التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2022

تشتت

  الكاتب: هاشم شلولة هذا التشتُّت الغامض والممتد؛ لا يمكن توضيحه أو وقف زحفة.. لأنَّ الغايات لم تعُد مفاتيحًا، والأشياءَ تخاطرَتْ مع الرماد. لم نعُد نبحثُ عن الخرائط كما كُنا أول مرّة بعد أن رمتنا القواربُ على شاطئِ هذه البلاد المنسيّة، كما أننا فهمنا مراميَ الآثار المطبوعةِ على الرمال منذ أول حزنٍ وأغنيةٍ وجنازة...  ظلّت الأشباحُ في العقول، ويوم أرادت التحرُّر؛ باغثَتْها الأسئلةُ الملتبسةُ حول المصائر، وأماكن كنا نرتادَها حين نجوع أو نفقد سيدةً من اللواتي كُن يسقين يأسنا أملًا.. المصائرُ دُفِنَت في بيوت الأجداد، والسيدات لم يعُدن عناوينًا برؤوس الصفحات المثالية الصبيانية.. اختفَتْ الآحاد، وأصبحت الأعراسُ مواويلًا للوداع/ حتى الوداعات ارتبكَتْ، والمواويل صارت تراتيل جنائزية لا تفهم التوقُّف..  رفعت الأضغاثُ رايتَها كأنَّ خيالًا أليفًا يلاحقها، والبوارج انتبهَتْ لسباقِ الغرباء على الوصول.. مرَّ أخي حاملًا على كتفيّه تاريخَ الصمتِ القتيل كما مرّ قبله أخوةٌ كُثْرٌ طردَهم أهلوهم من نهارٍ مفتوح الجدل على مرأى النوافذ والأبواب.. فاستوفى الجمعُ حِصَصَه من المجاهيل المتردِّدة الب...

الحياة مطرقة الإختيار

  الكاتب: هاشم شلولة نحن ندركُ جيِّدًا في أعمق طوايا تناولاتنا للحياة، بأنَّها مطرقةٌ للاختيارات مصنوعة من تراكمات تجاربيّة معظمها مؤلم. على سبيل المثال؛ نحن نختار!. حسنًا. نظريًّا وأدبيًّا؛ في وجهة نظر "إيفان تومسون" فيلسوف العقل والظاهرة؛ أننا حين قلنا "نحن نختار" شكّلنا بذلك ذاتًا جديدة، وحين نحلم بالحرية نشكل ذات أخرى، بالمُجمَل؛ الإنسان مجموع ذوات؛ إذن ما مدى الصراع الذي سيحدث بين أي ذات وأخرى؟. بعد أن نختار، نصطدم بالخلفيات الفكرية الما قبل فكرة الحرية التي تم الانطلاق بها نحو الحرية، لأنَّ كل عقيدة بالضرورة نقيض لأيِّ معنى يرتبط بالحرية. وهنا يجب أن يكون الشق العملي للحرية، بحيث تُختزَل في فكفكة كل هذه الأبجديات والانطلاقات الماقبل حرية، وبالطبع؛ فإن الفكفكة عملية أولية على اتصال بمُحرِّكات ذهنية واعية، تحتاج عددًا من سنوات التدرُّب على التجرُّد الهووي حسب تعبير فتحي المسكيني. نحن نتجاوز كل هذا، وقد لا نقرر أصلا ونفرض على أنفسنا مجموعة سلوكيات قد تكون معظمها في مسار ردّة الفعل، ونسميها حرية. نحن لا نتحول أحرارًا هنا؛ نتحول مرضى، لأننا فقدنا شرعية مطلبنا بالتج...

ما بعد الزيادة

  الكاتب: هاشم شلولة زائدٌ عن حاجة الأشياء، أسير في الأرض بلا رؤى، يلتفُّ حول عنقي حبلٌ من النقائض والنقائص. أرّقني الكلام، وتمادى الصمت في وحشته. حوَّلتني امرأةٌ ملتبسة في وقتٍ قريبٍ إلى رغيفٍ يلتهمه الشكّ، وماء تشربه خبايا الريح كأنَّ جنوب البلاد خصمي الأبديّ. مرتابٌ كأنّي المستقبل حين يختار مَن يؤجِّلهم، كأنّي رهاب القيمة والمعقول وصوت الذئاب... أعودُ إلى أجلي في كلِّ مرّةٍ خاويًا من الأشياء جميعًا عدا قصيدةٍ يمتطيها الغبار واغترابٍ زمكانيٍّ مُتراخٍ.  قبل أيّامٍ صادفتني بائعةُ سمك، كنتُ غبيًّا وفتَّشتُ في سلّتها لا عن سمك، إنّما عن وجهٍ لا يؤاخذ إيجادي، ويمنحه معناه فربما عرفتُني ذات مرّة لكنَّ ثرثرة البائعات ومُقايضاتِهِنَّ التي لا تنضَب عار وتُفسد الصفقة. كان الوقت فجرًا رماديًّا يُغنّي، وترقص على ألحانه راقصاتٌ بلغن الرُّشدَ، وكان الرَّقص فتنة فابتعدتُ برهبانيّةٍ وبقيت مُطلًّا كآلهة الفراغ على تأجيلي، وجوعي وانهماك الرَّفض بجنائز الإيجاب.  سؤالٌ ما في السوق، قد يمنحُ طريق العودة للبيت معناه وخصوصًا إذا ارتبط بامرأة يُضاجعها البحرُ خلاسة، ربما وهي تضحك، أو تصنع قميصً...

نبأ الحب الأخير

  الكاتب: هاشم شلولة فوق أعلى مكان في مدينتي البائسة، كنتُ أزفّ النبأ الأخير بدموعي خلف قَنِّ الدجاج، وأعرج إلى السرّ.  كنتُ مرتعشًا، وأخاف تلصص المسافة عليّ، كما كانت تفعل دائمًا مع كل الذين خسروا وخابوا..  كان لديَّ نصيب في شطيرة الوداع لكنَّ أحدًا استغنى عن حصته، وأخذتها كاملةً. كنتُ جائعًا فلم أطعِم أحدًا من المُودِّعين والمُودَّعين..  كان وجهي رسالة نبيٍّ سار خائفًا على مدخلِ النهر فارًّا من الأبدِ والعيون الذابلة ومقاعد المنسيين الخشبية، التي لها أقدام وتركض كالسعار في جسد الغرباء..  هل صرت وحدك؟ هل صرتك يا ابن الخراب؟.  تركوك مركونًا بين مقاهي مدينتك الخَرِبة، تشتعل تارّة بنار خُطى الذين مرّوا سريعًا، وتارة تسقط في نفسك التعبى. أنسيت يا ابن الجرح جرحك أم تماهيت مع أزل السقوط الساقط؟  هكذا؛ ستقف الآن، تهزُّ كتفيّك وتفتح يديك نصف دائرة، وتتساقط من جبينك علامة الاستفهام تلو الأخرى..!  أيمكن أن يموت البحر؟  أيمكن أن يرانا الحب من بعيد ويومئ رأسه ويمرّ هكذا دون غبار؟.  سينقضي بلل الجفاف، وتُهزَم نبوءة التوراتيين الصغار الشاعرية. سنُنسى...

