التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2023

العارف بالله الخجِل

 الكاتب: هاشم شلولة كان جلال الدين الروميّ رضي الله عنه وأرضاه عارفًا برتبة عارف، وكان عارفًا أنَّ معرفَته سيفٌ مُسلّطٌ على عنقه والرغائب والشرائب وما يتوارى تحت الترائب.. هذا العنق ابن الحياة الرافضُ لها.. مما حوّل ذلك شيخنا قِبلةً لعيون من يبحث في العرفان عنه، ومقامًا لتلك العيون التوّاقة لنفحات ربّ العبيد والعباد كلّهم، وكان.. كان خجولًا من الله، وتحت سمائه.. فكانت شُعَب الإيمان التي في منتهى الصفِّ في مطلعه إذا ما ارتبطت بالشيخ الجليل.. وهذا هو الإيمان بمشرقه ومغربه إن اجتمعت المغارب والإيمان على مائدة المقاربة. ففي واحدة من صدحاته الحيائية القصوى؛ نظر في وجه شمس قرينه الروحي، والذي آخاه ولفّت روحُه روحَه، وقال بهدأته المُعتادة: "يا أخي، لا أريد أن يبقى لي أثر في هذا الوجود خجلًا من الله، ولو كان قبرًا."  جنونٌ واحدٌ قد تغفره ضرورات التعقُّل واعتباراتُه، هو الجنون بالحياء. فإنَّ استحيينا من الله حبانا بالعفّة، خصّنا بها وأحاطنا، وجعلنا بين عباده من المستحين حياء القَبول والوصول والذوبان في حضرة ذي الجلال. فو الذي نفسي بيده لا يوجد في الوجود أرقّ من قلب يستحي، فالحياء كلّه...

عندما تغمرنا ريحُ الله

الكاتب: هاشم شلولة  عندما تغمرنا ريحُ الله الطيبة، المُهذِّبة، المُرتِّبة.. تغمرنا بالتوازي حالةُ بدايةٍ قصوى للأشياء، حالةُ ميلادٍ مستمرّة، وواضحة بغموضٍ ربّانيٍّ لذيذ، لا يستشعره إلّا من سلّم طينَه لسِلال الله؛ لتحمله اليد العليا، وتمضي نحو فلاحٍ واسع وأصيل وذات معنى متفرِّع وموزَّع على كل أبجديات الذات المُسلّمة نفسها لأنزه وأعلى وأعظم وأعمق مُستلِم..  يا حبيبي يالله، يا أعدل اللغات حين تتوه لغاتنا، وتستشبه بالطريق فلا تجده، فتلمح أبصارنا المُجهدة نورَك يخترق أكوام الملح المجتمعة حول الأجفان التَّعِبةِ.. ينتشر في العين ابتداءً، فيلامسُ القلب كما يلامس الحفيفُ ورقةَ التين المبتلّة بماء المطر، وبعد التلامس؛ ينحتُ النور لنفسه مقعدًا في أقصى أقاصي الجسد، فيأمر ربُّ الأمر ببركةٍ غيّبتها دنيا طارئة عن مستأجِر الجسد، فمالك هذي الرمال ربٌّ حليم أزلي، يُنسَخ هذا النور نسخًا كحبرٍ على ورق، فيتجمّل الوجه، وبعد الوجه؛ يصير حتى الاحتمال جميلًا، وذا خارطة.. تدلُّ، ويُستدلُّ بها على أثر المعبود، وإيثار العبد.. أمثلُ ذلك توازيه الدُّنا؟ تدنو منه أو تنأى؟  لا والذي نفس الصالح في يده، م...

هاشم

 الكاتب: محمود الجبري.  محمود الجبري، هو كاتب فلسطيني شاب من خانيونس، جنوب قطاع غزة.. صدر له مجموعة شعرية واحدة، بعنوان: "هل تتأخر البداية". وقد كتب هذا النص لي، نعبيرا عن علاقة شاعرية تجمعنا، و يعتبرني  واحدا من الذين أخذوا بيده نحو عالم الشعر والمعرفة..  هاشم الذي أعرفُه كما أعرف عجزي التام عند الحديث عن تلك العلاقة الوطيدة، الحقيقية والتي تجمعني به، بيد قِصَر قامتِها، المطلةِ من نافذةِ الشبه على اتِّساعٍ لا مثيل لزرقته. تكسّرت كلُّ أسنان الفواصل، وكلُّ معاني الالتحام تلاقت.. لأن كلمةً ما نسيتُها في سترة البداية؛ التي أهداني إيّاها عند أول نظرةٍ حالت بين جسديّن يبكيان على رابيةٍ متشابهة وبعيدة.. لكنَّ المكان الذي يحول بيني وبينه وهمٌ مدرعٌ بمجمل صور الحقيقة. نساور بعضنا باللغة، ويعطيني العصا كي أرى قافية الأرض؛ فأنتبه..  يخطُبُ هاشم بحواسي خطبةَ الغد الثقيل بكل خفته، فأدنو من ضوءٍ يرشده مسيرُ الظل، كي لا أعمى من تضادِّ المعنى المعلقِ من عينيّه المجروحتين؛ إثر التعري الكبير من كآبة النضوج.. أسألهُ عن نفسي، فيجيب نفسَه بسكين تاريخٍ عالقٍ بين مفاصلهِ، تاريخٍ سائل...

الله فوق، والصلاةُ تحت

الكاتب: هاشم شلولة الله فوق، والصلاةُ تحت.. ما بينهما ماءٌ يغسل الأحزان والهموم، يسكِتُ نبضَ الزيارة المُهتاج، ويعلي شأن العبارة والمفارقة. يلهِمُ اللهُ سكّان الرأس بمحطتهم، ويعِدُهم صوابَ الطرق، فكل التقاطةٍ عبءٌ على الاستبصار. يخففنا ربُّنا حبيبُنا من أنّات الحِراب العوالمية، ويطيّع المكامن.. فنحن عبيدٌ ثقلُت علينا الشِّقوةُ، وبعُد المرام..  يحبُنا ربُّنا ونحن نعصيه ونخالفُ إملاءاته؛ ليعلّمَنا الاستدراكَ والاستئثار، وتلك مطيّة حبٍّ مطلقٍ إلهيِّ البداية والبديع.. ليُلهِمَ حواسَنا بصورةٍ للحب تشبهُه، وتجسيدٍ للجمال وتسكينٍ له في مخابئ الأرواح والأحشاء. يخطط لنا الدروب بمحض إرادته وامتثالِ إرادتنا؛ لتكتنز رؤانا له وبه، فلا تُسقطنا ما سوى رؤانا التي من رؤاه.. فنرى، ونُبصر ونهتدي، فيرانا بجزالة يده وقربه الأقرب من حبل الوريد، ونسلك ما يُقضَى بسلوكه، فتحدث الهدايةُ وتُمضِي علينا وفينا قدرَه.. فنحن لا نقترب منه إلّا بقضائه ومَنِّه وعظيمِ انتباهه المطلق لنا، ولا نبتعد إلّا بفصله.. فمن يظنّ أن قربَه من الله اجتهادًا غرُم، ومن آمن بأنَّ قربه من الله تفضُّلًا منه عليه فقد غنم وفاز وحسُن ظنّ...

