظ المعرفة الأمبيرية، المولودة من رحم التجربة.. تجد ذلك أوضح في موضع من مواضع سورة البقرة، يقول جلا علا: "وعلّم آدم الأسماء كلّها". أمام هذا المشهد الرباني المُعجِز؛ تسقط مناهج الحرية بمضامينها الموضوعية والحسية، لأنَّ الحرية تصبح ارتجال سلوكي لا أكثر، دون سبر لعمق المعنى المنشود من فك...

عن ليلة الإسراء والمعراج

  الكاتب: هاشم شلولة بسم اللّٰه الرحمن الرحيم فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ (10) مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ (11) أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12) وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ (13) عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ (15) _سورة النجم.  ليلة الإسراء والمعراج.. هي التجسيد الأنبل والأقوم من بين تجسيدات النبوة الشريفة لمقام نبينا الكريم. هي الحقيقة الأهم لترسيم الدين الإسلامي العظيم، أو لحظة الخروج عن نص التشابه بين الرسالات، وما يدقق فكرة أنَّ رسالة نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم هي الأخيرة.  كانت في سياق رفع قدر هذا النبيّ الكريم؛ توازي تراكُم الإيمان من كل مؤمنين التاريخ منذ وفاة النبي إلى هذه اللحظة، مع حفظ الفرق. جبرت كسرَه، والتأمت الجروح.. على ضفاف كونه بشرًا رسولا، كانت تلك الحقيقة التي رفعته وكمّلت نبوّته، سطّرتها سلوكًا، وأغارت على تأكيد اصطفائه من بين خلقٍ كُثر سواه.  حبيبي يا رسول الله، راكم القلبُ صولاتِكَ جمرةً، تاريخًا من عمق التراسل والسماء. رسمتَ ببراقِك وحيًا كالماء، يسيل في وجدان المؤمن،...

الإيمان

  الكاتب: هاشم شلولة  الإيمان: ما وقر في القلب، وصدّقه العمل. تعريف جميل وخطير ووحيد للإيمان باعتقادي.. القلب جذوة العمل وجذره ومكمن الانطلاق، والربط بين الوقر والتصديق يكون بإرادة خالصة لرب الإرادة وصانعها وواضعها في نفسِك.. جاء ذلك في حديث أبي أمامة رضي الله عنه، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان". رواه أحمد وأبو داوود. يتأكد ويتضح ويبدو جليًّا العملُ الصادق عندما يكون كلّه بجوهره أو نصفه أو انقص منه قليلا لله رب العالمين؛ الذي يدوّن ويسجل ويرصد عملك رصدًا بمقدار.. لا يزيد ولا ينقص، ولله المثل الأعلى. معادلة الله حقيقية لا لبس فيها، إلّا إذا توجَّس العامل في عمله، أو استثنى ذرّة يقين في حقّ رب اليقين.. لذا؛ فإنَّ العمل يجب أن يكون مكتمل اليقين، ومكتمل الإيمان بأنَّ عدل الله وتقييمه لعملك معياران بديهيان يخصان الله وحده، حتى لو لم تدركه مدارك الطين التي فينا، التي لا تستطيع أن تأخذ صورة موضوعية عن ماهية المطلق الإلهي في الجزاء والعمل وكيفية الصلة بينهما. ومن كرم الله علينا إدا...