ومضة في سقوط التاريخ

  الكاتب: هاشم شلولة إنَّ التاريخ عاجز عن حصر أبطاله وغربلتهم، لهذا يسقط دائمًا، وتُخامره أفكار اللاإنتماء إلى الأبطال، نظرًا لتداخل حقائق الأبطال، والتي منها اللابطولة. التاريخ يسقط دائمًا لتسارع مجون وهوس وهستيريا المنتمين إلى تدوين أنفسهم في سجلاته التي تسقط تباعًا بواسطة الزخم التحوّلي للأشياء الذي يعتري الحاضر بنهم غريب وغير متضح الملامح بل والشائك كالمستقبل المنشود. إن التاريخ هو نوتة موسيقة أصابت المايسترو بخلعٍ في كتفه مما أدّى إلى استقالته المؤقتة، والتي ربما تمتد لتصبح دائمة. لهذا؛ علينا ترتيب الإستصاغة الرؤيوية لفكرة التاريخ وأقول فكرة على هامش تشيؤ التاريخ الذي نخلقه نحن الذين نحاول عبثًا تشكيل كينونة خاصة له. لماذا الرؤيوية؟. حتى نتعثر ببوابة الدخول إلى معناه الحقيقي، والذي يحتشد بداخله رُهاب اللاوجود للبطولة فيه، والمؤدي إلى وجودها، وليس بالطريقة الديكارتية فلسفيًّا إنما مشهد حَلّي لجدلية الأبعاد الكبرى للتاريخ، والغائبة بشكل استطرادي غير مقصود عن اللائسين في وحل التاريخ النزق نزاقة العلاقة بينه وقاصديه.

طاعة حواء

  الكاتب: هاشم شلولة خُلقن بنات هذه البقعة طائعاتٍ مُطيعات، لم يؤرّقهُن يومًا لغز الحُرية، أو ما عَلَقَ حتى في نعال الحقيقة حين تسير على رصيف الوقت. لم تؤدبهنّ "عشتار"، ولم تُلقنهنَّ دروسًا في الغيب الصامت. جِئنَ بلا أثواب يَغُضِّنَّ بها وحشية الشيب القصير، ولم يُفكرن يومًا في حياكة ثوبٍ لذلك، تأبطتهُنَّ "ستوكهولم" الشريرة، وخَيّرنها ليجعلنَ منها راية دفاعية غابرة حين مُضاربة الصَّارخين بعُريِّهنَّ، المُنددين بحاضر التأويل الخائِب. قَتلنَ في أنفُسِهِنَّ سرّ الصوت الصادحِ ببراح فناءٍ يحتض الشَّعر الطائر في سماءٍ تخلقها لماذائيةُ أفعال الذكورة الغامقةِ كالأنوثة التي قَذَعَتْ الغوايةُ ظهرَها. خُلِقنَ البنات، ولم يكُنْ للخلقِ تاريخ تراتبيّ؛ يحتوي براكين اللغة الساكنةِ حناجرهن عنوةً وقهرًا. على البنات أنّ ينقلِبنَ على اللغة اللاغية والتاريخ الهادس بالعماء الموفور. أن يُعِدنَ "مينلاوس" إلى حُضنِ "إسبرطة"، والوقوف فوق أعلى تلّة في "أثينا" مرددات:  يا تيه المطالع، يا تأخُّر الوصول!.

الجسد الذات والموضوع

  الكاتب: هاشم شلولة الجسد الموضوع يختلف كليا عن الجسد الذات.. وذلك الفخ الذي تقع فيه غالبية الناس، وأخص بذلك الذكور. قبل إقدامهم على ممارسة الجنس تنبني التصورات على قوالب مُتخيّلة شوهِدَت إما على الشاشات أو حُلِمَ بها أو في الساحات العامة. في هذه الأماكن الآنفة تُعرِضُ المرأةُ ما تريد عرضَه من معالمها وملامحها وجسدها.. وهذا هو التعريف البسيط للجسد الموضوع. أما الجسد الذات فهو ما يقع في خيال الذكر من جسدٍ لا ينفصل عن بقية المعايير المُحدِّدة للوجود الأنثوي على حين العلاقة الجنسية بالرجل، وذلك الأقرب للسواء العقلي والنفسي. هنا نستطيع استخلاص فكرة أنَّ الجنس ليس هو بشكله البيولوجي المعتاد، وليس لذة التحام الجسديّن فحسب. لذة الجنس تكمن في التخيُّل المُحايِد للمرأة أولًا؛ كونها مرأة إذا سقط جزء من حساباتك الخيالية لجسدها؛ فإنَّ جزءًا آخر سوى جسدها يُعيدها إلى كمالها في خيالِك، لأنَّ أي امرأة مهما بلغت حدّة جمال جسدها؛ لا بد من نغزةٍ تُعيقُ اكتماله، المرأة المكتملة جسديًّا غير موجودة، أو موجودة في الجنة فقط. يجب علينا إدراك أنَّ الجنس عملية محض بسيطة ومعقدة في آن. بسيطة من حيث هي مطلب ب...