ليس بالإمكان أعظم

 الكاتب: هاشم شلولة  بسم الله الرحمن الرحيم "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)" _سورة الحجر.  من أجمل وأعمق سور القرآن الكريم، وأحبّها لقلبي. هل هناك تكريم أكبر لبني البشر من روحِ الله التي تسري فيهم؟ هل هناك أعظم من سكون الله في ذواتنا؟  كل صنيع عظيم يقود بداهةً لصانع أعظم، فليس بالإمكان أعظم ولا أبدع مما كان. كرّمنا وجعلنا استثناءً وآيةً من آياته الكبرى.. لعلنا نتفكر أو نتدبر.. كأنّه يخبرنا أننا لمستُه الإبداعية القويمة والكبيرة التي فاتت الجبال والأرض إبداعًا.. بتكويننا المركب والممنهج. إنّك إذا تتأمل في هذا البديع؛ فإنّك ستأمُل وترجو وتطمع فيمن صوّر هذا التصوير، وما يزيد أملتك ضخامةً هو عجزك عن فهم ما هو سوى البادي منك فيك.  إنَّ الله لا يخبر بخلقنا عنّا رغم وضوحه للمؤمن، لكنّه يضعك في موضع المواجِه للمرآة بواسطةٍ التدبُّر والتعذُّر، ومشاهدة هذه الفسحة بتؤدّة من يرى الأشياء باحثا عن سرّها. إنّه ربُّ كل شيء، وفلسفة الاستحضار الجزيلة؛ حين لا تُخطئها استعداداتُنا كمؤمنين، يرون الجلالة في العَلاة الجسمية والفلاة الكلي...

ما نحن إلّا مشاويرنا

الكاتب: هاشم شلولة  هذه الحياة واسعةٌ، ومشاربُها كثيرة.. مليئةٌ بالجداول والأسرار وحواشي التأمّل. تأتيها ضئيلًا صغيرًا فتملؤك الزوايا بالأسئلة. يظل يطاردُك البللُ كما يفعل الأمل، ويفعل اليأس.. كأنَّ الحياة حاضرٌ متأخر، بشهادة اللحظات التي تعيدُك إلى شيءٍ تعتقد أنّك عشتُه، وما أنت كذلك.. ربما عشته في ردهةٍ من رُدهاتك البعيدةِ فيك، لكنّك الآن قريب.. تبصر ما تبدأ عنده النقاط، وتنتهي علائم الدهشة.  كالحائر أنت وكاثنين يشاهدان نفسيّهما تعلوان في أسفل الأشياء. لماذا تحب الورد العتيق؟ هذا سؤالك لصف الأضواء على جوانب الطرقات، وأنت تتفقد ليلًا يشبه سارياتك البعيدة. تريد من كل مستحيلٍ ألفةً أو رجاء؛ أيها الوافد إليك من ساحل الحزن الغامض، ثم على شبابيك الزمن تغني، ويسمعك ذبول اللحظة بإنصات..  لا تسكت أيها الحفيد المخلص للغربة، فلا تسكت مثل الرياح، ومثل أحلام الصغار قبل أن يكبروا.. يقول الذبول؛ فيمضي قوله لغةً بقدميّن على طريق بدأ حقيقةً وانتهى وهما.. هي رغبةُ المارّ والفاحص لخرسه، أن ينفث عالقا أثريا في فسحة اللغات، فيصير فارغًا كهذا الليل، ممتلئا كالنهار..  هذه الحياة ضيقة وتع...

لم أعرف الحياة قبل الإيمان

 الكاتب: هاشم شلولة كُتب ذلك في صباح الثالث من يوليو تموز للعام 2023 ميلادي، والذي وافق الخامس عشر من ذي الحجة للعام 1444 هجري.. وهو ذكرى ميلادي.  بلغتُ من العمر ستةً وعشرين عامًا.  لا رمزَ لعدد السنوات هنا، ولا رمز للكم الذي قطعته في هذه الحياة.. كل الرموز تجتمع حول كعبة السؤال عن حقيقة ما مضى، تطوف حولها مثلما تطوف الصور في عقلي هذه اللحظة.  أعتقد أن كل ما مضى كان وهما ملطّخًا بالركض، وأقول ذلك بحيادية مطلقة، دون حزن أو ندم.. أقوله متصالحًا مع ضرورة القناعة بأنَّ الحياة كذلك، وكل محتوياتها كذلك.. إلّا برًّا تفرضه علينا حاجتُنا للنجاه، وهو الإيمان.. الإيمان بالله هو غُنمنا والحقيقة الأوحد، وهو العمر، فمنه بدأ، وعنده سينتهي.  لم أعرف الحياة قبل أن أؤمن بالله.  أحبُّ طفولتي، فقد كنت ابن أبي الأكبر، وكان سعيدًا بي وانتظرني بلهفة، ودعا الله بمواصفاتي ودللني في المطلع.. لكن سعادته لم تكن سببا كافيا ليُذهِبَ عنّي حزنَ الطريق وبؤسَ الرحلة فيما بعد.  أكره مراهقتي وشبابي، ومتعلقاتهما.. إلى اللحظة التي اقتربت فيها من الله، وشعرت خلالها بأثر هذا الاقتراب عليّ.. ...

إنا متعبون

 الكاتب: هاشم شلولة  إنّا متعبون، والتعب الحصار، الزاد معقولٌ ومعقوف.  نحمل الدنيا على كتف القصيدة. نرقُب وعدًا كنت يا ربّ الوعد قد لقنته للتائهين، ونُبيح للخرائط دمَ الليل وحلكةَ الطرقات.. يا حزن الغريب/ أيا شقيّ؛ عرفتكَ المعجزات، وتكلّمت في مراياكَ العذارى بعد جمعٍ ساخطٍ، بعد عار..  على أكتاف زرقاء اليمامة حُمِلَتْ الأسرار. كان أهلي على يُتم الغرباءِ شُهودًا، كان زندُ الأساطير نار.. كالشهيق على الأعلام، على الأحلامِ وكُنهِ الصوت/ كلِّ غوايةٍ/ كلِّ انكسار. كتمتُ وجهَ البيد في شَفتيّ/ سلّمتُ راياتي، وفي جوف هاويةٍ ركعتُ منكسرًا. شبابيك تزرعُ في الأعيُن الملامِحَ/ سُترَةَ الجسد المقاتلِ والمعاني.. يا رواية الخفقان؛ كان الوليدُ وحيدًا فاجتباه الربُّ مزمارًا للغناء، يلدُ من خاصرته نفسَه مرارًا، كان مرتبكا/ أثكلًا وحزينا.. كان سيفًا على جسدٍ شديدًا.