شهود زور

  الكاتب: هاشم شلولة  نحن مجرد شهود زور. كلّما مر وقتٌ على أمنيةٍ تمنيناها، نكتشف خطأها.. ليس لأنها في الأصل خطأ، بل لأنَّ الله الذي ندعوه بلوغها يعرف خيرها وشرها أكثر منا، فهو لم يُشهدنا شيئًا من الخلق. صرتُ أظنّ أنَّ الله سبحانه وتعالى يُلهمنا أن نتمنى؛ لنكتشف عدمَ معرفتنا بما نتمنى، فنكتشف ذلك خلال محصّلة ما نتمنى، ويحدث ذلك عندما تتغير المسالك والدروب والطرق التي سلكناها ونسلكها وسنسلكها فيما بعد.. تكون كلّها غير الذي تمنيناه ورجونا الله بلوغَه.. لا تشبه شيئا مما حملناه على أكتافنا، وقاتلنا لأجله.. كأنَّ الله سبحانه بذلك يريد منّا أن نسلّم له بعظيم معرفته لنا وفينا أكثر منا، وإن لم يكُن ذلك اعتقادًا فعملًا وتطبيقًا في مجمل أوجه علاقتنا بالحياة وطريقها وتفاصيلها.. وعندما نبلغ الطريق في نهاية المطاف، نحمد الله سبحانه على عدم إيصالنا للطريق الذي ناشدناه بها في أول الأمنيات والمشاوير والطرق..  ندعوه في أمر، ويحدث غير الذي دعوناه.. فنعتقد أنَّ الله لم يستجب ضمن حدود البشريّ الذي فينا، لكنّه بعدم حدوث ما دعوناه لأجله؛ يستجيب.. عندما تكون العاقبة سواء خير أو شر في نظرنا، وتك...

"وألّف بين قلوبهم"

  الكاتب: هاشم شلولة يعرفُ الصالحون بعضهم بعضًا، عندما تلتقي عينُ الصالح بعين أخيه.. فتصنع الابتسامةُ نفسَها أوتوماتيكيا كتجسد لالتقاء الأرواح. يعرفون بعضهم عندما يلمح واحدٌ منهم الآخرَ في الشوارع العامة، والمقاعد التي على جوانب الطريق، في المقابر عندما يزورونها من أجل الحديث مع مصيرهم الحتمي، في زوايا العبادة والاعتكاف، في المحاريب.. في كل شاردةٍ وواردة وعارضةٍ ودائمة.. موازةُ العيون مدخلُهم، ووقوع التآلف سكنتهم، وبداية الكلام ارتقاءُ الصداقة.. يعرفون بعضهم قبل التعريف، وقبل منطق الأسماء والصفات، وقبل اللقاء.. هي لغة الله الواحدة الجامعة، التي تستظل بها لغات العبيد. إنَّ الصالحَ، التاركَ الدنيا وراء الروايات، ووراء الحرف والصرف.. الصالح الجميل، الذي يغدو أكثر جمالًا كلّما حضرت مُقبِّحات الزمن ودمامته، أو حاوطته.. وحده يرى ما لا يراه العاديّ، يدركه، ويتآلف معه.. لأنَّ به نفس الله، الذي لا يخطئ الشهقات وملامح الإدراك، وما لا يحتمل الإشراك.. غربته عن متاعٍ طارئ تجعل منه العابرَ نحو نفسه، متخففًا من جملةِ الدُّنا والحاضر السقيم المؤقت مؤقتيةً تُعجِزُ الذهنيةَ التي من طين لازب وتُشقيه...

