التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2022

الحقيقة تتعربش وجه الأشياء

  الكاتب: هاشم شلولة إنَّ الحقيقة تتعربش وجه الأشياء، تشوهه وتخلقُ منه وجهًا آخرًا غير مكترثٍ لحامله. لهذا خُلقَت الأكاذيب والمُسكِّنات وما يدفع الإنسان للاستمرار، أيّ أنَّ سر استمرار الإنسان يكمن في غياب الحقائق. فالميت تستمر حياته إذا تدارك حقيقة أنه ميت، والفقير كذلك، والمكلوم والفاقد لمحتوياته التي نحدث من خلالها علاقته بالحياة ولو حدث عكس ذلك واشتمَّ رائحة حقيقة واحدة صغيرة فإنّه على الأرجع سيفقد عقله لو كان حيًّا وسيموت واقعًا لو كان ميتا بشكل الموت المعنوي، وكذلك إذا كان فقيرًا أو مكلومًا، فتلك مُصابات الإنسان وبلاءاته الأقوى إذا تعلّق الأمر بوجوده الملموس فضلًا عن وجوه المعنوي إذا ما قورن الأمر بفكرة الوجود ومشتقاتها. الحقيقةُ فخّ تنصيه الأبدية، ويهندسه التتابع كي يقع الإنسان فيها كهاوية؛ وقتما تتضح أمامه. لهذا جميعنا يهرب من حقيقته، ومن كافة الحقائق التي قد يُلامِسُها خلسة أو يتعثّر بها في حال من الأحوال. يعيش الإنسان مداريًا هيئته عن الحقيقة، هاربا منها، شاردًا عنها.. لأنّه يعلم تمام العلم أنها محض مهلكة تنسفه وتُلغيه وتمزّق شرنقته، وكل باحث عن الحقيقة بالضرورة كاذب وضعيف...

ستكبر يوما

  الكاتب: هاشم شلولة ستكبُر يومًا تاركًا نفسك صغيرًا، تبكي على ثُقبٍ أصاب الذاكرة. ستكبُر دون عمرٍ يرافقك، ماضيًا إلى الموت، تلك الدمية التي اشتهيتها في صغرك دون علم.  لو كُنّا نعلم أو نعقل ما كُنّا مستمرين، ما كنا لنبقَ على قيد الدُّخان.  كنت تعرف أنَّ إخوتك، أصدقاءك وكُلّ مَن جاورتهم فوق بارجة الحياة... هم محض استدراجٍ لغضاضتك حتى تُهدَم، ولصبرك حتى ينفذ، ولأملك حتى يملّ وجوده، وينحني إجلالًا لنقيضه، ناقصًا مُستَنفَذًا بعد إراقة دماءه بواسطة الأحداث الجلل التي أحدثتها قزامة الحضور المقصودة وقتما انصهرت الشموع، وتقلّصَ منسوب الإيمان، وذابَتْ في الجنازات صفاتنا والأسماء...  خيلُك النازفة سقطَت، وصهلتك الأخيرة كانت في الأمس القريب، حين عاد الجنود دون رسائل العاشقات، وحين تنبَّأ عقلُ الشاعر بالغَدِ المُثقَل بالعماء والسُّكر الذي طال مداه. سياطُك ما عادت تجلد أظهر المأساة لتُطهرها، وتجعل منها سردًا ملهمًا كما يقسو الأبو على ابنه ليجعل منه ابنا صالحًا.  سياطك ظلّت في يديك ولأنك معدوم العافية، وأقرب ما لديك فخذك، فلم تضرب سواه بهدوئك المغشوش فيحمرّ فخذك، لتقدم مشهدًا...

تأمل في سورة غافر

  الكاتب: هاشم شلولة "وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ". سورة غافر. (الآية ٢٨)  جاء في التفسير الميسر أنَّ قول الرجل "أتقتلون؟" الذي نعته أهل العلم بأنه من قوم فرعون، وكان قد آمن بموسى، وسرَّ إيمانه في النفس خوفًا؛ هو قول استنكاري.. والاستنكار ليس من باب التخصيص بموسى، بل من باب من التبيُّن والثبوت.. والدليل أنّه بعد الاستفهام استخدم جلا جلاله واو التشارك ربطًا بالبينات التي مصدرها الله كحكمٍ وفيصل.. والنتيجة إذا كانت احتمال كذب موسى (وهو المُستبعَد) فكذبه عليه؛ وحده من يحمل الوزر، والصدق سبب لنتيجة الوعد الإلهي الخاص باحتمال صدق موسى عليه السلام (وهو الثابت). التخصيص الثاني مرتبط بنية موسى عليه السلام إذا ما تحققت نتيجة التخصيص الأول المنوط بالبيان والإثبات.  هذه الآية من أحب وأقرب الآيات لقل...

هنا يا أمي

  الكاتب: هاشم شلولة هنا يا أمي، ينامُ صغيرك مُلتحفًا ظِلّه، ويركض كالمصروع في شوارع الوهم الطويلة، للوصول إلى معنى يلبسُ رداءَ المعنى _هو في الأصل لامعنى_ بكيتُ كثيرًا يوم عرفت أنَّ الأمهات تموت، فماذا تفعل القوارب دون أذرعٍ توجه المجاديف؟.  أمي التي ما طرقَتْ باب حزنٍ ما بالضرورة لتُصلي لي بالنجاة إلّا وشرَّعَ بابه لها كما يُشرَّع باب الزمن لهزائمنا التي تكبر كلما كبرت المسافة بيننا وبين الأمهات، ما تركَتْ يومًا إلّا وكانت فيه صورة لإنكساراتي وسيرة للضعف يرويها الأبد لعالمي الصغير، والمُهتَرّ سَلَفًا لأجل الأمومة التي نتطهر بها وننتصر بها على كل هذا الفزع الذي يصبُّهُ الوجود في رؤوسنا.  كثيرٌ صمت أمي، وكل ما تتكلمه هو امتداد لعوالم الصمت. أورثتني طُرُقًا سهلة للتعامل مع النسيان؛ نسيان الكلام والأماكن والأشخاص...  أورثتني بأن أكون من أهل الله الطيبين، لأنها في الأصل قصيدة ألقاها الله في صحراء كبيرة، محفوفة بالحساسية، والأحبال السرّية، والوداعات المُثقلة بالدموع. كانت تُمارس الفرح خلسة حتى لا تلمحها محطات التحوّل الزمني التي يقف عندها المُشاة المُتعبون، والأبناء الذي...