الهروب إلى الله

 الكاتب: هاشم شلولة  يأتي الإنسان من جوقة حطامة إلى ربه، يأتيه ببطء المُدمّى، الحاملِ نفسه والمتحامل عليها.. بعدما أغلقت الحياةُ عليه منافذ أنفاسه جرّاء قهره منها، من أشخاصها ومواقفها.. فيأتيه ربّه مسرعًا؛ كأبٍ لمح ابنه من بعيدٍ بدمه فأفزعته خلفية فلذة كبده الدامية.. يحضنه الله حضن ذلك الأب المفزوع على بنيه، ويطبطب على قلبه مثلما تفعل الحبيبة مع حبيبها.  بهذا ومن هذا ولهذا.. نعرف أننا عيال الله وأهل بيته.. البيت الذي أسأنا فهمه باللهو والزينة، فصار مرذولًا، هذا البيت المسمى الدنيا.. تلك الدنيا القصة الخاطئة حين تعتلي سقف النفوس، والمشاوير الباطلة حين تغوي الأقدام، وما نحن فيها إلّا شهود زور.. فمن اكتفى منها، كفاه الله، ومن اغتنى بالله أغناه في نفسه وأهله بالبركة والنور وتيسير العُسر.. ومن استعف، غرس الله في روحه العفة مثلما يغرسُ الفلّاحون بذورهم على أبواب المواسم..  إن كنت ممتنًا لأحدٍ أو شيئ.. فإنّي ممتنٌ لله سبحانه وحاشاه أن يكون أحدًا أو شيء. إن كنت مدينًا لأحد فأنا مدين لأي شخص دلّني على الله، وأفهمني طرقه اليسيرة والمنقذة.. بعد سنوات من الضلال والتخبُّط والجحود...

يوم من أيام الله الكبيرة

 الكاتب: هاشم شلولة  كُتب صباح عيد الأضحى من سنة 1444 هجري، 2023 ميلادي.  الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا.. الله أكبر كلّما اقتربنا منه أكثر، وأتممنا شعيرةً من شعائره العظيمة والجليلة.  إنَّ هذا يوم من أيام الله الكبيرة، من أيام التمام واللمسة النهائية المُكلِّلة لدين الله عز وجل في الأرض. ومن هذا اليوم وبه؛ نستطيع أن نلتقط الصورة الأقوم والأنزه لهذا الدين الكوني الكبير والكامل.. صورةَ كيف يتطهر الإنسان ويكفّر عن نفسه وخطيئته وخطأه، وصورةَ أننا نحن البشر؛ ما نحن إلّا عبيدًا لله وحده دون تمييز غير منفكٍّ من معايير بشرٍ صنعه الله؛ حيث الثوب الواحد والقلب الواحد والتضرع الواحد لرب واحدٍ أوحد.. نحجُّ إليه، فيحجّ إلينا، نحن بالطواف وهو بالمغفرة والشفقة على عبيدٍ أنهكتهم فواحشُهم وفُوتٌ فاتهم. نقدّم له الدم، وهل غير الله جدير بهذا الدم؟. دمُ الذبيحة، ودمُ الخطوة، ودمُ العين ودمُ القلب.. وهل غير الله جدير بروحٍ قربانا؟.  لقد أبكتني، وأبكت قلبي هيبةُ هذا اليوم، وأنا أرى الطرائح، تُطرَح بذُلٍ لأعزّ عزيز.. بالله إنَّ مثل هذا الذل، ما هو إلّا لعزيزٍ خليق بهذا تنزّه وتسام...

لماذا جنين؟

 الكاتب: هاشم شلولة  في صباح التاسع عشر من يونيو حزيران عام 2023، وقد وافق هجمة احتلالية شرسة على مخيم جنين؛ امتدت ليومين كاملين، وراح ضحية ذلك عدد من الشهداء شبانا ونساء وأطفال.. وقد كنت غاضبا.  ما فعلته قوات الاحتلال صباح هذا اليوم في مدينة جنين، يؤكد على أنَّ حرب الشوارع التي يقودها الجيل الجديد المسلح بالعقيدة الوطنية والإسلامية وعتاد خفيف كخفة روح الشهداء في مواجهة أعتى وأوسخ منظومة احتلال في التاريخ أتت وتؤتي وستؤتي أكُلها.. وفي ذلك برقية واضحة ومهمة لكل الجائرين والعُتاة أنَّ الكلمة العليا تبقى دائمًا للشعوب المضطهدة والمطحونة، وأنَّ الظلم لا يخلّف إلّا الدم، وأنَّ صاحب الحق عينُه قوية..  لماذا جنين؟  لأنَّ جنين هي المسطرة الوطنية، أو الغمّاز الذي يضيء في وجه المُستعمر بشدة، إلى درجةٍ تعميه.. ثم يُطفَأ هذا الضوء فجأة، فيُصاب العدو بحالة عدم تمييز قصوى بين فكرته عن أفعاله وممارساته القمعية، وبين فكرة أنَّ هذه الأرض لها شعب ولها حُرّاس ولها مسلحون.. لاسيما في العقود الثلاثة الأخيرة، والتي كانت جنين فيها رأس الحربة في وجه الطغاة، وسيد من يتصدى عندما يخفت صوت...

إنسان الله مأمون

 الكاتب: هاشم شلولة  تتالى وتتعاقب الصيحات التي تحاول تهميش العقائد الدينية كونها المصدر الأوحد للأخلاق والقيم الإنسانية؛ التي من شأنها ضخ الروح في الوجود البشري، وحمايته من الاستهلاك ومن كونه آلة؛ تتحكم بمصيره ثلّة قليلة من حزب الشيطان، وتصمم القوانين الوضعية المتعلقة بالثروة؛ تلك الثروة التي يوفرها الله سبحانه لتمكين الإنسان في الأرض.. وتأتي هذه الصيحات بأسماء عديدة، أهمها وأبرزها الثورات الفكرية والحضارية.  ولأنَّ الثورة مفهومٌ بنّاء، ومن شأنه تشييد القيمة المتعلقة بالسياق الذي صُنعَت الثورة من أجل تحسينه وأنسنته.. فإنَّ ثورات هؤلاء المرضى والمهسترين الفكريةَ باطلةٌ، ولا تتشابه ومفهوم الثورة الآنف. فالذي يحدث هو تكريس لضدية مفهوم الثورة الذي تزامنت بدايته مع بداية تاريخ الإنسان تكريسًا دقيقًا.. لما في ذلك من انحلال قيميٍّ وأخلاقيٍّ ووجوديّ.  إنسانُ الله آمنٌ ومأمون، ومحكوم بالحدود والقوانين، وكل ثورة فكرية لا تتماثل مع معايير هذا النوع من البشر هي دعوة لنقيض المقومات الروحية للوجود الإنساني، والتي يكون الإنسان دونها محضَ نكرة وعاريًا من نفسه أمامها. فإذى تعرّى أما...