روح تستفهم عن الحل

  الكاتب: هاشم شلولة الله سبحانه وتعالي عارفٌ بشكل المعرفة النهائي والخالص والمكتمل أنَّ إنسانَه مهما بلغ اشتداده وجبروته وقوته أمام الحياة ومكائدها وضغطها القاتم.. فهو أضعف مما يعتقد، وأقل شراسةً واشتداد. لذا؛ فبرحمته وتبصُّره وعطفه على بنيه المتعبين والضعفاء، فإنه لا يذر كلّ الزوايا مغلقة، وإن أغلقها فإنه سبحانه يترك منفذًا بقدر عينٍ؛ تدرك الانفراجة، وبصيرة تلتقط الرحمة، وروح تستفهم عن الحل.. لا يغلق الأشياء، وهي تبدو كلها مغلقة.. لكنّها إرادته تقضي بتوجيهنا للسعي والركض من أجل أن نفتح بابا ظنناه مغلقا، وطرقًا اعتقدنا بانسدادها.. وكما يكون لنا من الله سلوى بمثل هذه الانتباهات، فله علينا الشكر والمنة والاخلاص.. روح الإنسان لحظة، وروح المؤمن أبدٌ. عبدناك مصدقين ومؤمنين وفارين إليك منا.. جئناك نحمل الأسرار والأفكار وخالصة الأمور ومنتهاها، فبرجاء ظننا بك، أطِب الحصاد، وخفف على الأظهر العدة والعتاد، ولطّف علينا مماشينا والمراقد والرؤى ومهاجع المتعبين.. جئناك وأنت تعلم هذا المجيء بعد انتهى عندك قبل بدايته عندنا، فبعظمة هذا الحادث دعنا نبصر يدك، فبعزتك وجلالك أنّك أوضح من بصر يخصنا قاصر...

قد يخدعنا الشعر

  الكاتب: هاشم شلولة منذ أكثر من عشر سنوات، كنت من الذين صدّقوا الشعر، وآمنوا به إيمانًا عميقًا.. ليس لأنَّ النقيض باليًا فحسب، بل لأنَّ صراخ المعرفة كاللؤلؤ المنثور، بحاجةٍ للضب والاحتواء ووضعه في سرداب جماليٍّ كالشعر ربما؛ من أجل تدارُك الفضيحة والقذع الوجوديّ المُبهم في النفس الهشة والركيكة.. لكنّي، وبعد هذا الوقت اكتشفتُ أنَّه شعرٌ يُراد به جمال فحسب، وأن مكانتي الوجودية في الحياة ليست في موضع الباحث عن الجمال بقدر بحثها عن حلّ لمأزق الكينونة الجوهري.. وفي جملة الاكتشاف عرفت أنَّ الفارق بين الشعر والنقيض يكمن في كمِّ وكيف الكلمات لا في خلاصة معناها..  مواضيع الشعر وسياقاته كلها واحدة، لكنّه بلا معايير تضبط حاجتك إليه.. يرشُّك بالأنا رشًّا، ويلغي ميقات إنطلاقك إليه كما يفعل مع حاجتك للتوقف عنه من أجل فهم هويتك الوجودية، هذا الفهم الذي يمثل السؤال المدخلي إلى الشعر وصولًا إلى المخرج منه.. لكن العلاقة مع الشعر تتحول مع الزمن إلى جاذب لتعليقك من رأسك في الهواء، فلا تُفَكّ من الهواجس، ولا تبلغ ما أتيت للشعر من أجل بلوغه..  إنه الشعر؛ نافذة القطار ذات المكانة السحرية في الع...

تقديم مجموعة "هل تتأخر البداية؟"

  الكاتب: هاشم شلولة _المجموعة الشعرية للشاعر الفلسطيني الشاب: محمود الجبري. وهي مجموعته الأولى، وصدرت عن دار الكلمة للنشر والتوزيع/ غزة. قدم لها: هاشم شلولة.  لا يمكن الوقوف أمام قصيدة تجتمع فيها مجموعة من المتناقضات التركيبية والفنية بثبات انفعالي محكم، وربما يصل هذا الممكن درجة من درجات المستحيل.. إلّا أمام قصيدة محمود الجبري القاصر في آن، والناضجة في آخر، والمشتعلة اشتعال الفتوة في ثالث..  هذا الفتى الذي اجتث الشعر من بين غموض المرئيّ ووضوح المخفي اجتثاثًا.. كأنّه كان يبحث عن ميدان للمجد؛ فتعثر بالشعر بين ظهرانينا كمن يتعثر بالأعشاب بين الصخور.. إنني أقف أمام تجربة محمود المتواضعة إلى حدّ الأنفة وقوف المفزوع والمتردد والخَخِل في ذات اللحظة سائلًا نفسي.. كيف لفتى جاء من خارج الوجود الفني الدراماتيكي بهذا الكم من المباغثة أن يصير صانع أسئلة وجودية ماهر وبهذه السرعة؟  أجابتني وتجيبني كل قصيدة جديدة يُسمعني إياها على الأرصفة.. بنضجها الأخاذ، وذهول الأذن الشاعرة بتفكيك الحالة الشعرية اللحظية التي تتخطي الزمكان في نص قصيدته.  هذا الطفل الكبير، المحشو بالاستفهام عن...