في الخطاب الفلسطيني الإسرائيلي

  الكاتب: هاشم شلولة سيكون سؤال الخطاب الفلسطيني القادم والموجه كالبندقية في وجه المحتل مُغايرًا عمّا سبق، واضحًا ككل ما يحدث.. لأنَّ روايتنا بارتقاء شيرين أصبحت أكثر ثراءً من حيث الاستدلال على مشروعية الوجود الفلسطيني.. يعرف المحتل وأدواته مستوى الحفرة التي حفرها لنفسه خطأً بفعلته، فكرة المأزق أمر بديهي، وحاول بأدواته نفسها إثارة سؤال الترحُّم من عدمه على شيرين كيّ يقلل مستوى الغضب العالمي والعربي.. وباعتقادي فإنَّ أهم أداة هي مستوى الجماهير الفلسطينية العقلي والفكري، فهو ميثاقه الفني والقاطع والخاص بتسهيل وتمرير خطاياه التي يقوم بها. بالنسبة للإدارة الاسرائيلية فهي مشغولة الآن بتمرير المأزق، وبعد ذلك ستبني سردياتها التي تعمل على التبرئة، ليس لأنّها ستفلح في المهمة بل لأنّها تراهن على مستوى الأفراد، ففي وسط هذا المجد الذي صنعته شيرين وجدت وبالأدق أوجدت نسبة وكبيرة جدا أيضا تناقش مسألة الترحم، وهذه استراتيجية من استراتيجيات التحكم بالشعوب التي ناقشها تشومسكي في كتابة الذي يحمل الاسم ذاته، وهي نظرية الإلهاء والتي ترتبط في تقويض ردود الأفعال الجماهيرية لتخفيف حدّة القلق. الاحتلال غفل...

لاجدوى النسيان

  الكاتب: هاشم شلولة حتى لو نسيت وتجاوزت فأنا خاسر، واهن وضعيف، ويُغرِقني مارٌّ غريب اكتئابًا وحُزنًا لانطفاءٍ ما في ملامحه. سخريتي المرئية، والمدفونة فيَّ.. هي إلحاح الحياة الدائم عليَّ بأن أكون صفرًا، مُستمِدًّا هذه الصفرية الجامحة من وجودي المُستمر، والذي لا يتوقف. ولكن؛ لأجل ماذا يستمرُّ هذا الوجود المُعتَكِف في الخطأ؟.  خسرتُ كُلَّ شيء، كما خسرتني الأشياء، وعرفتُ جفافَ المُدُنِ مُبكِّرًا جدًّا، صرتُ كالأعمارِ النَّاقِصةِ، لا أتوقف عن العُرِيّ، أموتُ في حادثِ سيارة أو مُنتحر رميًا بالنَّفْسِ من أعلى مكانٍ في المدينة كأنّي بذلك أُخبِرُ الأبديّةَ بمدى الاحتقان والغضب اللذيّن يعترياني من هذه الاستمراريّةِ. كلماتي هشّة وإيماني متردّد وثقيل كخُطايّ ونوايايّ بأن أكون بخير ذات مرة. لا زلتُ أنحتُ تماثيل الخيبة متأمِّلًا ما مضى من وقتٍ بائس، وما هو حاضر مرتبِك، وما هو قادم متنكِّر بزِيِّ المجهوليّةِ... أُحصي أيامي بهَوَسٍ شديد، وأعيد أسماءها مرارًا حتى أنسى بالإعادة ما أحدثَتْهُ من أذى وجُرحٍ وندَب...  أظلُّ أجول في هذه الحياة، في هذا السراب وشوارع الإجابة الكاذبة دون إدراكِ م...

من التجربة

  الكاتب: هاشم شلولة نتعلم الكثير مقابل القليل، وهنا نستطيع فهم الإنسان الذي هو بمثابة حالة من حالات التجربة. هذا لا يتناقض مع كونه كذات وجوهر تجربة فريدة من جانب قدرته على طرح السؤال، فمن خلال السؤال يُطارد الإنسان نفسَه ليلتقطها فيصنع التجربة التي هي هو، وهو حالة من حالاتها خارج نفسه. تلك معادلة تشكل فضيحة لجوهر الإنسان، وتؤكد ضآلته ومحدوديته من حيث المعنى والمضمون.. وتخرج به كنتيجة حتمية للسياق الذي يجعل منه محض قصة فنية جميلة وذات أبعاد إذا رُبِط الأمر بما أنجز وقدّم رغم أنّ ما قدمه لا يفلت من عالم الازدواجية ذات الوجهين من خير وشر.. لم يكُن سقراط قد انتبه بعد لذلك؛ لأنَّ مرحلة صناعة الإنسان كانت في أوجّها، وبعده تكونت المشهدية السرمدية التي أوضحَتْ الميول الوجداني للإنسان وطريقة التجربة، وتبدَّد ذلك في معايير ما قدم وأخذ من الكون، بالذات على الصعيد الروحي والنفسي اللذيّن يرسمان إنسان المرحلة، وما بعدها، أما ما قبلها فرُسِمَتْ التماسًا عفويا.. قد يشكّل ذلك هاجسًا فلسفيًا يخضع للاحتمال من حيث صدق رواية الإنسان من عدمه.. لكنّه في أقصى حالات هاجسيته هو فكرة ملموسة تُكمِل الإنسان و...

قراءة الكارثة

  الكاتب: هاشم شلولة لا يمكن النأي عن عمق مصاب الإنسان، ورمزية هذا المصاب بالنسبة له؛ اقترانًا بعوالمه الذاتية المحضة.. على حين قراءة مسلكياته التي تلي موقف المصاب وفهمها.. إذا ما أردنا الاستدلال على سوائه النفسي من عدمه. فالحكم في ذلك لا يمكن أن يكون صحيحًا إذا ما فهمنا الأزمة الذاتية للإنسان من حيث هي أسطورة أم حدثا سينتهي بعد زمنيته المحددة. وهنا نجد الترجمة لقلق الفيلسوف الوجودي الأول سورين كيركجارد، الذي أمثَل القلق كنواة تهذيب لمكامن الوعي الإنساني ومنطلقاته.  إذن؛ الأزمة خط معياري مستقيم وموازٍ في آنٍ واحد لفهم الشخصية الإنسانية، والحكم عليها.. ليس لأنها (أي الأزمة) فيصلًا سلوكيًّا نتائجيًّا بعد تبدُّدِها، بل لأنَّ مآخِذَها على المأزوم تكون عنيفةً في حالته التشكيلية ما بعد الأزمة، فهو يتحول إلى مجموعة من السلوكيات المولودة من التجربة القاسية دون الجرأة الوجدانية على التفكيك التي تكون تلقائية في مجمل أوجهها، هذه الجرأة التي تشكل العادية الكُليّة لمجاميع السلوك على حين كونه سلوكًا يحدث.. لكن الآن، وبعد التجربة تصبُح هذه الجرأة حلمًا ترجوه الحواس لتكون الأفعال في حالة من س...