ما يصل من العاشق 6

 الكاتب: هاشم شلولة  عزيزتي:  يبدو أنَّ الكتابةَ إليكِ قدري الذي أهرب منه إليه، طريقي التي بُنِيَت من جذور الدلالة عليّ.. لهذا؛ فإنَّ قهرًا ما يحوّطُني كلّما مرّ وقتٌ أطول مما ينبغي دون فعل الكتابة إليكِ. إليكِ أنت التي تسكنُ وطَرَ خفوتي كلّما آن لهذا الخفوت أن يتجسّد في رغبتي فيكِ. لهذا؛ كتبتُ وأكتب وسأظل أفعل هذا طالما أنَّ خيالي لا يزال يسير على قدمين في رأسي.  هل أنتِ بخير؟. وهذا سؤال العادة، الذي يصير مثقلًا بالاتجاهات الآمّة لقِبلةِ ما أريده منكِ، ولا أريده في ذات اللحظة.. أقصد بسؤالي هذا: هل لا زلتِ تحبينني أنا البعيد، الذي يرى كلَّ الأشياء بعينيه إلّا أنتِ؟  والحقيقة أنني أراكِ بكل تجاميعي وتناثُراتي في المدى وأجزائي الموزّعة على العالم... إلّا عيني، تلك الأداة العجيبة والمدهشة التي تنتزع سَطحَ الحقيقة، أما جوهرها فينتزعه قلبي. لذا؛ فأنا لا أرى إلّا الجوهر إذا ما تعلّق الأمر بكِ.. جوهرَ الوحشة التي تبني الطوابق بداخلكِ جرّاء غيابٍ ما، ولا أظنّه غيابي أو أزكّيه في ذاك السبيل. أظنُّها وحشةً تشبه المفقودَ وغيرَ الموصول إليه لمسًا أو عناقًا، وقد أكون أنا حين...

لا تكن خائنا للأمانة؟

 الكاتب: هاشم شلولة  إنَّ قيمةَ الإيمان كلَّها مُختزَلةٌ في تنظيم الحواس والمشاعر لدى المومن بربه. فأنت عندما تؤمن بالله يكون فيك شيءٌ من روحه جلا علاه. فكيف تشعر بالانجذاب نحو الخطيئة؟ وكيف تحب ما حرَّم الله عليك؟ وفيك الله متجليًا وشاهدًا وبصيرا..  إنّك إذ تفعل ذلك فأنت تخون الله، تخون وجوده فيك، وأمانته التي أودعها فيك.. أنت لا ترتكب فاحشة فحسب، بل ترائي بها أمام من هو أقرب إليك من حبل الوريد دون حياء منه علا وتجلّى وعظُم شأنه.. فأحسب ولا أزكّي أنَّ الله يشفق على محدودية أفكار عباده عنه، ومحدودية معرفتهم له.. التي قادتهم إلى لحظة سوء تقديرٍ منهم لعظمته غير المحدودة، وإلى جرأتهم في خيانته، وجرأتهم في تبريرها.. من هنا؛ نستدرك غياب الحياء عن العُصاة، وبلادتهم ولا مبالاتهم. تجدهم واثقين من أخطاءهم وتخيلاتهم عن هذه الأخطاء، تجدهم يرون كل الذنوب أمرًا عاديًا وشأنَه شأن المباح.. وأنَّ الأفعال تشترك كلّها في كونها أفعال، بالانفصال التام عن جذر الفعل ومؤداه.   قال العارف بالله الجنيد بن محمد البغدادي: "الحَيَاء: رؤية الآلاء ورؤية التَّقصير، فيتولَّد بينهما حالة تُسمَّ...

من مناطق الفلاح والرفعة في عبادة الله

الكاتب: هاشم شلولة  مناطق الفلاح والرفعة في عبادة الله سبحانه، لا تتمثل في الحصاد والنتيجة المنتظريّن جرّاء هذه العبادة، سواء عبادة التكليف أو التطوّع.. لأنّك بذلك تضع مفهوم الله في حساباتك، وهو رب وصانع هذه الحسابات. انتظارك لحصاد فعل العبادة هو تسطيح غير واعٍ للآلية الربانية في الخلق.  هناك خالق، وهناك خلق.. للخالق الإملاء وعلى المخلوق الوقوع. وقوع الفعل المُملى عليه من قِبل الله، الذي هو خالق الفعل.. إذن، ووفق تراتبية الله في خلقه، فالله متفرد في صناعة الفعل التكليفي، والصانع يتفرد في علم المآلات الخاصة الفعل ونهاياته.. بل وهو بطريقته وعليها يمن عليك ويكرمك بحصادٍ جميل في تصوّرك أو قبيح.. أنت حرٌّ في تفسير المن وفق وعيك البسيط مقابل وعي الله المطلق، الذي لا يقودك إلّا لخير، وتلك السمة الأوحد لقدر الله سبحانه.  يقول سبحانه وتعالي في سورة المرسلات: "فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ". ٢١_٢٣.  "فنعم القادرون" تتلخص الحكاية في هذا التركيب العظيم، الذي يعني به سبحانه نفسه المقدسة، حيث كان قدرا تابعا ومواف...

أنا وإيّاكِ أيتها البعيدة

الكاتب: هاشم شلولة أقسى حلم، هو الحلم الذي يتلخص في إنسان، وأدق تجسيد لهذا النوع من الأحلام، هو الحب. الحب الحقيقي الذي يجعل من الحياة محضَ دائرةٍ للاختزال. الاختزال في البحث عن تلك التي تحبها، وملاحقتها.. البحث في عيون ووجوه المارة عنها. يتحول المعنى لديك رهن لقاء عابر بها؛ لقاء بالصدفة، أو لقاء في تاكسي ينقل الناس إلى مصائرهم، أو لقاء في إحدى المحال والتجمعات.. في تلك اللحظة تماما؛ يطفو معناك ومعنى حياتك على السطح، ويبرز جليًّا كأنه كان محبوسًا في غيهب عميق، ووجهها الصغير مفتاح بوابة سجن المعنى. يصبح الهوس مشهدًا لا يتغرب عن لغة المنطق والأشياء والحوادث العادية؛ التي تحاين الحياة وتزامنُها وتزمع المواعيد معها.. خلق الله الحب ليعلّم الناس أنّهم ليسوا أفرادًا، للاستئناس وبناء الوجه الحقيقي والشامل للحياة، لكنّه ضعف البشريّ وقلّة حيلته وعطشه لما يأوي شتاته المستعار من هذه الحياة.. كل ذلك مجتمعا يقوده إلى عكس مقتضى الحال المقرر من الله سبحانه، ليحبس نفسه في هذا المربع الضيّق والمُتعَب والشتيت من أجل إنسان آخر؛ قد لا يفهمه.. كأنَّ الأشياء تبرهن بنفسها على محدودية رؤى الإنسان، وفُسحة صناعة...