في وهم الاعتقاد

  الكاتب: هاشم شلولة يحاول الإنسان دائما تذويب الأسباب؛ لتتشكل الدوافع وتحدث النتائج.. يعني ذلك أنّه يعيش في حالة إعفاء لاواعية لنفسة التي تقوم بتجسيد النتائج، والنتائج غالبا تكون مجموعة الأفعال والسلوكيات التي تحتكم لحالة الخلاص الآنفة من الأسباب.. يعود ذلك إلى الحاجة لاستشعار قيمة هذه الأفعال والسلوكيات، سواء كانت هذه الأفعال تندرج تحت المظلة الأخلاقية الضمنية؛ التي تشكلت عفويا ضمن السياق التاريخي الخاص بمسلك الإنسان وطريقه نحو تجسيد الحياة المتخيلة والأفعال التي تفرضها عليك هذه الحياة، التي لا تستطيع فهمها دون التجريب، التجريب الذي يقودك إلى تشكيل لعبة التذويب من أجل الإعفاء الذي تكون محصلته ممارسة فعل ما دون أن تشعر بإلزامية التبرير الخاصة بهذا الفعل؛ من أجل تحقيق القيمة والشعور بالمعنى.. هذه السردية ليست حالة كونية واقعة ومرتبطة بالترتيب الوجودي الزمني خاصتك بقدر ما هي عصارة لفكرتك الخاصة (المُتصوَّرة) عن كيفية سير الحياة، أنت من يبنيها بفعل مجموعة من الخبرات تتسرب إليك من خلال الحواس التي تتفاعل مع الوقائع.  لذا، يعيش الإنسان طيلة حياته معتقدا أنه يمارسها كما يشاء، لكن ا...

أبي ||

  الكاتب: هاشم شلولة السلام على أبي، وبعد السلام.. حقبةُ صمتٍ طويلة، تجرف معها كلّ تأمّل قضاه البصر وفعلت البصيرةُ فيما سواه. هو أبي الذي كبُر معي مرارًا، ولم يصغُر إلّا مرّة واحدة، واحدة فقط، تجمع كلّ المرات التي شعرت فيها بانكسارٍ من الحياة. أأنت أبي؟ وما معناك إن كان للمعنى تدخُّل في الخط الطويل القصير الذي يربط بيني وبينك؟. السؤال عن وجودية المعنى في خضم أبي غير منفصلٍ عن بداهته في حوارٍ استُئنف تزامنًا مع ميلادي، وسينتهي بموتي..  أبي صحبةُ المحراب إذا ما كانت الخلوة واحدةً، تربط شبحًا يعرف كم يكون الآخر تهديدًا لولا قطرة سمتها الحياة أبي، تنطلق من الضفائر، وتمرُّ بالسيل البائد المسمى وجهي.. أنا الوحيد العديد الشريد وابن أبي.. هو أبي من لازم حيرة الاسم الذي يحملني ولا أحمله، فكيف.. كيف أيها الصمت أعيد أبي إلى شبهة التكوين خاصتي، وأمزجه في صفاتي لأكونه، ولا يكونني.. فإقامتي فيه استرسال معلّقتي في التجمّل، في توغلها بحقيقةٍ سينساها الجمع إلّاك يا مجمل الاستثناءات الكونية.. إلّاك يا قدرًا أجلَّ خُطى اليتم على جبهة الشاعر، الذي عاد من كل الحروب هزيمًا، ينحب كخيلٍ عجلى..  ...