الألم الفكري

  الكاتب: هاشم شلولة نوازع الألم الفكري تتماثل مع نوازع الشفاء منه؛ من حيث رغبة المفكّر في الثانية، وخوفه من الأولى.. هذا الخوف الذي يتحوّل في النهاية إلى نازع من منطلق البحث عن سبب الوجود وصولًا للبحثِ عن معنى. يثير الألم الفكري في نفس حامله ثلاث محاسيم تساؤلية رئيسية، وهي؛ مستوى العلاقة بين الكون والأعراض.. من حيث أنَّ الكونَ حصّالةُ مشاعرٍ يتم تحريرها وقت الحاجة الملحّة للتجسيد من قِبَل الحواس المُطلَقة أو الأزلية ارتباطًا ببقاء الجزء بالتوازي مع مسيرة الفرد المرئية المحدودة. وثانيا؛ محاولات المفكّر الاستفهام عن تجريد حالة الألم من مألوف أسبابه، فيصبِح في طور من النزاهة تؤكد على ثابتة أنّه مفكر، في الغالب تكون هذه الآلية باطنية، لا تستعين بالوعي قدرما تصلنا من التجلّيات والانغماس في المهادنة مع ضديّة الحياة المُعاشة من قِبَل الأقران، هذا بالتأكد نسق هام للاستدلال على مستوى المفكر القويم والخالد. ثالثا؛ عيش حالة من اعتقال الذات، والتحكُّم النفسفكري بمصيرها، بمعنى ابتكار الأدلجة الموضوعية من الفرد لنفسه واحتياجاتها ورغباتها وضعفها وقوتها وكبح جماحِها وإطلاق العنان لها... فتصير الذ...

الحاجة للمعنى

  الكاتب: هاشم شلولة لا يمكن أن ينفصل الإنسان بشكل الانفصال مكتمل الغاية عن حاجته للمعنى، حتى لو كانت حياته ذاتها حاجزًا يحول بينه وبين معناه.. وليس ذلك لسرديات بنائية قدرما هي خاصة بترتيب اختياراته، بدءً ببحثه عن مرادف وانتهاء ببحثه عن ضد. فمن يختار طريقًا تكون خصومتها مفتوحة وحرّة ومُرادة مع الطريق التي يسلكها الحيويون وهواة الأمل.. يحتاج للمعنى؛ ليجد تأويلًا أو تفسيرًا لخوفه الشرعي والطويل من اختيار طريقٍ مغايرة للطرق المعهودة، من أجل إثبات عوالمه للحياة وليس للأفراد أمام الدستور المعاكس، والذي يكون في حالة من القوة التي اكتسبها من وراء مقاصد الغالبية وحاجة الحشود لها.. مقابل قِلّة اختارت الموت والتغييب عن الحياة، وهم على قيدها؛ لأنهم اكتشفوا زيف هذه الحياة وخدعتها الطويلة التي بدأت ببداية ميلاد روح هؤلاء الأموات، من سئموا التجربة مبكّرًا، واستُنفِذوا، وفقدوا الدهشة، ولم يعد عندهم متسع لتجارب جديدة... ما يحدث لتحقيق خلاصة ما تؤكد شرعية الاختيار؛ ليس مشهدًا عبثيًا أو تدميريًّا أو حالة شاعرية، بل حالة كشف غائرة في العمق لفكرة أنَّ الحياة خطٌّ مستقيم بجانبيّن، يقف عليهما الإنسان بك...

تحولات الذات

  الكاتب: هاشم شلولة الأيام والتحوّلات التي تُفرَض علينا من قِبلِها، وما من شأنه تغييرنا من حيث الذات وكليتها وجزئيتها... كل ذلك؛ مجموعة من الأصوات المختلفة التي يتباين تأثيرها باختلاف حدّة وعلو هذه الأصوات في مدونتنا الوجدانية، التي تأخذ الأصوات على محمل التأثر، وتكون محصلته التدوير العالق بشخصياتنا كبشر ومؤمنين بحقيقة أن الإنسان وتد مزروع في خاصرة الطريق الطويل نحو المعنى. هذا المعنى الذي تسترشد به رغبات وجداول وجود الإنسان وخريطة تكملته وصولًا إلى فكرة أنه مرتبط باستدلال ملموس لوجه ووجهة ما يريد من تلك الفلسفة الخاصة بالخطوات المنغمسة بغاية تأخذ صفة المصير، وبزرقاء يمامة تختص بالحاضر، لكونه حاضر، حاضر وفقط.. تتشكل من خلال آنيته _الحاضر_ مجموعة من الاستدراكات، أول هذه الاستداراكات؛ لامشاع حقيقة أنه موجود رغم جدل النقيض والمُستعان بكثير من التناقضات الاثباتية لمشاعٍ بدهي يأخذ بيد من يعتمل تأملًا في خلجاته خلال السير، خلال المضيّ، خلال الطرق لباب من أبواب فضيلة هي استثناء تأكيدي على مرام ما سيبدو عليه الإنسان لو تملّص من النقائض والأحجيات الخالية من وقائع ولو تلقائية على أنه _أي ال...

لفتة

  الكاتب: هاشم شلولة لا نرتبك من التفكير في مصائرنا كمُساقين من أعناقِنا نحوها فحسب.. بل نعدد ونقسِّم ونوسوس بقهرٍ هذا الارتباك.. قد نتوقف عن جلعه بليغًا أحيانًا لكننا لا نتوقف عن تأمُّلِ بلوغه دون خسائر فادحةٍ تفوق تلك التي مضت إذا ما رُبِطَ ذلك في لغة الارتباك سياقًا وحكمة.. لسنا رُسُلًا كيّ يمرَّ بنا خوفُ الدهورِ بثباتٍ كامل، بل بشرًا لا يأتيهم وحيٌ أو نبوءة.. كلُّ ما في الأمر أنّا نستعين بأنفُسِنا عليها؛ لننتشل البقايا التي فرَّقَ تراصَّها العمرُ، واستنزفَتْها المحطات.. كان على اختياراتِنا أن تصيرَ قِبلةً تُقصَد من قِبَلِ رواياتٍ حملَتْها صدورُنا؛ حتى لا نفقد الطُّرُقَ التي تؤدّي إلينا، أو نتجاوزُ بعُرِيِّنا شرطَ وجوهِنا فنفسَد كما يفسَد حملَ كلّ ذات حملٍ حين تُخالِفُ سُنَنَها وآياتٍ رسمتها الأبجديةُ حدودًا تُسوِّرُ قلبًا بداخلها يهيمُ... 