كلمة تقديمية في توقيع مجموعة (هل تتأخر البداية؟) الشعرية

الكاتب: هاشم شلولة أنا لستُ ناقدًا، ولا أطمح لذلك، ولم أكتب لمحمود من هذا المبدأ.. بل كتبت شيئًا أقرب إلى القراءة الانطباعية من حيث التسمية لتجربة محمود الاجمالية، كتبت الذي كتبت من منطلق ذوقي محض.. وبعيدًا عن لغة النقد المنهاجية. ولو كان غير محمود ما فعلت، لأسباب أعرفها وإياه.  _الآن سأبدأ في القراءة التي حاولت ثكيفها قدر المستطاع يقول البنيوي الفرنسي الكبير رولان بارت: "تنتابني أحياناً، بدافع الانجراحِ أو الغبطةِ، رغبةٌ في أن أَهوِي." هذه أول عبارة ستُغالب المُطل من أي أعلى على تجربة محمود الطازجة والفوضوية إلى حدِّ الترتيب.. ليس من منطلق الرغبة المفهومة سلفا في التداعي والولوج في هوّة الوعي السحيقة. بل من منطق التداعي الحر الأزموي، الذي يأتي بعد تجربة عفوية مع مجموع السقوط الكلّي، المتوزع عفويًّا على حياة هذا الشاب، الذي نشأ بالتوازي مع حالة تطبيع ضمنية وجمعية مع الحرب؛ تقسمت بالتساوي العادل على الأفراد هنا، في بقعةٍ لا يعيش فيها إلّا الموتى. وفعل الكتابة عن السؤال والهم الوجوديين، وشرحهما وتشريح ذراتهما في قالب قصائدي جامح وفي بلادٍ مُثقلة بالجثث والموتى والصارخين كغزة.. ...

ما يربط روحا تألمت بأخرى

 الكاتب: هاشم شلولة  الأرواح التي تألمت وتألم، لها ما يدل ما عليها من وجوه، من طرقٍ للحديث يشترك بها كلُّ ذي ألم، من نظرات ممتلئة بالإشارات والرموز والخرائط، من خنقةٍ طفيفةٍ في الصوتِ، ونَفَسٍ فسيحٍ في الصورة، وجموحٍ خجلٍ في السيرة.. من كل ما هو استثناء في التاريخ الشخصي..  هذه الأرواح التي ترسم وجه حاملها بدقة الزمن، وحِرفيّة المكان.. تستنبتُ من الوجوه التي سواها الانتباه والانتماء عابرًا كان أو أبديًّا. تؤسس للعبةٍ أخلاقيةٍ فاتنة في العلاقة بين ما هو مرئيّ من هذه الأرواح، وما هو بادٍ من وجوه رأتها، لمحتها، أو أبصرتها استبصار الخائف المار أو الغريب.. كأنَّ الله تعالى يريد بالألم تطهيرَ النفوس، قبولَها عنده ومن سواها، تجميلَها وتحويلَها للوحةٍ من لوحات الوجود الإنساني النادرة، الفريدة والثمينة، التي تجهلها العيون السطحية؛ الفارغة من رمزيات البصيرة. ليستدل المُستدِل على فكرة الفرق بين الأرواح بأبهى صورها، وأعمق صياغاتها. وهنا تبدو التراتبيات بشكلها الحقيقي، وتتضح سردية الأفضل فالأفضل عند الله وعباده المؤمنين الحقيقيين.. بعيدًا عن أساسات الجمال الشكلي والطبقة والنفوذ.. التي...

مما يعرف المؤمن ربه به

 الكاتب: هاشم شلولة  يعرفُ المؤمن ربَّه بالتوسُّم والظن الخيّر، وتلك قاعدة مهمة من قواعد الإيمان. لذا؛ فإنَّ ذلك يولد رقابة ذاتية دقيقة من المؤمنين على أنفسهم وأفعالهم الخيِّرة والشريرة التي من دون قصد؛ فلا قصد للمؤمن في ارتكاب الأخطاء. إنَّ رقابة المؤمن على نفسه؛ تضعه في حالة من الحيرة، حيرة تتعلق بجذر العمل ومؤداه.. يطاردُ عقلَه سؤالٌ يخلُف أيَّ عملٍ خيِّر يقوم به: هل عملي هذا لوجه الله أم لجذب عبيد الله بمُراءاتهم أم لمصلحة شخصية دنيوية؟  يأمرنا الله جلا وعلا أن نحيا، ولكن حياةً في مربعه وحيِّزه.. بمعنى أنَّ حياة الإنسان (التي بمعنى دنياه) في ظلِّ ربه لها عدَّة صور دنيوية، أهمها الصورة الذاتية المتعلّقة بالهوية النفسية، والصورة الاجتماعية.. هاتان الصورتان تندرج تحت مظلة العائد من العبادة على العابد، بمعنى أننا حين نُرضي أنفسَنا؛ فإننا نعيش، وعندما نعيش فإننا نحقق أمرًا من أوامر الله سبحانه، وعندما يُعجبُ الناسُ بفعل صالح فعلناه، فإننا نسعد وتلين علاقتنا بهم.. فلا ضير أو بأس أن يقع الإنسان دون قصد في جملة اللمعان النفسي والاجتماعي خلال عبادته لله في الأفعال التي لا تفلت...

عمق نظام الخلق

 الكاتب: هاشم شلولة  نظام الله في الخلق بالغ العمق، بالغ التحديد والترسيم. بمعنى أنَّ مطلَقه ليس في حالة تفوّقٍ على تخيُّل البشري.  بل لا يمكن حدوث التخيُّل إذا ما توازى وهذا المطلق، ومن هنا نستطيع استطاعة أبدية أن نفهم حقيقة "ما لا خطر على بال بشر". وليس فهما موضوعيا بل فهما يفرض نفسَه على الفاهم ضمن سياق يشمل المسافة بين العبد الذي هو مُكوَّن من مكونات لا تخضع لاحتمال الإحصاء أصلا، وربِّه الذي هو مُكوِّن لا يتماثل والمكوِّنين المُتخيَّلين في لغة البشري.  مثل هذه المعادلة العصية على استقبال العقل البشري لها، هي حالة القهر للنفس التي تبحث عن الله، الحالة التي تسد ثقوب منطق ما هو سوى القهر في مشهدية التدبُّر في الصنيع الإلهي، وبلغة العقيدة يُسمّى ذلك تسليما لقوة وحكمة ومهارة وإبداع الله سبحانه وتعالى. بذلك يتحقق الإيمان الذي لا يشبه إيمانات الطموح والمشروع والفكرة..  الإيمان الخالص الذي تقتضيه شهوة معرفة الأسرار الكونية القويمة، التي لا يمكن مجاراتها ضمن استساغات أو استنتاجات بشرية متجددة العراقة في مضمار السؤال عن الله وطريقته في صياغة وصناعة الخلق.  إنَّ ا...

الاحتجاز ثقافة احتلالية

 الكاتب: هاشم شلولة  الاحتجاز. لا تزال شركة إسرائيل القابضة في الشرق الأوسط تمارس وساخاتها المختلفة والمُبتكرة، ولن تتوقف إلا عند الزوال الموعود من الله سبحانه لكل متكبّر جبار.  _تحتجز إسرائيل مصير 15 مليون فلسطيني، داخل وخارج فلسطين المحتلة، وتسوِّف في استبصار الختام الخاص بهم، وتجعل منهم أداة ترقّب أبدية قلقة.  _تحتجز إسرائيل ما يقارب ال9000 أسير فلسطيني، منهم ما يشارف على ال900 أسير إداري، بما في ذلك الأطفال والنساء والشيوخ..   _تحتجز إسرائيل ما يقارب ال120 جثة لشهداء فلسطينيين، منهم نساء وأطفال وشيوخ.  _تحتجز إسرائيل أكثر من مليار دولار من أموال المقاصة الفلسطينية..  ثقافة الاحتجاز الاسرائيلي لكل ما هو فلسطيني ما هي إلا تعبير عن رغبة احتلالية جامحة بإيقاف الزمن الفلسطيني، رغبة تصل حد الشهوانية السلبية المسكونة بالعنفين الخيالي والواقعي.. وهذا ما أكد عليه التاريخ كسلوك لأي دولة احتلال ذكرها. تحاول تجميد ثقافة الزمن، أو ربما تتحداه.. لتُطيل عمر الباطل محتوم الزوال. لكنّي ومن منطلقٍ عقديّ محض؛ أعتقد أنَّ مثل هذه الممارسات أدق ما يعبر عن هشاشة هذه...

جمالية أرشيف صور أفريقيا

 الكاتب: هاشم شلولة  مع كلِّ صباح، أتفقّد أرشيف صور أفريقيا، وأقتنع أكثر أننا لا نعرف أفريقيا. نجهلها لأسباب بقدر لاشرعيتها، فهي تبدو منطقية للغاية، أو هكذا يريد المؤلف. هذه البلد الواسعة المكتنزة بالمعادن والأسرار الثمينة، والقصص التي لا فِكاك من توجهها الغريب ناحية الاتحاد بالمكان الأول والإنسان الأول؛ الذي هو أصل البداوة وربما أصل العمران إذا ما استفِضنا في تأمّل الذائقة الوجودية الأفريقية. الروح الأولى التي عمّرت مراتع الأصل والهوية البشرية، وآثار الخطى بهمّة حام بن نوح، وهو يركب السفينة إلى جانب أبيه خشية الطوفان، لم يُعجب أبناء العم ارتباط أفريقيا بالنجاة، فاستثأروا بالسنوات من العرق الأسود الأصيل والأول والصادق، بالسلاح والطواغيت. كانت أفريقيا ولا تزال مهراق الدم الواقع على مدار حدودها بقصدية خبيثة ومرتّبة من قِبل من يظنون بأنفسهم ظنّ التميُّز والتراتب، رغم أنَّ تاريخ أصغر أزقة هذه القارة الملحمية يتفوق على هذه الحداثة الورقية الهلامية واللزجة.  في نهاية الرحلة الأبدية المُقادة نحو استنزاف وطمر صورة أفريقيا ونشلها صباحًا وفي المساء، بأمر من حزب الشياطين الخفية؛ الت...

مما يُستَشكَل على عباد الله

 الكاتب: هاشم شلولة  يُستشكَل على العبد التفريق بين طول التسليم للمشيئة، وطول مسافة هذا التسليم.. حتى فكرة الطول تقع ضمن القراءة الزمنية للعبد، وليست قراءة الله. ولأنَّ التتابُع الزمني يُبهِت الحالة الشعورية الأخلاقية، المُجسِّدة للتسليم.. فعبدُ الله ملولٌ؛ تأخذُه أواخِذُ الله وتجاميلها البائدة، فإنه يسقط في امتحان التوقيت لا امتحان الوصول. لهذا؛ جُعِل جهاد النفس أعظم من جهاد التخوم؛ فهذا النوع من الجهاد يُفرِضُ بوديّة الإيمان على المؤمن قوانينَ التواقيت وجلادتَه عليها وصبره.. يهذّب في نفس المؤمن (التي قد تضيق بحاضرها لطارئٍ أو عاجل) فكرةَ أنَّ الوقت ميدانُ المؤمن؛ لإثبات إيمانه والاجتهاد في الطاعة والاقتراب من الله.. إن معرفة الله رهينة هذا الاقتراب؛ الذي كلما اتضح مسح مراوغةَ التوقيتِ أو التواقيت كلِّها له، واختباره في إيمانه. الاقتراب من الله يعني معرفته، ومعرفته تعني الاقتراب منه، وفي عرف المؤمن يصبح طول الوقت من موضّحات هذه المعادلة، فيظل يقترب، ويقترب من ربه ناسيا مغريات الحياة ومكائدها ضد ارتباطه بربه.. حتى يدرك حقيقة قول نبيّ الله الكريم عليه صلواتي ربي وسلامه أن: "الد...

نموت ككل المرات

 الكاتب: هاشم شلولة  على خلفية واحدة من الحروب الكثيرة التي شُنّت على غزة. نموت ككل المرات؛ لأنَّ لغات الموتِ في بلادٍ كهذه متشابهة. الأصوات قاتلة والصور ووجوه الناس المحترقة والمطفأة سلفا، وحقيقة نحملها فوق أكتافنا كالذي يحمل لوحًا زجاجيًّا مكسورًا، وكلّما تحرّك يمينًا أو يسارًا تمزّقت مساحة من جسده.. الحقيقة هي الحرب، الحرب التي تنهبُ تاريخًا طويلًا من صمت السؤال عن شَبَهٍ للأمان، وربما عن لوحةٍ تجسِّد قلبًا خاليا من أبجديات الدمار..  نجلسُ بالباب كالعاطلين عن الرواية، نترقبُ خبرًا أو بشرى مفادها أن صوتَ الرصاصِ صار أنشودةً توراتية، نترقّبُ الله ربما.. ليمسح على هذه الأرض الجريحة بيده فتبرى من شغف القتل. إننا هنا، وهنا بمعنى صيغة المكان الثابتة، حين يصير تحوّلها الزمني موتًا غارقًا في التفاصيل، تلك الصيغة التي تهتز دائمًا مثلما تهتز عقولنا مع كل صاروخٍ يقتل طفلًا، أو ولدًا عاد من السوقِ بعرقِه، رفع لأبيه يدَه من بعيدٍ ملوحًا، وقبل أن يكمل عبارة التحية، يتحوّلُ كلُّ شيءٍ غبارًا..  ليس في جيبه سلاحًا، عاد من السوق متعبًا؛ قال أبيه وبكى. ظل يبكي؛ لأنَّ أسماءً أولى كفر...

الفلسطيني حزين

الكاتب: هاشم شلولة  الفلسطيني حزين، أيّ أنَّ الحزن يبني بين مساماته خططَه المستقبليّة، ويفكر بصوتٍ عالٍ.. يسامره، يردُّ التحية عليه في الصباح والمساء. يُجالس الحزنُ الإنسانَ الفلسطينيّ على أبواب الدكاكين والبيوت، على قارعة الطريق، في المقاهي، وعلى جوانب الأرصفة.. يُكثرُ من مزحاته الصغيرة معه، نحو أن تُقتلَع زيتونة، والكبيرة؛ كأن تكون تحية المساء أو الصباح شهيدًا في ربيع العمر، أو منزلًا يُدمّر.. عصفورًا داميًا تبقّى من حظيرةٍ بعد قصف، وربما حبًّا لم تكتمل تعاويذه، كأنَّ يطعن حَفَدةُ داوود عريسًا أو عروسًا؛ لم تبلُغ آيارَها، لأنَّ بني إسرائيل في مُكنتِهم الثانية في الأرض، يريدون أن يقضوا إجازة أبدِهم بسلام؛ ويخبروا لُقطاءهم بأنَّ إسرائيل أدّى الأمانة، وبلَّغ الرسالة..  الأصوات الفلسطينية أصوات سوبرانوية، خفيضة ومرتجفة؛ كقلبٍ تحت سقفٍ ناغته طائرة.. وهي عبارة عن نوحاتٍ مقدسة، مثل تعاويذ غجرية، مثل بكاءٍ كرديّ، مثل عزف هنديٍّ أحمر، مثل كل ثيمةٍ شريدة؛ كُتِبَ الترحالُ عليها كتابًا خالدًا وغيرَ مؤجّل.. ترصد تاريخًا من الأحداث الذبيحة، خلال ترحالٍ ممتلئ باستراحات المسافر على ظهر الني...

نقود الاشارة ويقودنا الندم

الكاتب: هاشم شلولة  لم تكُن حياتُنا تخضع للاحتمال في كثير مرّاتٍ وقليلِها.. فمن يقود الإشارة، يقوده الندم، ومن يدرك حصّته من نفسه؛ يستيقظ.. لكن، ماذا يعقُب الاستيقاظ؟ وماذا يدور في حَلْق العارف للأشياء سوى طمأنينة المختنق!.  لهذا، نبحث عن العبور بين رقدات الثبات الطويلة مبحرين نحو الميناء الذي يسكن الأعماق، فنحن على كلِّ حالٍ صورة الغزال الميت فينا أحيانًا، وأخرى الهارب نحو صكِّ العدل الخبيء بين الصلبان؛ لنعرفَ كيف تعدو الأسئلة، وكيف تستريح.. ثم ننتفض بعد ذلك على مكامن الأسباب والأنساب، ونعرف سرّنا..  سرُّنا الحزين تارّات، وتارّة واحدة مُطفَأة؛ يكون سعيدًا..  هي إذن يا مالك، يا سليل أحلامي في اليقظة غير المُستوعبة، كلُّ المزارات وقفٌ إلى أن يُثبَتَ عكس الحُلم، أو مرادف الحِلم، وكلُّها شواطئ صغرى؛ نستريح عليها من مائنا، الذي عكّرته نهاراتُ الجدل المستيقظة في رغبتنا المحتضرة بالكلام الطويل عن وقتٍ قادمٍ؛ يكفل لنا تلك الحِصة اللعينة من دم الرؤيا.. لنصل، أو تصلنا ملامحُ الغرباء الذين ننشد..  كنت كثيرًا في كلِّ هذا القليل الجامح بصمتِ الموتى، وقليلًا في كثيرٍ زاهدٍ ف...

ماذا نفعل في أوقات الحرب؟

الكاتب: هاشم شلولة  ماذا نفعل في أوقات الحرب؟  لاشيء.  ولكننا نفعل أشياء كثيرة إلى جانب هذا اللاشيء مثل أننا لا ننام، وإذا فعلنا فإننا نغمض العيون، والأعصاب يقظة، ولمدة تتجاوز مدة قتل إنسان أو عائلة أو انهيار منزل.. وخلال نومتنا نسأل: هل كانت الضحية سهلةً لحدٍّ تموت فيه وهي نائمة قبل قصف بيتها؟  نثرثر، نتوقع، نهتز.. نتصل بمن نحبهم رغم تضاؤلهم بفعل الحرب. متابعة الأخبار تمتد على ساحل اللاشيء منذ البداية حتى النهاية.. نُطعم قططنا، ونسأل: هل تناولت الضحية وجبةَ عشائها قبل قصف بيتها؟  نحاول ألّا نأخذ خوفنا على محمل الجد حتى لا نموت ميتة الخائف، كأننا نؤجّل موتنا للطائرة.. مثلنا كمثل الذي يفضّل وجبةً على أخرى. نلعب الورق، ونسأل: هل كانت الضحية تجيد لعبة الورق قبل قصف بيتها؟  نجتمع جميعا في نفس المكان، ونلمس رؤوس أطفالنا مهدئين من روعهم، وفي ذات اللحظة، يدٌ على رأس الطفل، وعينُ أخٍ أكبر تقابل عينَ أخية قلقةً، يسأل هذا التقابل: هل كان للضحية وأختها عيون قلقة كعيوننا قبل قصف بيتها؟  تعمم الأم على الأبناء "افتحوا الشبابيك قليلًا خشيةَ تكسُّر الزجاج" يركضُ الأبن...