عن حرب السودان

 الكاتب: هاشم شلولة ما يحدث في السودان هذه الأيام، تقريبا خلاف شخصي بين البرهان وحميدتي، تذكرت علاقة الصادق المهدي بالبشير، اللي حكى فيها البشير إنه المهدي أستاذه، ولكن في نهاية المطاف رماه في المعتقل. وتذكرت علاقة عبد الحكيم عامر بجمال عبد الناصر.. لما حس إنه حكيم صار نجم الحفلة، خلاه يحاسب ع مشاريب ال٦٧ كلها، وضل هو الزعيم.. عشان هيك منتهية بصوت جبل، البرهان رمانة الميزان.  بالمناسبة الرجلان وسّخوا سوا في دارفور في ال٢٠٠٣، وهما التنين كانوا غلطة البشير اللي بألف، وهما الاتنين كمان وسّخوا في حزيران ٢٠١٩ وقتلوا ١٠٠ شخص من المتظاهرين لإحقاق الديمقراطية بعد انقلابهم على البشير.. المهم بدت العركة لما البرهان أعطى مناصب حساسة في الدولة لموظفين كانوا في حكومة البشير، وطبعا تلطيف علاقته مع قوى التغيير، هدفه أعتقد إنه يسكر سجل البشير بهالحركة، ويضمن تفوقه على صاحب عمره.. حميدتي استشعر الفكرة فاعترض، وطبعا قوات التدخل حصة حميدتي فقلهم "هاد الزول يريد يخرب البلد، وخسا" فهالت العرب ع العرب.. وعشان مننساش، حميدتي فاتح خط قوي جدا مع الإمارات، وقبل كم شهر بعتوله شحنة سلاح تقيلة بالسر....

ما ترك الحب

  الكاتب: هاشم شلولة سيأتي يوم وتدرك أنَّ الفتاة التي عشقتها، وأنت بباب الشباب، لم تكُن مجرد مزحة من مزحات البداية.. أو حالة من حالات الجنون التي تصعق شبابك؛ ليعرف حقيقة مفهوم مهم وكبير ومُشكِّل لعالمك المعنوي كمفهوم الحب. وستدرك أنّها الحالة الخام والأصدق والأعمق، لأنها هي التي قادتك من نحرك نحوك.. فالمفاهيم فيما بعد مثل هذه التجربة تصبح رهن قيادتك؛ لأنَّك لم تعُد هذا الولد المندفع والجامح.. ستشيخ ذاكرتُك، وتنسى كثيرًا من تفاصيل لا تُعَد عشتها إلى جانب تلك الفتاة التي كانت حالمةً مثلك في وقتها.. بحقيقة المشاعر ورعونتها في آن. سيضيّع عمرُك الذي يمضي بين طواياه السببَ الذي أنهى هذه العلاقة الجميلة والبريئة، وكذلك سيفعل مع السبب بدأها.. ستصير آخرًا غيرَك، ربما يشبهك قليلًا أو كثيرًا، وربما لا.. لكن الثابت أنَّ الذاكرة ستخوض حروبًا مع جسارة وجه الفتاة، وجسارة تمكنه من عقلك.. ستظل هي الصورة التي ترافقُك حالما فُتحت سيرة الحب مرّة، سترافقك وأنت تمرُّ بالأماكن، بالأبواب والنوافذ والمقاهي، ستتسرّب إلى وعيك ولاوعيك في كل محطة، وعند كلّ مفترق، مع كل أغنية ونصّ، وحكاية تسمعها، صورةٍ تصادفها ...