في الكون

  الكاتب: هاشم شلولة ثمّة انسجام غريب وعريق وقد يصل للمخيف بين الكون والهاجس، يحدثُ أو يُترجَم هذا الانسجام حين ترسمُ بواطنُنا صورةً للأشياء؛ فنرى ريحها في الأماكن والوجوه التي نصادفها أو نتعثّر بها والمزارات، الشوارع وواجهات المحال، الأرصفة والطرق الطويلة.. ولا يمر ذلك عبثًا؛ بل تصنعُ تلك الريح أسئلةً تجعل من العقلِ مسعورًا ومُهستِرًا.. يحاول صياغةَ وصولٍ وفهم لهذه الريح بلا طائل أو جدوى، فيتقهقر العقل ويظل حائرًا منسيًّا عالقًا في أول السؤال، وابتداء الصرخة التي تبحث عن تأويلٍ لكلِّ هذه الهاجسية المُتناثرة في براح الكون. إنَّ المشهد يشبه تركَ نفسك حُرّةً تحت أفواهِ قطيع من الكلاب المُفترِسة الجائعة.. التي لا تترك الفريسة دون أن تدعها تختفي في البطون. تستبقُ ونهجك ونفسك وشرائعك على إيجادٍ إجابة؛ الكارثة أنك لا تجد، والهاجس ككرة ثلج يكبر ويتضخم ليصير ثقيلًا على كتفيّك وروحك، وعلى استنباتات البحث عما ترى في خلاياك التأملية المحشوّة سلفًا بما هو خارق وضال ومتجاوز لمعنى وحِيَل حراستِك لعقلك.. إنّك تصنعُ دون قصدٍ خريطةً أخرى؛ ليزدادَ عددُ الخرائط في دمك الحمئ من تتالي الاحتراقات. تثور ...

الشاعر قاسم حداد

  الكاتب: هاشم شلولة ألقى الشاعر البحريني الذي أحب قاسم حداد قصيدة بعنوان "الوقت" في أمسية لمؤسسة الجابر، وعندما وصل إلى مقطع: "كم سوف يكفي من الدم  كي نحتفي بالضغينة، وهي تزول من النص"  كرره ثلاث مرات، وبكى دون توقفٍ لمدة تشارف على الدقيقة، استمر في البكاء لما بعد المقطع، وهنا، بالضبط هنا.. استشعرت مهمة الشاعر الأخلاقية الحقيقة، وآمنت بأنَّ الشاعر ليس في حالة الانفصال الإشكالية عن نصه، التي أحدثها "رولان بارت" لاعتبارات الحداثة النقدية للنص الشعري، وما بعدها.. رغم أنَّ قاسم شاعر ما بعد حداثي بالضرورة، لكنّه أكد حالة الاستثناء التي تستوفي مفهوم الشعر مكتملًا. إنَّ بكاء قاسم حدّاد هو تجسيد لمشهد خرق الأعراف المونودرامية المُحَدِّدة للنص الشعري بارتداداته الانفعالية على الشاعر، وذلك التجسيد هو النزعة الرافضة للتجريد، وما بعد الشاعر كحالم، عدا عن التأكيد على أنَّ الشاعر هو فكرة ثبات البدايات، وليس خطًّا لغويًا ومشاعريًّا متعجرّجًا.. ينسجم مع مدارسية النص، إنَّ قاسم حدّاد ألغى التشيُّؤ النعتي لعلاقة الشاعر بنصّه.. الشعراء في حالة من الاستقامة الطويلة وجدانيًّا...

في فلسفة الجسد

  الكاتب: هاشم شلولة في الحديث عن ديالكتيك الجسد، كان الجنسُ مُسوِّغًا حتميًّا لقدسية الجسد، رغم أن الديناميكية الشكلية له؛ لا تصل في رمزيتها لهذه القدسية.. لكنَّ السفسطائيين لم يكونوا بمعزلٍ عن تلك الانتباهة، لدرجةِ أنّهم، ولأجل تثبيت هذه القدسية؛ اعتبروا أنَّ التخيل الإجرائي من حيث التوصيف هو جنس في جوهره. المفارقة أنَّ تلك الصياغة لا تنفصل في شبهها عن التناولات المثالية، نحو أفلاطون بمعزل عن المشهد الحركي غير المنفصل عن الحواس أثناء العملية الجنسية رغم التباين الواضح بين السفسطة والأفلاطونية.. باعتقادي أنَّ قدسية الجسد لا تربكها آنيّةُ الشكلية الجنسية، ولا يمكن تفعيل أي رواية أخرى مهما زادت أسهم أمثلتِها حول الجنس، فإيقاع الأجساد التي تقوم بالعملية بمفرده؛ هو حالة _الإيقاع_ من القدسية بمنأى عن الصورة المعروفة والملموسة للجنس، ومدى محدوديتها واختزالها في الشكل الذي نعرفه جميعًا عن الجنس.. لذا؛ فمن الممكن تحديد مهام جنسية كثيرة كلها تقوم بنفس الطريقة للجنس التقليدي، لكن من غير الممكن أن يكون الشخص خارج هذا التصور إذا لم يكن خلّاقًا ومبتكرًا، أيّ أنّه يمارس العملية الجنسية بطريقته ...

الحاجة من الحياة

  الكاتب: هاشم شلولة أحتاجُ من الحياة الكثير، لكنّي لم أعُد أريد شيئًا..  قد تكون هذه العبارة مجرد انعكاس لحالة اكتئاب ضخمة، تحطُّ بثقلها على صدري. لكن حقًّا؛ لم أعُد أريدُ شيئًا، وذلك ليس قرارًا بل خلاصة لردود أفعالي تجاه أشكال الحياة المختلفة. رغم أنَّ ما فيّ من اكتئابٍ كلّه من صنع آخرين، لكني أعفيهم جميعًا، وأعرف أنَّ من يختار عليه دفع فاتورة هذا الاختيار.. لكن الفريد في ما عاد عليّ من اختياري هو التباين الواضح بين حجم البضاعة وحجم ثمنها.. حتى المقايضة ليست كلها السبب؛ لأنَّ ما بي هو تجسيد لحالة يُتم مطلقة في زمنٍ مات فيه الآباء، والرجال الغرباء الذين قد تصادفهم ذات حديقة خالية فيفهموا أوجاعك، ويمسدوا بأكفّهم عليها فتهدأ..  إنَّ الزمن وأسئلته التي تبدأ من عندك، وتنتهي فيك.. محضُ ندبةٍ في الروح. فتتالي الندب وتتشكل؛ لتصنع منك هذا المُتعَب الجريح، الذي لا يتوقف عن النزيف بصمت. حتى لو كُتِبَ لهذا الجُرح أن يتكلم، فماذا سيقول؟ فقولي "بصمت" ليس أكثر من قول نعتي. كل ما أريده حتى لا تندثر رمزيتي بشكلٍ نهائيّ؛ هو الحفاظ على هذا الصوت الواصف للأشياء فيّ، فأنا لا أريد لوحدتي مؤن...