الخوف والتجرد

  الكاتب: هاشم شلولة إنّك تستطيع التجرُّد من التلقينات الفكرية المختلفة، التي استقبلها عقلك سواء بوعي أو دونه.. من خلال معرفتك الفكرية العميقة والمقصودة، وتراث خبرتك بصلاحية الأفكار. لكن مهلًا؛ لن تستطع التحرُّر إطلاقًا من محصّلات ونتائج هذا التجرد على الصعيد الأخلاقي والنفسي خاصتك. لن تستطع التحرر من الخوف، ذلك الخوف الذي يرافقك طيلة عمرك إذا ما قصدت طريق التحرر من أناك المبنية بالتراكم طويل الأنفاس وفق أسس ومعايير اجتماعية ثابتة ومتتابعة ومتينة وعفوية بكامل قصديتها وتوجيهها نحوك كفرد من جماعة وكجزء من كل.. لذا، لا بد من التريث في حال اختيار الطريق الفكري الخاص بذواتنا، والوقوف أمام معطيات الكل الخاص بتاريخ الوجود الشخصي المرتبط بالتشكيل السلوكي والنفسي.. للإفلات من حدّة عدم الانفصال التام عن الوعي بالكيان، والذي هو العنوان الأول للقصد قبل قرار الاختيار الفكري.. حتى أنَّ مفردة (الاختيار) أظنّها مفردة شائكة ومغشوشة؛ لأنّنا لا نختار حسب نوعية الأفكار بل حسب خلفياتنا المسبقة عنها، وفي مناطق اختيارية أخرى وهي الأوضح ضمن تراث الاختيار؛ فإننا نختار الأفكار التي توازي أزماتنا الفكرية وال...

من خطابات مدينة السفلة ٢

  الكاتب: هاشم شلولة أيها الناس، أيتها الفائجة المُستضعفة، يا أبناء المدينة السافلة عن غير قصد، والتي قتلها الأحبار والرُّهبان وبنو عبد الوهاب، اللائذون في ملحمة الخطيئة الأولى بتجلٍّ يبغضه المُتجلّون، ويمقته الزاهدون والفاضلون والصالحون كما الفاسقون والضالون والمنحرفون. يا أساقِط الأقوام وأسافلهم وأدناهم وأحطِّهم... إنَّ دنياكم للدَّناءة مرتع، وللسِعاية مرفَأ، ولجموح المجون كبحٌ خاسر، مُهانٌ ومكسور ذليل. رجالُكم سلائعٌ لغضاضة التضرُّع الذي يفتعله هاتِكو الليل وسُكاراه ومشرّدوه، للخيبة والصمت المهزوم أمام الحق والحقيقة والارتعاش من الظلال الفاترة وغير المتَّضِحة. يا لذُلِّكم المُحكَم والرَّفيض!.  أبناءٌ للقهر والفضيحة والخنوع، يحكم مدينتكم ثُلّةُ لصوصٍ رقَطاء وجابلة، نهبَتْ اللهَ من صوامعكم الآمنة، وعرّت نرجسًا يسكنكم، قالت ما ليس فيكم، وصمتُّم كصمتِ ابن "كافيسوس" الأجلّ والأعظم من صمتكم الخانع والباهت والمُطأطِئ رأسه للنزوات العابرة وأفخاذ الغازيات اللواتي وهبن عظيمَهن لمعايش الغُرباء ومَن ساءلوهُنَّ عن حاجة. يا لعُمقِ قربانهن ووساختكم الفادحة فداحة ذُلِّكُم وهشاشة داخلكم ال...

عزلة موحشة

  الكاتب: هاشم شلولة تعب صدري من تلك الأنفاس الضيقة كلما نظرت في هذا الليل الغامق لحالي. أنا أنظر من أعلى قمة في عزلتي، لهذا تكون النظرة محملة بالأسى غير الوديع والشجن الكثيف، ذلك يجتمع في صدري، وتكون النتيجة أنفاس ضيقة. أحاول دائمًا التصاعد، والانفلات من مكاني نحو النجوم؛ لأُحادثها بشأن ما يصلني كُلما استأذبَتْ عزلتي، وشدَّت وثاقها عليّ، لعلّ في لون النجوم مُستقَر، لعلّها تخترق الجُدُر، وتوزّع نثارها المؤنس في فراشي، فأغدو ثابتًا مثلها وهي في السماء. الوحدة والعزلة بما فيهما من غياب حلوٍ يصنعُ الفن في ذاتك، إلّا أنهما لا تنفكان مما يعلق بروحِك من هزيمة تفعلها بحقك حاجتُك لتكون خارج نفسك وتأمُّلاتِك التي جُلّها تحمل نتيجة واحدة، وهي أن العادية محور ما هو أعظم منها وأحَط. ذلك أمر صعب، ويقود للجنون غير المُدرك؛ لأن الحياة مجموعة من التمايزات التي يُنتظَر منك إدراكها طالما أنّك لا زلت حي في مكانٍ ما. إذا فقدت مثل هذا الإدراك فإنّك لن تختلف عن السرير الذي تتمدد عليه، ولا عن سقف الغُرفة أو مكتبك الصغير في علاقتك بكيانك ومحتواك المحفوف بقدرتك على التفكير.  ربما عليك أن تكون نهرًا تط...

كل المُتَع موسيقى

  الكاتب: هاشم شلولة الموسيقى بالنسبة لي هي اشتمال المُتَع الدنيوية مجتمعة ومكتملة ومختصرة في آن، مظهرها واحد وحضورها استفحال في خلايا العقل ومُنطلقات الروح. من شأنها التباري مع اللذة رغم أنها من مواد صناعتها الخام، يحدث بينهما نزالٌ فلا يتفوق أحد، وعياك يشهدان النزال، ووتيرة الشعور تُصفّق، خلاياك تتراقص والمشاهد تتابَع... يحدث كل ذلك؛ بينما أنت تحمل جسدك، تحاول بناء علاقة هادئة بين جسدك والسرير؛ كأن تكون هذه العلاقة فأل الحواس من الاستماع، يصنع التدفقُ متواترُ الإيقاع هذا الفأل؛ فيُشعِرك بالسيادة المحمومة، التي تغصُّ بالتذكُّر للنساء الجميلات اللواتي شاركتهن مرّة موسيقاك ثم كانت الموسيقى صيغة انتظارٍ فنية التوجّه، تصنع من المسافة تقويمًا سؤاليًّا يتراءى له ظل إجابة، يُعمِّدُك هذا التسرب الصوتي _الأشبه بالنسيم_ إلى أذنيك اللتين أتعبهما صخبُ يومٍ طويل؛ يعجُّ بالأصوات المتباينة والخُطى والأنظار.. ليُصبحَ هذا الضجيج الناعم مشهدًا يكوي ما سواه، يصدمه بليونةِ التعاويذ وهلامية الصلاة.. الموسيقى استئذان الأرض من السماء لأجل تبادُل الأدوار، فتبكي الأرض لتتبلل السماء بالملح، أو تضحك فتجري ا...