ما يصل من العاشق 5

  الكاتب: هاشم شلولة قد أبدو متأخرًا، وقد لا يبدو للتأخير من عدمه معنى في سياقٍ كهذا. وقد تبدو اللحظة رهن هجعة صمتٍ جارفة دون منفذيّن أو واحدٍ على الأقل. قادت اللحظةُ رغبتي الميتة سريريًّا من نحرها نحوها. قد وقد.. احتمالاتٌ كثيرة، لا تُحصَر أو تبرى من لعنة ورودها في خَلَدِ جِبِلّة "قرشت ملحة الحياة مبكرًا" فاتَّكأت بزوايةٍ منفية في أقصى أقاصي الحلم أو الكابوس؛ ترقُب مدى توافقها والرواية.. خضعت تلك الجِبِلّة (التي هي أنا) لهذه الآنيّة الصامتة والساكتة، والتي تغوي شابًّا خائفًا مثلي من كل شيء بدءً بنفسه وانتهاءً بها.. تغويه ليحكي احتمالاته لشيء غريب، أنتِ ربما، وربما أنت.. ربما غيركِ أو تشبهكِ، وربما لاشيء.. وقد لا يبدو وجهُ الكون شبيهًا بالاحتمالات أساسًا. أسخرُ برهةً، وأخرى أقلق.. وأكمل هذا الشيء غير المفهوم، بيد عهدٍ قطعته على نفسي منذ عمرٍ بأن أفهم سؤال "لماذا أكتب؟" حين يكون ما أكتبه سهمًا يطلقه ليلى الهادئ من قوس حدسي نحوكِ/ نحوي/ نحو أشياء كثيرة أو قليلة..  رغم أنّي كثيرُ ذكرٍ لاسم أحاول مراسلتَه؛ لإيماني ككاتبٍ _أو يظن نفسَه هكذا_ بحقيقة حجم الأسماء، وهي تصيرُ...

شذرات

  الكاتب: هاشم شلولة واحدة من عشرات كثيرة محتشدة في جوفي/ هناك اتفاق ضمنيّ ساكت بيني وأبي.. أن نُقسّم الهزيمةَ بالتساوي.  . ليس هناك صدقًا أكبر من رواية الأموات، وهم يحاولون الحياة. . يغريني طحنُ رمادِ سجائري في المنفضة بالأعقاب بعد انتهائي.. تلك حكايتي مع الحياة.  .  لقد أفلحت فاطمة قنديل في بناء علاقة حساسة بيني وبين أدب مصر النسويّ المُحكم.. لهذا؛ أبكي كلّما قرأتُها، أو قرأتني.  . من الخطورة بزمن استجمالُ زمنٍ مضى.. بسبب رواية تملأ فراغ الكون في أفكاري.  . كل الأصدقاء في حياتي كانوا عابرين، إلّا واحدٌ لا زال منذ الطفولة.. أعتقد أنَّ دقةَ المشاعر والسرديات هي سبب بقائه للآن. وأظن أنَّ التحفُّظ المُنفتِح والمواعيد سببان أيضا.  . حياتُنا في غزة عبءٌ على طائرة استطلاع؛ تترصد الانفعالات والزمن، لا المكان..  . للأعياد في الأرض المحروقة (هنا) الكثير من الكوابيس، ولها رنّة الخلاخيل على مسرح حرب متخيّلة. .  أنا وأهلي وسكان غزة متأكدّون أنَّ الحياةَ خارجنا هي الاستثناء، رغم أنَّ الحقيقةَ الكونية الجازمة تقضي بالعكس.  . محاولة مواءمة الأحلام الم...