الحزن على المسوخ

  الكاتب: هاشم شلولة هناك مناطق في الحياة؛ تحاول فيها أن تحزن.. لتثبِت بشريتك بهذا الحزن، هذا الحزن الذي يأتي بعد عاصفةٍ، وهي ليست بعاصفة كما تخبرُك العيون، بل لوحة غلّفها عماؤك لترفعَ بصيرتُك التي تظلُّ باستمرارٍ حاملةً لصفة الوليدةِ عنها القماشَ الذي يغطيها، فتراها أنت.. لتكتشف بأنَّ ذلك ليس بحزنٍ بل ارتقاب تأخَّر في التجسيد والمُماثلة لسابقاتٍ نكرة.. إنهم يشبهون هذا الذي يحيا والحياة كثيرة لسياقٍ كهذا في مكب نفاياتٍ؛ عاش فيه مَن قبلهم وربما من بعدهم من حزب الشيطان، وبعاطفتك الأولى التي لا تكبر وخامتِك ذات اللون الواحد؛ توقفت عندهم بحنوٍّ لتمسَح بيديك الناصعتين الرائحةَ باحثًا عن الإنسان الوهم دون أن تنتبه بأنَّ الرائحةَ تحتاج استحمامًا وتطهير _أغوتك نعومة يديك_ فتبدأ بالمسح في الهواء لا الأجساد، وبالتراكم سيزول قليلٌ من غبار، فتكتشف بأنَّ القمامة ليست بالواجهة بل في الصدور ومقدار فتح الذراعين، إنهم القمامة وهي هم.. فتغلق أنفك بأصبعيّك بقوةٍ، وتهرب كالمصروع أو كموسى النبيِّ مترقِّبًا خائفًا مرتجِفًا... نحو مصيرك، وربما تاريخك البدويّ الذي لم تلوثه عوادم المدن وقاذوراتها.. تاركًا ...

خرابيش سياسية

  الكاتب: هاشم شلولة دائمًا ما يخطِئ كل مُستعمِر في التقدير، ومهما كانت مقاييسه دقيقة سيغفل عن زاويةٍ ما؛ لأنَّ الشعوب المنهوبة تتعلّم من نكباتها جيدًا فالاستعمار يقعُ في فخّ التكرار، والشعوب تختزل، والاختزال يتبدد في السلوك، ولا أعتقد تخيُّل سلوك الشعوب المظلومة مُتجاوِزًا فكرة الثأر، التي غالبًا ما تُدستِرُها العاطفة، وفي ثأر الشعوب من العماء ما يمكنه أن يجعل الحياة أرخص الأشياء في ذهن أجيال عايشَتْ وشهِدَت تَبِعات الإحاطة غير الشرعية لطموحات ومشاريع هذه الشعوب.  الأمر ليس جمعيًّا قدرما هو صوتًا في عقل كل من ينتمي لقضية وطنية أو قومية عادلة، والعدل هنا ليس رمزًا! إنّما واقع مُعاصَر ومشهود له وعليه. لن يكتسب المُستعمِر الشرعيةَ بكل قدرته على المراوغة والتأثير والإجماع الباطل على شرعيته.. لأنَّ شعبًا كالفلسطيني يتخذ من موقفه من الاستعمار ثقافةً وتابوهًا لا يمكن النظر فيه أو مراجعته، حتى لو بدا انعكاس الحصار الجيوسياسي واضحًا على المواطن الفلسطيني.. كل ما سيتركه الحصار كراهية صامتة تتراكم تتابعًا لحين تمكُّن الفلسطيني من إسكات صوت أمعاءه؛ ليعلو هذا الصمت ويُعلَن.. فعلي مدار الع...

سكوت أكتر

  الكاتب: هاشم شلولة تظلُّ محافِظًا على فكرة أنّه لم يعُد هناك كلامٌ يُقال بعد الذي فات على ما تحمل من مشاعر.. إلى أن تحاصرَك تلك اليد الخفيّة التي تُمسك بعنقك حين يكتحل الوقت، فيغمرك الليل كما يفعل مع كل ما حولك. لوهلة تشعر أنك تريد قول كلمتيّن فقط لتلك اليد "أرجوكِ.. دعيني" لكنَّ الحقيقة أنَّ عقلك يخترق هذه الإرادة؛ لينفجر صارخًا بكلامٍ كثير، وقد بِتُّ أدرِك أنَّ شعور الاختناق هذا هو الموضع الوحيد للكلام.  تتحوّل لمُهستِر باحثًا عن قلم وورقة، من أجل أن تقول لبياضها جزءً مما يُثقِل خلايا عقلك، الذي أتعبته الأحداث كما الوقت والصور والسِّيَر والسرديات والقصص.. فيصير المشهد مثلُ كرةِ ثلجٍ تتدحرج فتمر فوق ماء، وبعدها تكمل الطريق فتلمس ثلجًا جديدًا وتكبر.. تكبر وتصغر الكرة مثل الذي ظل من كلامٍ مفجِعٍ للأسماع والأبصار.. لأنَّ اليد التي تمسك هذا العنق الممزق؛ تضغط عليك بحيث تؤلم بقيّة الأعضاء في جسدك مثل المعدة وما يتلوها من الأسفل، عظامك وكل ذرة في هذا الجسد الذي رفع الراية البيضاء منذ أول كلمةٍ بلهاء خرجت من فم النواطير لأُذنِك..  أتكتب الآن لتضيف لسجلّك صراخًا آخر؟ سؤالٌ يُس...

تأمل سياسي عابر

  الكاتب: هاشم شلولة نحن نستقوي دائمًا بالمؤسسة العسكرية ضد قاذورات وجراثيم التنظيمات الإسلامية والمذهبية المتطرفة في الشرق الأحط، وهذا ما شاهدناه في مصر وليبيا وسوريا وأيضًا السودان.. لكن ما يحدث في السودان بالتزامن مع الاحتفال الغاضب ب ٣٠ يونيو في السودان (وهي ذكرى ثورة _انقلاب_ البشير ضد الصادق المهدي) لهو نسف لتاريخ طويل من النزاهة العسكرية القومية، التي لطالما آمنا بها إيمانًا مقتصرًا على كنس زبالة المرتزقة التنظيمية.. ونسف لإنجازات اللواء عبد الفتاح البرهان في هذا السياق على وجه الخصوص.. لاسيما وأنَّ الخريف العربي نال حصته من الفشل لتدخلات خبيثة في شؤون أحزاب المعارضة من قبل قطر وتركيا وبقية كلاب الحراسة الأميركية.. لأنَّ تفرُّد اللواء البرهان وإزاحة الرئيس الانتقالي عبد الله حمدوك في ديسمبر الماضي لهو مشهد بيروقراطي قاسي، يسيء للمؤسسة وما ظل من مؤمنين بها ضد قوى وأجندات مأجورة.. مشاهد القتل والاضطهاد وقمع المتظاهرين قمعًا واضحًا، وعمل طوق أمني وعسكري وإغلاق مداخل ومخارج الخرطوم وأم درمان وقطع الانترنت والكهرباء.. هي مشاهد تعيد أخطاء تصل لمرتبة الخطايا حدثت أثناء قيام الربيع ...