استنصار الخافت

 الكاتب: هاشم شلولة عندما يستنصر الخافتُ بموتٍ صاخب؛ شعّت محاذيره مرّةً.. فإنَّ الراهنَ سرابٌ طويلُ الإقامةِ؛ كرحّالة ضلَّ في الصحراء عمرًا إلى أن أغاثته شجرة، فظلَّ يصلّي بظلِّها جيلًا فجيلا.  الخافتُ الذي كان وردةً في كأس ماءٍ صافٍ على الشرفة، ينهبُ لمعةَ عين العابر، صار خافتًا خفوتَ الجاهلين طرقَ التقابُلِ والمرايا، ذبُل كذاكرةٍ طواها شيخُ السهول. كلُّ شيءٍ حلَّ بالالتماع اشتباهٌ بالضجرِ من المؤقت، وحذرُ الوقوف من التوقف إعجابًا بزهرةٍ خاطئة. لذا؛ كان الخفوتُ، وكانت الذكرياتُ علامةً للزهر في جيب الفتى. غريبةً غدّت الساعاتُ كيدِ حاملها المارِّ بنخلةٍ لا تحتاجُ إلّا نظرةَ محتاجٍ؛ ليسقُط الرُّطبُ الجنيّ، فغَضّ المارُّ المُهلهَلُ بصره، وذاب في غربة الساعات.. مثل جبلٍ رأى نفسه عليه إمامًا ينادي على الناس في أحلام اليقظة مبشِّرًا ونذيرا، فمرّت الغفوة بسرعة الحياة والموت وكلّ ألفةٍ يألفُها الصغار على باب القيامة.  ذراعي يرخي للهواء منطقَه؛ ليرفض الأشياءَ والأنساقَ وشُبهةَ الغيث بكتف الرُّعاة.. بصمتِ ليلٍ أدَّب رغبة النهر العتيق، وبجهر نهرٍ خرّب أُنسَ الظُلمة المُشتهاة.  ...

بين أضغاث الفراغ

 الكاتب: هاشم شلولة  بين أضغاث الفراغ الطويل، تهيمُ جماجمُ المتعبين كأنّها سفينةٌ تغرقُ في وحل لغات متداخلة. الواحدُ أنا توقظهُ أجراسٌ غائرة؛ ليكملَ التأمُّل في البحيرات المستعارة. الكثرةُ القليلةُ أنا يشتدُّ طينُها حين تُفلت من إرادة الشجر. مثل الدياجير، مثل الأقفاص المفتوحة في الزرقة على مصراعيها؛ أؤدّي النبضَ الوليدَ من سحر التراضي مع الأشياء.  كان نهرًا مسائيا؛ يخطُّ قصّة الأزهار التي جففتها هواءاتُ المنفيين. وكان حاضرًا للفعل "كان" يحنُّ إلى نكهة الكتف الغائب وخاصرة المُستبعَدين.. هلمّي إلى أُلفة النواقيس يا أخت الضحايا، وخالة البيد؛ التي قتلتها الأوجار والأوزار.. واحدةٌ هي كلّية المعنى، مداخلها والمخارج والمراتب.. واحدةٌ ومعزولة سيرةُ الوادي التي انتبهت على كُتَل الدم في الصدر والأكتاف..  عند اكتمال الوصل؛ يُقطعُ إيقاع النِّقاط، وتنقلبُ الرواية ظهرًا على قلبٍ وئيد، عزلته اختيار وكلُّ أصواته اعتذارٌ لصمتٍ أزليٍّ أسودِ الزُّرقة.. وبعد الاكتمال، يختبئُ الغريبُ في نفسه محتميًا بجذوع نخلٍ تسكن مرابض حاجته للوجوه التي ذابت في ماء الأبديةِ كتاريخٍ أعادته الشهوةُ للسجل...

استئناس وسؤال

 الكاتب: هاشم شلولة قد يكون من العاديّ الاستئناس بالرواية، لكنّه ليس عاديًّا البحث عن زوايا الاستفهام فيها.. لأنَّ السؤال يصير جرحًا باليًا كقطعة قماش قديمة. لا أريد أن تكون مشاعر استبصار الأشياء مجرد عبثٍ عارٍ، لكنّي بشرٌ بما يكفي لأرى ما أرى، وبهذه الطريقة المؤلمة.. كيف يتعب الإنسان إلى هذا الحد؟ أو كيف يراكم هذا التعب دون أن يدري أو ينتبه؟ هل يوجد مكان من الاعراب لفكرة الولادة لميت؟. بمعنى أنَّ التواريخ والمزارات والخطى تموت في مواقيتها وسررها الأولى.. تموت بصمت مختنق، ودون همس أو صوت.   يركضُ في الأرض جمعٌ من الجثث الخشبية، التي يلاوحها الهواءُ، ويعبث في مضامينها المفردة، وذات اللون الواحد.. لأنَّ الذئاب التي انهارت على جوانب الطريق؛ كانت تعرف وتدرك أن الصور السريعة مجردُ اختزاناتٍ افتهاميةٍ تجسد نوحةَ المكان وبلوغَ صوتِه للذُّرى المتناثرة في فضاء السؤال عن البداية.. ذلك الفضاء الكاذب والملعون، الذي لا يمكن لك التعبير عنه إلّا صوتًا لدانتي أليجري وهو يهزأ من كل الحادث والحادس والهادس والموفور... يركض الجمع ظنًّا منهم أنهم لا زالوا على قيد الهواء المجرد من الغبار، ومن ...

نسير بالتضاد

 الكاتب: هاشم شلولة نسير هناك وهناك، نحمل على أكتافنا تاريخًا من متضادات الإنسان واللغة.. نحتمي بكلِّ فرقٍ نصادفه خلال الطريق، لأنَّ التشابُهَ لعنتُنا الأولى؛ التي فردت نفسها على وجودنا مثلُ صحيفة في الهواء.. مثلُ أيام هربنا منها حاملين على أكتافنا كيسًا ثقيلًا من الوهم. نسيرُ كأنَّ السيرَ دهشتُنا التي ننقّبُ بعماءٍ وسط كلّ هذا الزيف الكبير عنها.. لكن لماذا؟  لماذا نسير والخطى وجلُ الرجوع من الرجوع؟. أيكتبُ وقتٌ مقدار أبجدنا الحزين؟. ذاك الذي استنزفنا العمرَ نراكمه؛ لنصل إلى ما بين ترائب الرجال من أسرار؛ عددتها الخليقة وانبهرت برمالها الكعوب.  وجدنا مواثيق كثيرة في حقائب الذين نهبوا الشمسَ من عقل السؤال، قلّبناها جيدًا ليستوفي الأولاد حقوقهم من زحمة المطلوب وزِحام الاختيار.. وجدنا أخوتنا الأعمدة؛ تئنَّ من طول المكوث، تحدّق في الأعلى سنين، وساعات قليلة تطلُّ عن جنوبٍ متعب.. الجهات ترقبُ كلَّ شيئ، والصبية يبكون ما يحفظه بصرُ الجهات، يبكون ليلًا من فرط سائليه صار ماءً خرافيًّا، وكذَّب النهايات..