رحلة عقيم

  الكاتب: هاشم شلولة ثمّة غصّات متتالية، تلاحق المرء خلال حياته.. حتى الآن أجهل غايتها، باستثناء الجانب الروحي منها، تعلّمنا الإيمان بالوقت، تعوِّدنا على القبول والعبور.. ترسِّخ فينا مبدأً قديما جديدًا، وهو أنَّ الإنسان محض ضيف على هذه الحياة. لكن الصوت الشاعري فيّ؛ يردُّ باستياءٍ وحسرة: لماذا هذا كلُّه؟ ولماذا كلَّ هذا الركاكة؟.  لهذا؛ عكفتُ عن قراءة الروايات؛ لأجل ألا أنكأ جرحي القديم، الذي أهرب منه بالحياة أو بمحاولة الحياة ربما.. لكنها عقيمة بما يكفي لعدم ميلاد استجابة لهذين السؤاليّن القاتليّن. إنها الحياة أيها الأصدقاء؛ ذلك القذع الهُمام في خاصرة تاريخ الأفراد والجموع معا، الذي يرتجل في مجمل محطاته، ولا يتوقف عن ذلك، وهذا بالضبط السر، الذي يقودنا القدر إلى المضي نحو المحطات التي لا تكشفه لنا.. لأجل أن لا نجزع جزعَ المفضوحين، الذين سترَ ذلك السرُّ انكشافهم وعريَّهم عن أنفسهم والاحتمالات وفكرتهم عن الهزيمة.. لا يمكن لنا كبشر أن يغالبنا شكٌّ في حجمنا أو عنه، والدليل المحزن والقوي في آن؛ أننا نعيش سعاداتنا الخجلة، ونقيم تآبيننا والعزاءات.. بنفس الوتيرة، وبذات القدر من الطاقة...

الطفل الحائر

  الكاتب: هاشم شلولة عند انعطافات الحياة التي لا تؤدّي مهمتها، يقفُ الطفلُ الحائر بين فعليّن، الأول السيرُ إلى جانب مجايليه، والثاني السؤال عن عقده عقدًا طويلَ الأمد مع اكتشافه لكهولة أبدية؛ يمتدُّ من أول ملامسةٍ للسحريّ حتى الخلاصة. هذه الانعطافات الصامتة الثقيلة، تؤرق بصمتها الغريب والبعيد المرامي والأمد.  يقف الطفل أعمى، ينسج الحكاية تلو الأخرى، ليقنع نفسه بحالة التماهي المحبوكة بمهارة مع صمت الانعطاف وكلام الرأس الطويل عن ليلٍ حاثم كالكون على الصدر، وعن ارتباط المعراج بصفة عنيدة ترتبط بمُستقبل جاهز سلفا كوجبة عشاء بائتة..  هل تكمل الحياة دائرتها؟ قد تكون الإجابة ضمن عوالم المجد المرئي هي الإكمال، وقد تكون في عرف مفارقات الأمل المكذوب بها على أولاد مصابين بهستيريا الماوراء؛ عدم الإكمال مع التحفظ على هذا العدم لأسباب وجودية طارئة، تمتثل للتفاصيل الكبيرة.. فيصير جدير بنا أن نحفظ الغفوات المثالية حفظًا مثاليا وماكرًا في آن؛ لنستذكر العلاقة بالقيامة وبالشموع وبالطرقات التي تملك بداية وتفقد نقيضًا نقضي أعمارنا نستفهم عنه، ونغرس أظافرنا في لحم الحياة لنستبصر به فنعمل له عمل ...

عن فيلم scent of a woman

 الكاتب: هاشم شلولة خلال إعادتي لمشاهدة التحفة السينيمائية العظيمة فيلم scent of a woman الليلة، والحقيقة لا أذكر رقم هذه المرة.  خلال إقامة الكولونيل فرانك في واحدة من فنادق نيويورك الكبيرة والفخمة.. تبادر إلى ذهني سؤال: لماذا أولى الإنسان ولازال الاهتمامَ الدقيق للفنادق؟  ثمّة رمزية بارعة الفتنة والرعب في آن لهذا الاهتمام.. تبدو واضحة وغامضة، وعفوية ومقصودة معًا. تُجبرك على الإيمان بأنَّ للإنسان علاقة شائكة مع الزمن، يحوّطها طيف العبور من كلّ الجهات. لكنّه يستعين بالشواطِئ الحقيقية، الواقعة تحت الزُرقة بالتوازي هاربًا من السؤال عن بداية الأشياء ونهايتها.  سؤال آخر، ودون التطرّق لرمزيته، لكنّه لأجل حياد الاحتمالات فحسب. هل يمكن اعتبار إجادة رقصة التانجو، وقيادة سيارة الفيراري بمهارة سببين كافييّن للعدول عن الانتحار ووضع الحياة جانبًا؟  شكرًا مارتن بريست، وصلواتي الكثيرة والصادقة.. أحبك. 