في أحاديث الأديان والتضحية ٢

  الكاتب: هاشم شلولة فكرة تقديم القرابين والأضحية للآلهة هي فكرة قديمة جدًّا، وحاضرة في كل العصور التي سبقت العصر الإسلامي وسبقها.. وللتمثيل؛ نذكر صيغة "حتب دي نسو" ومجموعة صيغ أخرى في العصر الفرعوني؛ حيث يقدم الملك قربانا من "الخبز والبيرة والثيران والطيور والمرمر وكل شيء جيد..." إلى رب أوزيريس وهو رب بوصير العظيم، وقد وصلت هذه الصيغ من خلال المنقوشات على اللوحات الجنائزية والأبواب الوهمية وخلافه، وكان هناك أيضًا ساحة مخصصة لتكون مذبح في معبد كوم إمبو، الذي شُيّد على سواحل النيل لعبادة حورس وسوبك..  وفي عصر الحاكم الروماني تريانوس ديكيوس كان يحدث امتحان منظم، ويتم بمقتضاه إجبار كل شخص على تقديم الأضحيات والقرابين للآلهة.. وفي هذا الخضم؛ فإن شعوب الأزتك في المكسيك كانت تعبد "إله الشمس" وكانت تعتقد أن الدم هو قوة الحياة المقدسة، وأيضًا كانت شعوب الإنكا تعتقد أن القرابين هي حماية لمن يقدمها من الكوارث الطبيعية..  لذا؛ فقد تزامنت وتوازت فكرة القربان بعموم أشكالها مع تدرُّج مراحل الوعي البشري واختلافها، ويعود السبب في ذلك إلى أنَّ الإنسان حسب علماء نفس يضع من ...

في أحاديث الأديان والتضحية

  الكاتب: هاشم شلولة أ ؤمن بدور الأديان الخلّاق إيمانًا كبيرًا، وأعلم أنَّ لها الباع في تنظيف الأرواح من غبارها، وغسل هذه الأرواح التي تتوق دائمًا لغذائها.. وأؤمن أيضًا أنَّ كل فعل ديني تدميري هو صناعة يد باطشة تنتمي انتماءً قناعيًّا للدين.  أما عن فلسفة الدين من حيث الانتشار فغض الطرف أقوى وأحفظ للوجود البشري؛ لأنَّ الإنسان كائن غير مكتمل، والأديان هي الحاجة الكبرى لبناء هذا الاكتمال الذي لا يعكس بحث الإنسان عنها إشباعًا يُراد به اكتمال، بل جوع لبناء الإنسان الموازي المُترَع بخيبة الوجود من حيث أنه كل ما هو موجود (أي الوجود المحض) والدليل أنَّ الذي عاش كذلك، عاش نكرة مُنكَّلًا به من قبل محضيته الوجودية. ولكن على أحدنا أن يفهم أنَّ الدينَ مشهدٌ حلوليٌّ، يُناط به فكفكة الظواهر وفق الحجم الإنساني الاستيعابي لها بعيدًا عما هو متجاوِز لهذا الحجم الروحي والوجداني والحسي..  أما عن الالتزام بشعائر هذا الدين فهي فرض عين لمن أراد الاتِّباع كما ينطوي ذلك على أيّ التزام يقرره الإنسان؛ لأنَّ في ذلك مسؤولية نفسية ذاتية قبل أي تسمية أخرى.. ولا يعني ذلك أنَّ مثل هذه الشعائر لها تاريخ وح...

قسوة التذكر

  الكاتب: هاشم شلولة يقسو التذكُّر عليك حين يكون لوجهٍ هو كلّ الأوجه التي تراها، وجسدٍ هو كل الأجساد التي تلمسها، وسرٍّ هو كل الأسرار.. يقسو التذكُّر حين يحوِّلُك لطفلٍ في مُخيّلةٍ مرتبكة؛ تفتِّشُ ببكائك عن أمِّك بين معازيم العرس، وهم في هذا العرس يرقصون والضجّة رمز الزمكان.. أين غريبة كانت أمًّا وحبًّا وعاشقة؟ أين من تربّى وعيُك على حفظ جغرافيا صدرها؟.  يقسو التذكُّر حين يصيرُ السؤال كأنت وهي.. غريبًا!. يقسو التذكُّر حين تصيرُ رؤيتها الهاجسية الفائضة عن حاجة الدماغ تمرينًا لهذا القلب المُجهَد والعليم على قبول النتائج.. يقسو ويقسو ويقسو... حين تصيرُ معالم الحنين لذاك الزمن الحالم خجِلة ومرتابة ومترددة؛ لأنَّ صورتَها التي تلاحقك مع كل إغماضةِ عينٍ باتت في رماد المغيب روايةً مكتوبة بنزيفٍ من غبار الأقدام الغائبة.. أقدرُ البدوِ هذا أم لعنة ما يسمونه الحب؟. ليس مهمًّا الإجابة بقدر سواء السؤال إذا وجِّه لأحدٍ كنت تعشقه فصار غريبًا؛ طوته المدن البعيدةُ وخرائبُ المطارات وأكاذيب الحياة..  إنَّ ضعفًا من أشد مواضع ضعفي حساسيةً هزّني؛ لأطلّ مرةً.. مرة واحدةً فحسب من خلف جدارٍ مُشيَّ...

سفير الحسين عليه السلام

  الكاتب: هاشم شلولة  عندما أرسل الحسين بن عليّ (عليه السلام) سفيرَه مسلم بن عقيل إلى الكوفة، آواه في بيته رجلٌ من أشرافها اسمه: هانئ بن عروة، فقتله عبيد الله بن زياد والي العراق في عهد يزيد بن معاوية، وعندما علم مسلم بن عقيل بذلك، قرر مهاجمة عبيد الله، تفرق عن مسلم أصحابه خوفًا من عبيد الله، فآوى إلى سيدةٍ اسمها طوعة، طلب منها ماءً فسقته، ثمّ استجارها فأجارته، فعلم به ولدها فوشى الخبر بطريقة ما إلى عبيد الله، وعندما وصل جيش عبيد الى دار طوعة، وسمع مسلم وقع حوافر الخيل.. لبس درعه، وركب فرسه وجعل يحارب أصحاب عبيد حتى قتل منهم جماعة، فناداه محمد بن الأشعث قائد جيش عبيد، وقال: يا مسلم لك الأمان. فقال مسلم: وأي أمان للغدرة الفجرة؟! ثمّ أقبل يقاتلهم وينشد أبياتًا مؤثرة من الشعر:  أقسمتُ لا أُقتل إلا حرًّا  وإن رأيت الموت شيئاً نُكرا أكره أن أخدَع أو أغرّا أو أخلط البارد سخنًا مرّا كلّ امرئ يوماً يلاقى شرّا أضربكم ولا أخاف ضرّا وفي رواية "اللهوف على قتلى الطفوف" لابن طاووس، فإنَّ مسلم قال: "يا نفس! أخرجي إلى الموت الذي ليس منه محيص" بعد ذلك جُرِحَ، وأحضروه إلى عبيد بن زيا...

تخيروا لعلاقاتكم

  الكاتب: هاشم شلولة نحتاج العلاقات مع الآخرين، لأجل أن نعيش الحياة بهرمية سواءها النفسي، ولكن علينا أن لا نسقط في الفخ الذات اجتماعي، بمعنى؛ علينا قبل بناء أي علاقة فهم تركيبة الشخص الاجتماعية وعمق تأثيرها في هويته الأخلاقية، أي أنّه ربما تستهوينا اللوحة البارزة، والسلوك الأوليّ من هذا الشخص، وحتى ردود الأفعال.. ولكن كل ذلك ليس حقيقيًّا إذا لم يُثبَت في المناطق الحاسمة والجدلية، والتي تحتاج إلى الكفاية المكتملة من وجود هذا الشخص فيها.. معنى الكفاية المكتملة مختزل في سلوك الشخص إذا ما تعرض لضغطٍ ما في سياق العلاقة، أو محسومًا أخلاقيًّا كأن تكون مخلصًا ويكون هو برغماتيًّا مع شخصك، أيضًا؛ أن يكون جبان أو قليل أدب أو (ولد صغير على هيئة رجل) وأنت رجل عملاق تعرف ما لك وما عليك وتؤديه بأمانة وشرف.. هنا تستطيع فهم نفسك قبل فهمه؛ لأنّك تثبت مستوى الفرق بينك والآخر، بالطبع كلنا صنيع دوائرنا الاجتماعية، وهي المسؤولة عن غرس هذه الصفات فينا أيًّا كان شكل تلك الصفات، لكن الإنسان الحقيقي والنبيل والمسؤول يستطيع بفردانيته ومستوى وعيه التخلص من هذه العوالق التي تشكل الشخصية، لأنَّ التخلص يدرأ قاذر...

جوهر العطب

  الكاتب: هاشم شلولة  نولدُ في بقاعٍ كالتي نعيش فيها موتى، ونُربّى موتى، وكذلك.. نعيش الحياة، "لا أهلٌ ولا ولدٌ" ولا بيئةٌ كالتي ينشدها الحيُّ؛ ليُكمِلَ هذه الحياة. المعضلة أننا قد نجد تلك البيئة، وقد تشبه ما نعتقده.. لكن كلَّ إيجادٍ متأخِّرٌ؛ فنحن متممة التجربة التربوية ومحصّلتها، كلُّ مكانٍ سوى أول مكان.. نكون فيه غرباء ووحيدين، والمكان الأول نكون فيه مألوفين برفضٍ قاطعٍ عنوانه المعرفة القهرية، التي جرّتنا من أعناقنا لكشف الوجه الفاضح لمنابتنا. فيغادِرنا كلُّ شيءٍ إلّا الجسد الهامد، تصبحُ العقائد والأفكار واللغات والأوساط الأخرى بالنسبة لبواطننا.. مجرَّد مادة للسخرية، وليس ذلك لأنَّنا أكبر من كل ما ذكر أو أعمق أو أكثر معرفة.. لا، بل لأن بساطَ التربيةِ الخاطئ لفَّنا ومكامن الانفعال ورؤانا والبصائر.. إذن؛ أنت وحيد تماما، وليس بائسا أن تكون وحيدًا، وليس تصريحًا بالحاجة للبشر بقدر ما هو توضيح لحالة التعالي البشري التي تلاحقك، والدليل.. أنّك خلال خط سيرة الحياة، عرفت بشرًا كثيرًا، وتعرفت عليهم وعشت معهم، لكنَّ وحدتَك لم تغِب مرّة واحدة.. العطبُ فيك، أنت تتعالى لأنّك لم تجد نفسك ...

صديقي الصندوق الخشبي

  الكاتب: هاشم شلولة الغرفة صامتة، وجدارنها غير قادرة على عزل فوضى بعيدة وثرثرة تبدو كإيقاع المسافة بيني وبين الصوت القادم من بعيد. تضيفُ تشويشًا جديدًا على ما أمرُّ به من تشويش، وعدم قدرة على استخلاص مُستقَرٍّ للفوضي بداخلي. أعرجُ على كلمة آسف  الإعتذار الموجّه لمحتويات الغُرفة  ولا أدري لماذا أهذي بها، ربّما لسَدّ رأب هذا الرّكود المجنون، والمُتناثِر في جسدي، والذي تُدهِّن به أصابعُ الغرفة جسدي بشكلٍ غير مرئيّ. ترقص الحياة كأنَّ دُرجًا من أدراج خزانتي فُتِح، مع تلك الرقصة، سؤال يسقط من السقف على ثُلّة مفاهيم تسكنني، فتتهشم تلك المفاهيم جرّاء السقوط _السؤال: أين الأصدقاء؟. قبل أسابيع كنت أقرأ رواية “السيد بالومار” لإيتالو كالفينو، ويومها طارح عقلي نفس السؤال، لأنَّ صداقة ما نشأت بين السيد النزق إلى حدّ اللطافة بالومار وبين النمل، وبين طائر، وبين وردات في الحديقة… ودون أن يدري ربما؛ بينه وبين الأُفُق المُعبَّق بأنفاس الطبيعة، وما يطويه العالم تحت إبطيه من لامعلومٍ من نشاطات الأُفُق التي تتعثَّر بسرِّيتها دائمًا. لا يحدث أن تكون صديقًا أكثر وفاء وصدق مع إنسان دون غير...