في تذكر أدهم العقاد

  الكاتب: هاشم شلولة قبل ثلاثة أعوام، وقد كان يومًا باردًا وأشبه بهذا اليوم، ذلك ما دعاني للتذكُّر، كان العصر قد بدأ مجيئه، وبدأت معه حاجتي وأدهم العقاد للبحثِ عن طريقةٍ نطردُ فيها شيطان الصحو اللعين، فبدأنا بالمشي الطويل في شوارع مدينة خانيونس باحثين عمّا يُغذّي هذه الحاجة، وفي أوجِّ عجزنا؛ كان أدهم يرسم الخطط ليصل إلى توفير ما نُطعّم به عقولنا من مُسكرات لصناعة الشعر والسُّكر معًا، التفتتُ لأدهم الذي عبّر لي عن برودة جسده من طقسٍ كهذا، وقلتُ له: أحبُّ فكرة أن تتدفَّأ الأطراف، وستتدفَّأ بقية الجسد تلقائيا.  أدهم في لحظات الحاجة للسكر يكون كل شيء تقريبًا بالنسبة له مثار سخرية، وغير قابل للاهتمام، ضحك بسخرية صامتة ولم يرد، حيث قال لي: "لما ندخن حنبقى نحكي". نسي هو، وقد حصلنا على مونة تلك العصرية، ذهبنا لغرفته المبنية من سعف النخيل فوق منزلهم، وروينا رؤوسنا بأدخنةٍ تدلُّ علينا، وفي غمرة السُّكر، سألته ما إذا كان قد تذكّر حادثة دفء الأطراف، سكتَ وقال لي: "دخّن ي خال." ضحكتُ وقتها بصوتٍ عالٍ، ونظرتُ إلى أطرافي، يومها أيقنتُ أن البرد والدفء سيان طالما أن الحاجة مكشوفة، و...

لا شيء يعود

 الكاتب: هاشم شلولة ستعود الأشياء على حالها حين نغيب، وحين نؤسس ليلًا جديدًا يخلو من الإشارة والرمز.. سألتُ بالأمس جميلةً آسيوية: معقول في علاقة بين حبنا القوي للأشياء وامتلاكنا لها؟ كنتُ مؤمنًا بأنَّ هذه الأشياء هاجسُنا الذي يتوازى مع تدفق النبض الحميميّ، مع كل قطرةٍ ترفضُ السماء حملَها فتسقط، مع كل خطوة عبثية نخطوها في مدينة الجرح الكبير والملتهب. سعيتُ بكُلِّ عَرَقي في أرضٍ يباب لأفهم وأحلِّلُ ما أفهم، وأبني عليه تصاويرًا تحوِّطُ الرغبة، تحميها من نهشات الحواس المتدثرة بالوقت؛ هذا الذي يتشابه مع الأمل حين نبحثُ عما ندفِّئ به برد أطرافنا في شتاءٍ جائع وموحش خلاله.  حين عرفتُ الأشياء، كانت السماء تنفثُ تاريخًا مرتجفًا في واجهات الصلاة الجمعية الكبيرة، التي يصليها الكلب حين يجوع، وحين تقطر أعينه الدموع كما تفعل السماء ذاتها الآن. سؤال عن الأخوة الصغار، وعن الأم وعن براحٍ طويل عملنا ليال متواترة على ترسيمه؛ ليسع الدموع وما تختزنه قلوب الكلاب المشردة في أيامٍ باردة كهذه، كانت الصلاة رمزًا مركونًا في هذا المقهى الذي أختلس المجيء إليه كهواية، وما أفظع أن ترتدي الهوايات أثواب الحقو...

مهزومون

  الكاتب: هاشم شلولة نحن في مواجهةٍ التحاميّة ومستمرة مع الأشياء، بدءً بأنفسنا وانتهاءً بها مرورًا بالأوّبِئة والكوارث والأمراض واللامعنى واللاجدوى... لكن، ماذا عاد علينا من تلك المشادة المشاع والموجِعة إلى حدِّ نسيان المَسلَكِيّات المؤدية لنقيضِ مخرجات مثل هذه المواجهة الساحِقة والمُربِكة؟. سؤالٌ على هيئة صرخة استمدَّت عافيتها من هذا اللانوم البشع والدميم، الذي يظل يقضم لحم الإدراك الشفاف والناعم والمُسالِم لضدّية الأشياء المُطلقة لك، وغير الخاضعة لحسابات الروح حين تتشكل وحين تتبدد فيك، وحين تترك أثرها بخبثها الدائم والمُرتَقَبْ والضال... لكن؛ هيهات فلا إجابة أو مجيب، أو رأس شَعرةٍ لحلٍّ قد يكون مشهدًا تنظيريًّا للاحَلّ/ لا حل للمواجهة التي تحدث بشكلٍ يتعرّى من أخلاق المواجهة أو مواثيقها المعروفة والمرصودة سلفًا من قِبَل تواريخ المواجهة وهامشها المُنطفِئ إلى غير ضوء أو استضاءة.  نعم؛ تعلكنا مواجهة كُلّ ما هو فينا أو نحن فيه، وتجعل منا أضحوكة للأماكن والرؤى والمنطقة المحترقة من مناطق تناولات النساء العربيات لما هو مُفرَز من هذا الإسكتش الدفاعي غير المُحكَم والمثير للسخرية إلى ...

السخرية من النفس

  الكاتب: هاشم شلولة في كثير من السجالات الرمادية حول قيمة الذات، كذات فاعلة في الحياة والواقع الإنساني، عند نقطة احتدام واضحة؛ كنتُ أختصر شديدَ الكلام، وعلو الملام، حاسمًا وجهَ الحقيقة بالحقيقة نفسها، وهو أنَّ الأشياء جميعها لا يمكن أن تكون أشياء فاعلة دون السخرية منها، والسخرية تعني موت العلاقة بالأشياء، ليُعرَض عليَّ من قبل أقران السجال ذاته سؤالًا كأنهم يصدمونني، وهو: هل تسخر من نفسك؟ فأجيب بحسمٍ وثقة: نعم، أنا أسخر من نفسي قبل أن أسخر من أي ما هو سواها، وبالمناسبة نفسي ليست سوى شيء كبقية الأشياء، والحقيقة أن علاقتي بنفسي ولدت ميتة، ولم تمُت تراكمًا كما هو حاصل. أسخر من نفسي جدًا، ولا أهينها بذلك بل أكويها بفكرة اكتمال معرفتي بها كيًّا يُراد به بناء، رغم أنَّ البناء لا يشكِّل أولوية في قاموس ارتدادات السخرية، لأنَّ الارتداد نفسه يثير سخريتي. ما قيمة أن تكون إنسانًا بشكل الإنسان المعهود بنائيًا؟. تُحوَّل بمجرد كينونتك إلى مسخٍ تُديرُك الشكليات الفكرية والمجتمعية وحتى النفستربوية. أين الإنسان فيك إذن!. كيف يمكن أن تتدخَّل في شؤونك وأنت تُسحَب من نحرِك صوب قدرك الاجتماعي والذاتي و...

من تأملات القصص

  الكاتب: هاشم شلولة "فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ".  _القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 25.  سورة القصص في القرآن فصَّلَت قصة حياة نبي الله موسى، والحقيقة أنها السورة الأكثر تأثيرًا فيَّ بعد سورة الحِجر.. بدا القرآن فيها واصفًا وشارحًا وشاعرًا ومُطبطبًا.. مشهديًّا شاملًا، ولا يدَع مكامِن التصور تحيد عن سياق وحدة النص الفلسفية إذا ما قورن النص بالتتبع الوجداني لمحتواه.. أيّ أن موسى المذكور في السورة ليس موسى مجموعة الأحداث فحسب، بل موسى الملتصق بالمشاعر الخائف المترقِّب المُستنصَر به المُستصرَخ عليه الوارد الواجد الساقي... (أيّ كُليّة موسى ككيان ومدى التحام هذه الكليّة مع الأحداث) كل هذه معايير رصدية قويمة في عُرف اللغة.. تأخذ بيد أي قصة إلى التنزيه والمآل الإلهي في استصدارها إذا عُدنا لمُجمل المفهوم الخاص بالإله حسب ما وضعه الفيلسوف الموحِّد الأول "پوناڤنتوا". لم تفُت فائتة دَسّ ج...

25 يناير

  الكاتب: هاشم شلولة ٢٥ يناير ٢٠١١ ٢٥ يناير ٢٠٢٢  بالنسبة لديّ فإن مصر هي العلامة الفارقة الأقوى أثرًا في الكيان القومي، وثوراتها حق طالما أنَّ المواطن هو من صنعها.. صحيح أنني من غير المُقتنعين بالمُطلَق بهبل ما يُسمّى بالربيع العربي، وأسمّيه خريفًا يريد أن يُسقِطَ ربيع بُلداننا ويهزم أصولنا القومية، ليفتح آفاقًا للأفّاكين والمتربصين من قوى الاستعمار والامبريالية ولصوص الصحراء والأحزاب الأصولية... كيّ تحاصِر شعوبنا وتُنهِكها، وبالطبع هذا ما حصل.. حين تريد أن تستبدل أثاث بيتك فتعزّله وتستبدل مقتنياته؛ فإنَّ بعضًا من الصراصير والجرذان المتخذة من زوايا المقتنيات جحورًا ستظهر، وهذا ما حدث حين حاولت جرذان الإخوان وصراصير التنظيمات الأصولية الكريهة العبث بجمالية مصر الحضارة والقومية وتخريبها.. لكنَّ مصر كما عهدناها، تدعس على هؤلاء الأقزام، وتمضي نحو بناء الدولة المواطِنة والشعب الذي تتجدد عراقته وأوجه نضاله من أجل القوامة والمضيّ ناحية حفظ كرامة المواطن حتى تطلّب ذلك كيًّا وأذى لمكونات الشعب والأمة؛ فلا يوجد بناء حقيقي دون هدمٍ وفواتير باهظة.  قُبلة على جبين العين الساهرة على أ...

البلاد الحزينة تغني

  الكاتب: هاشم شلولة البلاد وشتاءها وشتاتها وبقايا الأبناء الذين تركوها وحملوا الروايةَ في الصدور... تجلسُ هذه الأسماء حول مائدةٍ عليها طعام فاسد ومجموعة أحرف؛ تركها عمّال الدليڤري في مظاريف ورقية على أبواب بيوت فقراء المدينة ونواطير المقابر وحُرّاس الممتلكات العامة.. لم يلتقط هذه المظاريف أحد؛ فتناثرَتْ الأبجدية المُبللة بدموع الكَتَبة الصغار وبصمات سُعاة البريد وأسرار المسافة بين البصيرة والبصيرة وبين السر والسر..  البلاد صارت ملعونة في عرف علاقة الفصول بأبناء هذه البلاد؛ لأنَّ وقتًا ترجَّل وهامةً حوَّطَتها الرمالُ اليابسة.. البلاد صارت مباركة فاللذين صلّوا سويًّا فوق مساحاتها الشاسعة وعلى مرأى بحرها صاروا أنبياءً ومراسيلَ جُدُدًا لأزمنةٍ أجَّلتها الرغباتُ وحاجةُ من يصلي لمغفرةٍ تغسله كما تغسلُ يدُ الحقيقةِ عتبات الوهم المؤبَّد؛ الذي انتحر في مَدِّ بصر شعراء صغار؛ أنستهُم القصائدُ أنَّ الرجالَ هم من يقومون بدفع الفواتير الكبيرة لحالات الضلال المُستشرية في الرؤى ومحاولات التعدد والتجسيد والانبهار والقنوط المديد... البلادُ كانت حرفةَ من لا حرفة له إذا توازى ذلك بالتاريخ، تاريخ...

تحقيق الإيمان والجسد

  الكاتب: هاشم شلولة نستطيع تحقيق الإيمان؛ إذا عرفنا حدود الجسد، وإذا عرفنا أن هذه الحدود هي واحدة من عوامل تشكيل الروح التي تتوازى مع الوجود طولًا وعرضا. نستطيع تحقيق الإيمان عوضًا عن حقيقةٍ قد لا تكون كذلك في ظلال التواقيع المتروكة في كل مكان لاسداء رسالة قويمة مفادها التشكيل وقهر العفوية الجامعة في التكوين، التشكيل للمواعيد واللقاءات والأحداث، وما من شأنه أن يكون خطًّا يجمع ما بين مهارات التأمل والثابتة اليقينية الدنيا في النفوس، اليقينية التي تقتل الصدفة والعبث برهن إرادة طرد ما يُعرَف بفُحش المطلق الخاص بالحرية وغيرها من المفاهيم التي نبنيها جراء التملّص من التزاماتٍ تبدو في هيئتها قيود؛ لكنها في الحقيقة أسقُف، تجرُّنا من عقولنا نحو فكرة تأصيل التراتب وتحجيم التسرب والانفلات اللذيّن يفوقا حجم الأنا الإنسانية، والتي لن تصل لكونها أنا إلّا بعد أن ترصد المسالك، وتحدد نقاط التوقُّف، وتكف عن الإرتجال الأخلاقي والمادي والنفسي أحيانا... لا بد لنا أن نكون أحرارًا بشروط تكون نتيجتها درجة من درجات سلم الإيمان المصنوع من قِبَل العقل، وساهمت في الصناعة الروحُ كما فعل البدنُ واسقاطاتُ المع...

رهان الفكر على الثورات

 الكاتب: هاشم شلولة كان رهان الفكر العربي التجديدي مُختزَلًا في تداعيات الثورات العربية على الشعوب ومسلكياتها واختياراتها لمن يقود دفّة الجماهير. باعتقادي كان رهانًا فيه من التسرُّع الكثير، وعدم التأنّي في فحص تراث علاقة هذه الشعوب بالثورات.  يؤثّر في دخيلتي رفضي لهذه الثورات، وففدان إيماني بها.. الحقيقة لم يأتِ هذا الرفض إلّا من إعادة النظر في نتائج الثورات وفي كيفية تشكُّلِها.. صحيح أنّها لم تكن ثورات نخبوية كما اعتدنا تاريخيًّا، ولكن الشعوب وحدها لا تستطيع أن تثور دون انتقاء تكنوقراطي لمن يقود هذه الشعوب حتى تتوجه صرختهم نحو مسارها الصحيح، ويتحقق شعار: "عيش حرية عدالة" كما أرادت الشعوب له أن يتحقق.. وبالتحديد الشعوب العربية التي يغذّي أفعالها متغيّرا الدين والعاطفة.. هذا أفسح المجال للمتربصين بمجموعة مفاهيم تمثل في جوهرها أرضية لانطلاق هذه الثورات كالقومية، منحهم الشرعية في التخريب، وهذا ما شاهدناه بوضوح في بروز أوساخ الإخوان المسلمين وداعش والنصرة وغيرها من أنواع القرف المختلفة.. عدا عن بروز نجم المستعمرة الأمريكية في الشرق المعروفة بقطر كداعم لأي طرف معارض من أطراف أي ثو...

الحب والخشية

  الكاتب: هاشم شلولة نخبِّئ الحب في أحشائنا، ونرتجل الصمت الطويل ارتجالًا، مما يعطي الحب سلاطة عشوائية؛ تُقطِّع مجد البوح له، نعرف بسذاجة مدى يقينية الخيبة التي قد تستوفي جوهرها أمام الحُب كفكرة أولى، ثم إنَّ انكساراتنا النفسية تكون في الغالب عائمة في تصورات ظِلِّها الذي يتكرر ويتماهى في حاجتنا للحب، وهنا سؤال عميق جدًا، هل موجب الحب سيُليّن سالبَه؟. فشُحنة مشهد تختزن التقاطع والاشتباه بالصراخ الطويل لفائدة المعنى الذي قد يمحيه قطبٌ مقابل. ما الذي قد يحدث أمام عقدة ستوكهولم وحلم العاصمة بعناق المدينة؟. نرى، نعرف، نتهامس، نقترب، ثم تصفعنا الوجوه باختلافها، سواء كان هذا الاختلاف نفسي أو طبقي أو جوهري... لهذا نخشى، نتردد، ونكتم هذا الحب كتمًا بريئًا صابرًا على إلحاحه كحُب وكصورة وسيرة تلعن الفوارق والأسباب وعلامات الاستفهام الطويلة والراسخة في ذهن المكان والزمان وبنات هذا العصر الفارغات... اللواتي يعرفن هذه المساحة بين الشاعرية والعادية ويتخذنها فرقًا، وهذا يؤلم أي شاعرية قد تدسُّ نفسها بين دوافع الحب كفكرة وتطبيق، يؤلمها إيلامًا طويلًا ملحميًّا مُتَّسِعًا، ليتم تدوين هذا الألم كقصائد...

لا شيء حقيقي

  الكاتب: هاشم شلولة لا شيء حقيقيّ، كما أنّه لا شيء يخضع لمناصفة في الحكم من حيث الإيلام أو وسطية.. الأشياء بكاملها واكتمالها مؤلمة، ومستوى قيادتها واقتيادها لنا فاحش في بلاد ميتة كالتي نعيش فيها بمحض موتنا والعكس.. إنّك إذ تختار أن تحيا هنا؛ فإنّ سِربًا دميما من الأسئلة يُثقِل كاهِلَك، وكأنَّ كونًا بمجمل حواسه تعربش كتفيّك.. ستصير أنت المُفرَد مجموعة من الوجوه الخائفة الحانقة المرتعدة والمرتدعة؛ تتلفتُ يسرى ويمنى كأنَّ وحوشًا تُطارِدك. أنت تختار أن تحيا والوحوش تُطاردك.. تتكرر العملية، فيصير ذلك فصلًا ثابتًا في حياتك المقهورة والعبثية سلفًا التي تخلو من أي معنى.. إنَّ ثمةَ إحكامٍ يتحوّطك من كافّة الجهات، يعاني هذا الإحكام من حساسية الاختيار المُفرِطة، كُلما اخترت تُحاصَر.. لم تعُد النفس هي التحفُظ الأوحد في زمنٍ كهذا لسببية الحيلولة بينَك والحياة كشخص يعيش في بقعة جغرافية كالإسطَبْل المتسخ الذي نعيش فيه، لا فعل لها إلّا الدفن؛ الدفن للمعنى وإنسانه وما قد يشعِّ من الإنسان من مسارات تخصُّ خطاه نحو مجدٍ أو عيّشٍ أو حتى أدنى محاولة لبترِ هذا الكِفاف الذي بترَ في وقتٍ آنفٍ مدَّ أي بصرٍ...

روح عطشانة

 الكاتب: هاشم شلولة مع تنامي عوالمك الروحية، ووضوح قماطها الشفيف والعذب حول خصر قلبك.. تتحوّل لمسطرة سلوكٍ دقيقة، ويصبح كلُّ فعلٍ فيك ومنك طقسًا من طقوس هذا العالم الشفاف والمنساب.. لاسيما بعد انقطاعِك عن هذه العوالم مدة طويلة عنوانها البحث لأجل الوصول، فتصل عطِشًا، وفي توقٍ جليل. ترى نفسك فيما يشبهها. يمتلئ قلبك بالرحمةِ والعطف والدموع المستعدة دومًا للانهمارِ رقّةً وإيمانًا وشفقةً زرعها الله تعالى في أحشائك.. لتُنبِتَ نباتًا حسنًا، يؤكد أنَّ مطلعَك ومنتهاك وخاتمة دورانك لحِجرِ الله سبحانه وتعالى، والذي أبرّ بك وأحن عليك من حِجر من طرحتك وليدًا ممتزِجًا بدمها؛ لتصير مصليًا زاهدًا بقلبٍ خاشعٍ ورقيق.. تصبحُ الحياة في عينِك وهمًا، لا يستحق منك إلّا السعي وراء حقيقةٍ واحدة اسمها بصيرة الله في نفسك المحدودة؛ لتتسع، وتتعبَّأ بروح الله فتمضي، وتكمل هذه الحياة السريعة متزنًا؛ موجِّهًا وجهك نحو من فطر السماوات السبع والأراضين. تصبِحُ انتقائيًّا يقظًا يقظةً هادئة ومرتبة وخجولة وصامتة ومتأمّلة ومتأنية.. تأخذ بيدك إلى المسارات الصحيحة والخلّاقة، الدالة عليك وعلى الطريق الذي ينقلك نحو فصائح ات...

حين تصير الحرب عادة

 الكاتب: هاشم شلولة تبدأ هذه المرة كما بدأت كل المرات؛ لأنَّ لغات الموتِ في بلادٍ كهذه متشابهة. الأصوات قاتلة والصور ووجوه الناس المحترقة والمطفأة سلفا، وحقيقة نحملها فوق أكتافنا كالذي يحمل لوحًا زجاجيًّا مكسورًا، وكلّما تحرّك يمينًا أو يسارًا تمزّقت مساحة من جسده.. الحقيقة هي الحرب، الحرب التي تنهبُ تاريخًا طويلًا من صمت السؤال عن شَبَهٍ للأمان، وربما عن لوحةٍ تجسِّد قلبًا خاليا من أبجديات الدمار..  نجلسُ بالباب كالعاطلين عن الرواية، نترقبُ خبرًا أو بشرى مفادها أن صوتَ الرصاصِ صار أنشودةً توراتية، نترقّبُ الله ربما.. ليمسح على هذه الأرض الجريحة بيده فتبرى من شغف القتل.  إننا هنا، وهنا بمعنى صيغة المكان الثابتة، حين يصير تحوّلها الزمني موتًا غارقًا في التفاصيل، تلك الصيغة التي تهتز دائمًا مثلما تهتز عقولنا مع كل صاروخٍ يقتل طفلًا، أو ولدًا عاد من السوقِ بعرقِه، رفع لأبيه يدَه من بعيدٍ ملوحًا، وقبل أن يكمل عبارة التحية، يتحوّلُ كلُّ شيءٍ غبارًا.. ليس في جيبه سلاحًا، عاد من السوق متعبًا؛ قال أبيه وبكى. ظل يبكي؛ لأنَّ أسماءً أولى كفرَتْ بها الحياة، ولم يعُد للحكاية صدى في إي...

عن عبث الحرب

  الكاتب: هاشم شلولة مغرب هذا اليوم، طلبتُ تاكسي لنقلي من أقصى غرب خانيونس حيث أسكن إلى شرقها؛ لمشوارٍ طارئ.. خلال الطريق وعلى مدار ثلث ساعة لم أرَ إلا سيارة إسعاف مسرعة وثلاث سيارات أنا متأكد أنَّ من بها مضطر مثلي، ولا أسمع إلّا صوت الطائرات البغيض منذ بداية الطريق مرورا بمركز المدينة انتهاءً بشرقها.. هذه الشوارع التي تعجُّ بالحياة والحركة والازدحام في عادتها؛ كانت ميتة مطفأة.. كانت السيارة التي تقلني تمشي بسرعة ١٣٠ خوفًا من صاروخٍ طائش.. وما إن وصلت المكان حتى شعرت بهزة اعتقدت بأنَّ زلزالًا حدث، لكنّي اكتشفت بعد القليل من الدقائق والفوضى والصرخات.. أنَّ صاروخًا سقط في إحدى مناطق شرق خانيونس المجاورة للمكان الذي أتواجد به.. لون السماء الأزرق الهادئ تغيّر كما لون قلبي.. ظلّت أقدامي ثابتةً إلى حدّ التجمد، شعرتُ بأنَّ كل شيء قابل للعبث، وأنا في وسط هذا التشتت المسكون بصيحات التكبير وفوضى الناس؛ تذكرتُ عبارة محمود درويش، وهو يقول: "جرح طفيف في ذراع الحاضر العبثي". ليس لأنني أعرف ما لا يعرفه الآخرون؛ بل لأنني أبغض بحسرة فكرة أن أنتهي رقمًا بين الأرقام أنا الذي كبر الموت إلى جانبه...

الإيمان يصنع الوجود

  الكاتب: هاشم شلولة نبدأ دائمًا من حيث الانتهاء من آخر ذرة في العدم. أو بمعنى أدق، الوصول إلى أقصى شعور بالاستنفاذ منه.. بعد رحلةٍ طويلةٍ ناحية الدوائر والأشكال البيضاوية. نبدأ لأننا باختصار إذا ما قمنا بتعريف أنفسنا بلغة الوصول؛ فإننا في كل خطوة ناحية انتزاع الحق بالوجود الوجداني فحسب؛ نهدم عدمًا جديدًا، ونستولد فكرة عنوانها الخطوة.. حجمنا الاستشعاري المتباين لا يحتمل وجودًا مستقيمًا، وكذلك عدمًا مستقيمًا، ومن ينغمس في واحدة أبدًا؛ فهو ضمن مقاييس مختلفة مريض ويحتاج العلاج.. لهذا؛ فإنَّ كل الأشياء التي فينا تقود عوالمنا نحو عدمٍ يلي وجود، أو وجود يلي عدم. الحالتان موجودتان كقانون يستبق _فرضًا وشرعيةً_ كلَّ ما سواه مما يطلق على الحالتين.. بحيث لا تتفوق واحدة على الأخرى، حتى لو اتضحت تداعيات أي حالة فيهما على مدار الوقت.. بالضبط هذا ما حدثتنا به نفس الجد العظيم والمتواضع پوناڤنتوا؛ رغم ألم كبير أحاط به، وحال بينه وبين الشعور بواحدةٍ من الحالتين، والتنعم بهذا الشعور.. لكنّ الحالتين بقيتا موجودتيّن بيد ما هو ظاهر ضمن سياق الحالة الوجودية الزمنية الخاصة به.. وكان الجمال الكبير في كل شي...

استشهاد الحسين

 الكاتب: هاشم شلولة يوم كربلاء، وبعد أن صلى الحسين عليه السلام صلاة الخوف ظهرًا، وبعد مقتل أخيه العباس (قمر بني هاشم) خلال سقايته لآل البيت.. رجع الحسين عليه السلام إلى المخيم منكسرًا حزينًا، فنادى وهو أمام الآلاف من جيش عمر بن سعد : "أما من مغيث يغيثنا؟ أما من طالب حق ينصرنا؟" ثم توجه إلى خيام أهل بيته ليودعهم، فبكين النسوة، وبكى الحسين معهن وقلن: "واضيعتنا بعدك!!".  بعد أن فقد جميع آل البيت مستشهدين أصبح وحيدًا أمام جيش عمر. وعظهم للمرة الأخيرة، وبدأ يطلب من يبارزه. كل من ظهر له للمبارزة وقع صريعًا يحمل الذل والعار، ولما شاهد عمر بن سعد ذلك قال لقومه: "الويل لكم أتدرون من تبارزون! هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتال العرب فاحملوا عليه من كل جانب." كانت الجروح في مقدمة بدنه، ولم يصب بجرح خلفه؛ لأنه كرّار غير فرّار. استراح ساعة، وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف.. أتاه حجر فوقع في جبهته الشريفة، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه، فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب فوقع السهم في قلبه. ولما أثخن بالجراح طعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته طعنة فسقط عن فرسه إلى الأر...

إلى أبي

 الكاتب: هاشم شلولة قال لي أبي مرّةً: يوم ولدت؛ ذهبتُ إلى شاطئ بحر رفح وقت الغروب بالقُرب من الحدود مع مصر، وأوفيتُ بنذرٍ كنت قد نذرته على نفسي، حررتُ طائرَ الحسون الذي كنتُ أقتنيه وأحبّه، رأيته وهو يسافرُ إلى مصر، ولم أربي بعدها شيئًا سواك..  كان أبي وصار كذلك، وما بينهما أبي.. لم يكُن في وارد طفلٍ مسكون بالهواجس والأسئلة والثرثرات التي لا تتوقف.. أن يصنَع علاقةً صامتةً مع أحد، لكنّ ذلك حدث ومع أبي ذلك المُرهَف المؤدَّب والهادِئ.. كانت علاقتي به خرساء وكثيفة، لا كلام فيها، الحوار يحدُث بين العيون وبإشاراتٍ تولد ميتةً.. كان يحتاج لغة ليتكلّم وهو الماهر في اللغة، ويحتاجُ كلامًا ليبني لغة وهو سيدُ الكلام الميت.. ما بين حاجته وقضاءها صمتٌ مريح وسهل وعذب، فيه الكثير مما يُحكى. لأبي دكانٌ في سوق المدينةِ القديم، وإن أجمعَ أهلُ سوقٍ دون استثناء أي أحدٍ منهم على صلاحِ رجلٍ فهو صالحٌ بالضرورة، فمن وقى اتقى.. أليست "أَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا"؟. كان أبي ولا يزال لغزًا يدثِّرُ أي وضوحٍ يخاطرُ عقلي على حينهِ؛ لأنَّ سؤالًا لم يدعني وشأني مرّة في العمرِ: أين أبي؟ وهو ا...

استبصار للشعوب المقهورة

 الكاتب: هاشم شلولة لا يمكن الحديث عن أيّ مشهد استعماري دون استجلاب ويلات الشعوب، وبشهادة التاريخ الاستعماري الطويل ذي الوجهين والفكرة الواحدة، القائمة بذاتها.. تسقط كل الحسابات إذا اقترن الأمر بتدوين وتراكم الأحداث القمعية في ذاكرة الجماهير؛ لأنَّ الفرد المطحون والشاهد على القوة الاستبدادية جرّاء ممارسة المعايير الاستعمارية على غيره ترتفع عنده وتيرة المظلمة، ويعيش في طقس من الانتظار غير الواعي لهذا الدور، من هؤلاء الأفراد المنتمين للأمة من يقوم بفعلٍ استباقي تدميري في حق القوة الاستعمارية، ويكون هذا الفعل مثار إعجاب الحشود، ويتشكل الفعل غالبا كردود جماهيرية مقهورة مثلما حدث في العملية الأخيرة في ديزنغوف بتل أبيب، عدا عن أنَّ هذه الأفعال الاستباقية تكون في جوهرها مشهد تشكيلي لمسلكيات أفراد الشعوب المُستعمَرة فيما بعد، وهذا ما سنشاهده لاحقا في عمليات نوعية أخرى قادمة، لأنَّ الأفراد الذين ينتظرون المصائر يروون عطش الانتظار بأفعالٍ يقتدوا بها هاربين من شبح الظلم الذي ترتكبه هذه القوى بحقهم وحق المكان والزمان ومجمل أوجه فكرة الوطن التي يحملها عقلُ الشعوب المظلومة المُعتَقِدة إيمانًا أن...

في السلوك

  الكاتب: هاشم شلولة الخليقةُ في سلوكِها تجاهك لا تُشكّل سلوكك.. حتى لا يصبح سلوكك عبارة عن ردة فعل، فالتعامل على هذا الأساس، يجعل منك أداة للمجانية والفوضى وانعدام القياس.. قد لا يحتمل حجم البشريّ الذي فينا هذا الكم من الرفق والتفهم، لكن الحياة لا تنتظر مقدار احتمالك كأحد السالكين فيها بقدر ما تتحدى مشهد انتباهك وأينية توجيه شعاعات هذا الانتباه، فإنّ كان التصويب حادًّا ويؤسس لهذه الحدية مستوى وعي الشخصية فسيكسب البشري هذا التحدي؛ شريطة أن لا يكون هذا التحدي منتهى الطاقة الإنسانية التي فيك..  ما الإنسان دون حذر وترتيب خلّاق لروايته؟.  وليس شرطًا أن تبني هاجسًا لك كي تكسب الرهان بقدر ما يجب أن تحيك روايتك التي وجدتها فيك بحرفية. إن رواياتنا هي نحن، ونحن هي دون أدني انفصال، وكلما حاولنا الفكاك سقطنا فيها مجددًا، فالرواية هي جزء من منطق الكائنات، وكل مشهد دخول هو تماما خروج ضمن التناول المنطقي لفكرة روايتنا أو سواها من الأفكار التي لا تتجزأ بتجزئة الإنسانوية التي تكون في جوهرها طارئًا، وسينتهي الطارئ حالما آمنا بدوام ارتباطنا بتجسيدنا الآدمي سيرةً وتاريخ..  علينا أن نبت...

الوحدة مجددا

  الكاتب: هاشم شلولة الوحدة التي لطالما أفنيتُ سنين وعيي كاملة في محاربتها، ها هي تنقضُّ عليَّ كوحش. أعاني من الوحدة المُفرطة، وأدخل في دوامات اكتئابية مريبة جرّاءها، ويأتي ذلك لاعتقادي أنه ليس هناك ما يدعو للدهشة في الآخر الذي قد تعتمد عليه في تذويب وحدتك أو بمعنى أقرب فإنَّ التجارب السابقة لم تُبقِ في استيعابي أو تذر لخلق مساحة لآخر أحتاجه، أئنُّ له من لهيب الوحدة، وأعلم أنَّ هذا الوقت من عمر العالم يهزأ من حاجة كهذه، ولا يهتم للإنسان ما إذا كان وحيدًا أو غيره؛ لكنّي بشر بما يكفي لأصرخ من وحدتي حتى في زمن تشويه وتقزيم الصرخة وتسليعها. أعاني من الوحدة التي تترك فراغًا واسعًا وممتدًا على سواحل ليلي ونهاري وكل أوقاتي. إنها مشهد يدركُني؛ فأنا المتأخر دائمًا عند كل باب من أبواب البلاد، العابرُ في أنفُسٍ كانت قبل زمنٍ أو بعده لتترك في أعمق أعماقي واحدة من تلك القصائد التي أسجلها كردّة فعل على هذه الوحدة المشؤومة، التي تأخذ بيدي دائمًا إلى حيث لا أريد من الانصهار في البواعث الفنية التي قد تبدو خلّاقة في سياق البناء الشاعري للشخصية التي أحملها بين ضلعَيّ، والحقيقة أنَّ المشهد هدّام، وفي ...

عقدة الذنب والأديان

  الكاتب: هاشم شلولة إنَّ كل أديان التاريخ شُيِّدَت على قاعدة عقدة الذنب، ولا أقصد بعقدة الذنب الشعور الواحد، الذي يلي ارتكاب الإنسان لفعلٍ خاطئ يتجاوز التابوهات الطبيعية والأخلاقية. بل شعور العقدة الكل في الواحد. ذنب الوجود وعدمه وتأمله والسؤال حوله واستقصاء الإجابة.. دون استثناء الأفعال بُكلّها بما فيها الصالحة بعد السيئة؛ لما فيك ذلك من جدلٍ مرتبط بمسار الفعل الصالح. فكان لزامًا على الإنسان أن يؤسس ما يُسكِت وجعَ ارتداد الأفعال والأحداث عليه؛ من قوانين روحانية ومادية وقوانين أخرى.. تمنحُ نزعاته وأفعاله وسلوكياته معنى يقبل التأويل، وليس مهمًا بالنسبة لوعيَيّ الإنسان حقيقة التأويل بقدر كونه موجود وحاضر في الذهن؛ لأنَّ ذلك يُسكِت طوفانًا دمويًّا من التساؤلات حول جوهر أي فعل أو سلوك. الإنسان سيقع في نفسه إذا من انتزع هذا المعنى التأويلي غير الموصول إليه ضمن سياق فلسفي، وسيخسر نفسَه إمّا فارغًا من جدوى العلاقة بالأشياء، أو ممتلِئًا بمجموعةٍ من عُقَدِ الذنب التي لا تنفَذ، وستقتلَ صاحبَها إذا تراكمت. 

كذبة الإنسان

  الكاتب: هاشم شلولة الإنسان أداة ضخمة من المفاهيم الكاذبة، أي أنه مجموعة من أشياء صادقة تتحد لتبررَه بتلك الصفة الشائنة الشائهة.. تصنع منه هذا اللاشيء المتخبط المُلغى. مثلًا علاقته بروحه علاقة احتمالية مشبوهة أي أنها عبارة عن مجموعة من الظنون، كذلك بجسده، يستطيع تجميله وتلميعه وبناء علاقة ودية وحالمة به، لكنه لا يملك توجيهه أو الرهان عليه؛ فعند أتفه محطات المرض يصبحُ الجسد ملكًا وصاحبه عبد، وعند القوة يكون كذلك. أما الشعور فحدّث وحرَج كثير، لأنَّ الشعور بهلاميته يصيرُ واضحًا عند فعاليته ويجعل من مالكه ريموت كنترول.. هل هذا هو الإنسان؟. يبدو أنَّ الطبيعة تلعبُ لعبتَها بإتقان مثلما تجيد تلك اللعبة مع الأشجار والجبال والبحار.. وباعتقادي أنّ الكُلَّ له عقل وليس الإنسان فحسب؛ الفرق هو البصمة الفيزيائية المتروكة على كل عنصر. صدّق الإنسانُ نفسَه منذ البداية وارتضى تأكيد هذا التصديق من خلال اغتراره بعقله المحدود الذي لا يشتغل إلّا تزامنًا مع شغل الآنية المرتبطة به المؤدية إلى النتيجة الوجودية الخاصة به. إذن؛ فالإنسان أثبت بما لا يدع مجال للشك أنّه حالةٌ لأمر إلهيٍّ جميلة، لاقت تجلياتها من...