حياة القلق

 الكاتب: هاشم شلولة  إنني لا أستطيع تخيل حياة دون نوبات قلق أو هلع سواء مباغثة، أو تأتي على مهل كحبيبة غائبة. أسأل نفسي: كيف يمكن أن تكون الحياة دون هذه النوبات؟ هل هناك حياة دون ذلك؟ يصف الشاعر المكسيكي "ماريو بوخوركيس" القلق بحزنه العارم، والهادئ المعهود على ماريو (الولد العاشق للوركا) بأجمل وأقسى ما يكون:  "تُوَتِّرُ الرئةُ _المِنفاخُ_ النبضَ العبوسَ للهواءِ المضغوط ذلك الفوحُ الذي يُحْيِي جَذْوةَ الدّمْ في أيِّ كورِ حدادةٍ صارمٍ قد صيغَ هيكلُكِ يا خديعةً بألفِ وجه؟" ليقلق الإنسان، وليفهم أن معناه مُستمَدٌّ من هذا القلق، ليس المعنى الموضوعي، بل المعنى الحميم والعميق، القاسي الذي يولد بعُسرٍ، وبمبضع الجرّاح..  قلق/ إنسان/ معنى.  هذه الثلاثية ترسم الإنسان بشفرة حادّة على لحم الوجود، فيصير الإنسان دمًا.. دمًا ساخنًا، يشقُّ طريقَه نحو الحياة، نحو الملحمة، وربما نحو القصيدة.. إنّي قَلِقٌ كحياةٍ تأخَّر موعدها. 

في غزة ندلل الموت

  الكاتب: هاشم شلولة إنَّ حياتنا في غزة، تقف عاريةً على خطٍّ بحجم الشعرة طولًا وعرضا، حادًّا كنصل سكين.. نقف جميعًا عليه منتظرين موتًا، موتًا محقّقًا تنفيذًا لأوامر الحرب، أو موتًا على هيئة حياة طارئة ومؤقتة، قاسية؛ تكتريها ثرثراتُنا واستئناسُنا ببعضنا بعضًا في مجمل أوجه الوقت..  إننا في غزة ندلل الموت، ولا يفعل هو ذلك..  يسأل الصاغرون عن خرسٍ بحجم الكلام، وشُبهةٍ بحجم الحقيقة، كما يسألُ رملُ الأرض، الدمُ، وفكرتُنا عن الحياة سؤالَ المارّة المنهكين عن هذا الجرح، عن حاجةٍ لإيقاف الأشياء عن مضيّها، وعن شعبٍ يبحث في العشبِ عن آنيّة، برهةٍ أو حركةِ جفنٍ بلا انفجار، بلا انتحار لمعنى الحياة في دفاترنا وواقع الشجر العتيق؛ المكبّل بالشمس وترجمان الحوافّ السقيطة من الزجاج المتكسّر، زجاج النوافذ أو زجاج القلب..   إنني أرسم ذلك، والخلفية صوتُ طائرة عسكرية محتقنة، صوتٌ جاحدٌ كصوت الأحلام في توايخنا الشخصية، وبطاقاتنا التعريفية.. إنني أكتب، لأن فعل الكتابة هو رسم إذا مارسه الخائف، المهلوع، المسكون بالانسكاب المُجدوَل للخراب على شفاه القاعدين على نواصي الانتظار؛ كأنّهم قاعدون ...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني.