التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من نوفمبر, 2022

حوار مقتضب مع المعالج النفسي

  الكاتب: هاشم شلولة ١٩ يونيو ٢٠٢١ خلال حوار طويل أجريته مع معالجي النفسي.. قال لي: تاريخك مليء بالقفزات والتجاوزات، ولا تحلم أن تبقى خلوًّا من كريك نفسي يقصم ظهرك نصفين ويفضح عرضك، ويجعلك تتهاوى أمام نفسك يا عزيزي. استطرد في الحديث، وبما أنّه كان فاعلا في الوسط سابقًا، فقد استشهد بمجموعة تجارب لعددٍ من المُفكرين الذين نشؤوا في أوساط اجتماعية كالوسط الذي نشأتُ فيه، وهم أقلّة جدًا بالمناسبة، الذين خانتهم الصيحة كما أسماها ووصف.. مُحصيًا تنقضاتهم وأعاجيب عوالمهم النفسية التي شكّلَت ثمنا للثورة ضد العادة والتقليد والبديهة.  المفارقة أنه ذكر شخصيات أنا نفسي أقتدي بتجاربهم الفكرية بكل تنقضاتها، تلك التناقضات التي أعرفها وأفهمها جيدًا ومع ذلك؛ لا أراها إلّا فاتورة للاختيار.  صَمَتتُ فجأةً، وسرحت.. فانبلج حديث ساكت مع نفسي كان عنوانه؛ أن هذه التجاوزات والقفزات هي التي صنعتني، وصقلت ثورتي على نفسي أولًا والمجتمع السافل والمنحط ثانيا، وعلى مفاهيم بالية ومُسلّمات مُهترئة ثالثًا. كان قلبي يبكي لحظتها، وشعرت بأنَّ كل ثورة نبيلة يرافقها ثمن فاحش وبذيء وغير أخلاقي كأن تطحنك مكائن الهوي...

لحظات مجنونة

  الكاتب: هاشم شلولة ٢٣ يونيو ٢٠٢١ آه يا عزيزي!. ليس من السهل أن ينتزع الإنسان لحظات مجنونة، تلك اللحظات التي تحفُّها السعادة الخفيفة ممشوقة القوام والهوام.. إنها موجودة، وقد نلمسها حين تقوى نظّارتنا على لمس الأشياء بعناية. نحن المُتعبون؛ يصبحُ لدينا انفعال السعادة بالغ وبليغ حين تشاء صدفة واحدة أن تكون انتفاضة على الألم، تلك السعادة التي يحققها الوجود حين يتقوّس ليجعل قدميّن مقابل قدمين؛ تسيران معًا في براحٍ واحدٍ بنفس الروح ووجهين يخترقان كُلَّ الجُدُر والمرايا. هكذا إذن؛ تقوى الأسماع وتتسع حدقات العيون، وتصبح الأوجه الخافتة جليّة حين نريد أن يصبح البحر شريكًا معنا في شَرَكٍ واحدٍ؛ ماهرِ التجلّي على حين اصطباغه بوجه عاشقيّن صغيريّن من بلادي التي أرهقها التتابُع.. أتيتُ "من كل منافي الأرض" باحثًا عنّي وعنك في أفقٍ حزينٍ بليدٍ تليدٍ... يُذاب في خفقةٍ صادقة، تغسل جسدها بالقهوة، وتُعلِّلُ الاحتمالات الكثيرة والجزيلة واستفاقات الخجل في مقدمات رؤوس الصاعدين إلى الله، العائدين إلى بنيانهم الأول بقُبلةٍ سريعة، بومضةِ جنونٍ قريرةِ عين حين تريد طاولات المقهى الفارغة من كل شيءٍ عدا ده...

الروايات التي في الصدور (كلام قديم)

  الكاتب: هاشم شلولة من الممكن الافتراض بأنَّ رواياتنا التي نحملها في صدورنا تعرضت للتهميش، رواياتنا الحقيقية الأولى.. لكنها ثابتة كثبات أسمائنا حتى لو كان هذا الثبات على حساب تغيُّر الأفكار وتبدُّل المناهج. يسير العمر فينا بنفس الطريقة، نخبِّئ ملامحنا الأولى في جيب، وفي أخرى راهن ما يُلمَح منا. لا مجال للتوازن، ولا الفِكاك من أزمة صراع الذات المُشتعِل، والضبابية الخاصة بعلاقتنا برواياتنا ومساراتها المختلفة، ومدى التشابك المُتغيّراتي الموجود في ظلال هذه العلاقة التي تحفر بقاءها باستمرار في أدمغتتا، ونظل مُرهَقين.  كان الاختيار الفكري مجرد مفردة دخيلة على مجمل استشباهاتنا المُختلفة بزاوية منهاجية عقدية، نتكِّئ عليها من منطلَق الحاجة (التَّرَفِيّة باعتقادي للانتماء). والمُحصّلة لكون الاختيار الفكري دخيل؛ كانت الضياع والتشوه، والتشظّي للإنسانية التي نبحث عنها كهدف، فأصبحت العبثية عنوان منطلقاتنا ومسالِكنا، ومن يختار سيخسر الكثير، أول هذا الكثير تكوينات شخصيته المرجعية، وإطارات الإنطلاق نحو الأفكار، ودوافع هذا الإنطلاق، وجهاز استشعار الوصول والاستقرار.  بمعنى أدق؛ فإنَّ ما يح...

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

في ما أشد به أزري. (من نصوص قديمة _عامية_)

  الكاتب: هاشم شلولة لستُ ممن يعتنقون الأمل، ولستُ إيجابيًا.. بل إنسان نِكِد ومسحوق في أعماقي مع التحفُّظ والمُداراة لحفظ من يحتك بي من هذه السلبية، لكنّي باستمرار أحاول التملُّص من هذا الدور، والذي خصصته لي الحياة رغمًا عنّي فلا عاقل يريد أن يكون هكذا، ولكن حتى محاولات التملُّص هذه محاولات شاقّة على إنسان مكون من كم كيلو لحم وشوية عضم وستة لتر دم... مؤلمة وفي غالب ارتداداتها على حساب الأعصاب، وتُهين أنفة الاكتئاب ورزانته التي يؤسس لهما الوعي، وتحوّل علاقتك بالمتغيرات والأحداث إلى علاقة هستيرية ومرتكبة إلى حدِّ الخطأ. لذا؛ على أحدنا أن يكون مُلمًّا باستراتيجيات التملُّص هذه وبعواقبها وما يرتد عليه منها... حتى لا يقع فريسة لردود أفعاله التي قد تكون في غير سياقها المراد لكَيِّ الوقائع النتائجية المفروضة من قِبَل الأحداث عليك كإنسان؛ فأنت مُساق غالبا ومسلوب الإرادة بالتوازي مع إرادة الحياة ومتغيراتها سيئة المزاج والسمعة.. قد تنفذ طاقة أحدنا في مواساة نفسه أمام كوارث الحياة وأخطاءها ولعناتها التي لا ترحم من هول التتابع والتقهقر الذي قد يُفرَض علينا على حين مفاجآت الحياة ولخبطاتها غير ا...

استدراج رمزية الحرية لنا

  الكاتب: هاشم شلولة من الطبيعي أن تستدرجنا رمزية الحرية، التي تأخذ في غالبية أسس أشكال تكوينها الطابع النظري، الذي يتقاطع مع مجموعة كبيرة من مشاهِد التطبيق، لهذا فإننا نظل نحفرُ في الصخرِ بإبرة الفن علّنا نمارسها ولو حُلُمًا، دون أن نلامسها. كلّما قطعنا ثلة من الخطوات، حملقنا في أسقفِ غُرَفِنا، وسألنا: أين الحرية؟.لكن، هيهات فأين الحرية عزيزي برغسون الحُر!؟  من أهم أسباب هذا الاستدراج المركَّب وصعب المراس والمزاج؛ أننا ودون أن ندري، نولد موتى ومسحقوين. كمُحَصِّلة لذلك؛ فإننا نلجأ إلى أُمُّنا الحرية رغم احتمالية تأكيدها، وثنائياتها العديدة، وتشوهاتها ومدى صدق أمومتها التي ننشد... نريد بذلك إخبار العالم والكون والإيمان.. أننا أحرار، وأنَّ الحياة ليست مِنّة علينا، وندفع ثمن ذلك موتًا، وهذا هو.. هذا هو بالضبط ما يحدث، وما تقوم به أبدية أسباب الحرية الطويلة والممتدة على ساحل إنسانيتنا أولا وأخيرا وفي كل وقت.. موتٌ مستمر، ورغم ذلك لا نصل.  استدرجتنا رمزية الحرية حقيقة وليس كذبًا، والوهم يشهد ذلك بصيغةٍ فلسفية قد تكون متناقضة مع مستوى تماهينا مع الحرية واتصالنا بها ومستوى مجهود...

التناقض الرصدي للتاريخ العربي

  الكاتب: هاشم شلولة هناك تناقض مُلفِت في فلسفة رَصد وتأمُّل التاريخ العربي المعاصر، ولكن في ظل فوضى التناقض هذه هناك ثابتة واحدة، وهي تفاوت دوافع المثالية المطلوبة من قوانين الطبيعة ربما أو قوانين قومية أو غير ذلك... الأمم في مطلع هذه المُعاصَرة كانت حقيقية بما يكفي، وكانت الحروب تحدُث، وبذات الأشكال المُفزعة التي تكررت مرارًا.. بالتوازي مع ذلك، من الطبيعي أن تطفو على السطح قوانين تخّليق الحروب وشعارات الإنسانية، وما إلى ذلك من ردّات الفعل المُشابِهة. بالتالي، لم تكُن الإنسانية واضحة بالمُطلَق، وهذا على سبيل الدعوة الرمزية للإنسانية فقط. لنذهب إلى دافع الحرب باستدراك، ستجِد أنَّ البحثَ عن الإنسانية بارزًا في سياق من سياقات تناول أسباب الحرب الحالمة كالحرية ونضالات الشعوب إلخ.. أو قُل عن هذه الأسباب منتمية وعديمة الخبرة. كان مُزعِجًا شكل الحلم البشري بالخلاص، ومن البديهي أن يُخلِّف هذا الحجم جماهيرًا مطحونة ومُتعَبة، وكل ما هو في قادمهم شَرطِيًّا سيكون تطويرًا للهدوء والاستقرار والاستراحة من الحروب التي دغدغت الإنسان... ربما حدث ذلك، ولكنّه كان استقرارا زائفًا فمنذ أيلول ٤٥ وبعد ذل...

دورنا الناشز فلسفيا (كلام قديم)

  الكاتب: هاشم شلولة ليس بمقدورنا التملُّص من الدور الناشزِ فلسفيّّا، والذي منحتنا إيّاه الحياة في مسرحية النقيضيّن _وجود ولا وجود_ قلت وداعًا للحياة عندما أدركتُ وداعَ العجوز الرومانيّ النزق "سيوران" للفلسفة، وبكيتُ يوم استدرجني "كانط" إلى رحابه الممسوس باللاإنسانية مَسَّ الجنون.  من الأكيد أن الفلسفة تمتص الحياة من دواخلنا بشكلٍ مُفزِع كما تفعل الحياة وقتما تمتص ذاتها من الأنفُسِ والثمرات، وكما يفعل الفن والانسياب والنوافذ المفتوحة... وقد انتبهتُ لذلك؛ فور عراكها الطويل _الفلسفة_ مع الفن، هذا العِراك الملحميّ والجدلي والمفتوح... الذي شدّني من ضفيرتي نحوه، كيّ أكون واحدًا من أهل هذا البيت المُهسترين الصغار، وعديمي الخبرة. هي الاختيارات التي تخون دائمًا، وأكثرها تلك التي انتزعناها انتزاعًا بخلفيّةٍ ثورية على أرواحنا، قبل أن نثور على أهالينا ومجتمعاتنا ومرايانا، لضرورة الهياج الفلسفي الدميم؛ الذي لو كان النقيض، لعَبَرنا إلينا أو إلى صورةٍ منا على الأقل.  هذا المدى البارافلسفي طويل المدى، وغير السلِس، المُلتبِس والصامت بحساسية، يُشعرك بحُسن السيرة التي قد يمحنك إياها؛...

الخفّة استصراخُ ثقلٍ ما

  الكاتب: هاشم شلولة في الحقيقة إنَّ الخفّة استصراخُ ثقلٍ ما، ويُقال ضمنًا؛ أن الأثقال خفيفة، حين لا نحملها في الغد؛ لأنَّ اليوم أحقّ بها. تلك مقاربات عبثية، لكنها تحدث حتى يكتمل البناء الفني لمعادلات الحياة التي جُلّها خاسرة بأبشع صور الخسارة.  عامل تشكيل المفارقة مهم جدًّا لتحسين علاقتنا بالأحداث،  والوصول والانتهاء... فكُلّ ما هنا هدم، هدم فقط لمحاولات  تقبُّل أننا نتيجة ما ذات يوم، حتى تسقُط من على أكتافنا الخطيئة، وتستريحُ فينا المُعادلات.

ما حدث. (كلام قديم)

  الكاتب: هاشم شلولة ما حدث ويحدث.. ما هو سوى تجسيد علني وحر لحركة التاريخ حتى لو اقتضى الكثير من السفالة والوقاحة.. في خضم هذا التجسيد، وعندما ندرك أن ذلك تجسيدًا فإننا نُعزّي أنفسنا ضمنيًّا من منطلق الحتمية.. تتابع الصدمات وتتاليها، ما يُترَك فينا من هذه الصدمات من أثر بغيض وفاحش ومؤلم... مستوى التعرّي الذي يكون الآخر فيه؛ هذا المستوى المُفاجِئ إلى درجة الأذى... كل هذه الأشياء تثبت شرورية حركة التاريخ المُنبثقة من جوهره. من هنا؛ نستطيع استخلاص قوة العلاقة بين الشر والتاريخ، وتكون هذه العلاقة في الغالب على هيئة خيطين مجدولين ومتشابكين.. لا تستطيع فصلهما للدرجة التي تأخذ بيدك للظن بأن الشر هو إكسير حركة التاريخ، الذي يغذيها، ويؤكد على استمراريتها. غالبا جاء هذا الاتحاد العصيِّ على الفك من نَزعة أركان هذه الحركة، والتي منها الإنسان والوقت ودوافع الأحداث... التي لا أستطيع تسميتها بالشيطانية بقدر وجود مرادفها في مرادفها كمعنى وتصور لهذه الدوافع. لذلك؛ لن يفُتني القول بأنني وثلة معي متملّصة بشكل بديهي من هذا المرادف؛ أمر يدعو إلى كبح مفهوم الشيطانية ارتباطًا بدوافع الأحداث، بل يضفي تنو...

الشعر بنازعه الأخلاقي

  الكاتب: هاشم شلولة الشعر إن لم يكن صوتًا للأخلاق المجردة من المُحدِّدات في مداركنا، وأعماق دواخلنا، فالجحيم، كل الجحيم للكلمة.. لكنّي متأكدٌ من أن الحاصل ليس النهاية، فالشعر معنى وبقاء وطرق ملتبسة ومتفرعة، تجعل مساراتنا الإنسانية خلّاقة وحالمة ومبدعة وذات موقع من الإعراب.. لا نعرف أن الكلمة تستمدّ جحيمها من مُتكَلِّميها. لهذا، قد نكون تردَّدْنا أو تكدَّرنا قبل كتابة بعض قصائدنا، وهنا.. تمامًا هنا، تتضح أهمية الشعر الكبرى والحقيقية، ومدى توازيه مع الوعي، ومدى ركضه حافيًا على محفّات الإدراك، وقدرته على ابتداع السحريّ في خضم العلاقة الحزينة والجدلية بالواقع، ومفهوم الإنسان بالمجمل..  لقد وصل الشعر إلى اتِّخاذه دور الباحثِ عنّا، كيّ يقدمَ بنا نحن الشعراء صورةً للخراب، ورمزًا لخطأ ما كبير، لا ينفصل عن حاضر الوجود وتاريخه ومجمل تساؤلات الزمن.. ليخلِّفَ ذلك تجسيدًا عميقًا لمعنى القلق في نَفْسِ الشاعر المَنفيّة والغَضّة المحمومة، والمسكونة بالمُهامسات السؤالية والتأملات الغامضة والرصد الفاحش للأحداث... حتى صرنا كوّماتِ قلق، هذه الكومات تحشدُ القلق في جوف القصيدةِ من منظورٍ فنيّ، يُع...

ما هو مجد الحقيقة؟ (كلام قديم)

  الكاتب: هاشم شلولة مُهينة ومُحزنة ومُثيرة للشفقة... محاولات استيعاب الإنسان للحياة وصدماتها واصطداماتها. لكن العزاء بخطوط آمنة دفينة، يستعين بها الإنسان لتخفيف حدة هذا التتابُع الكوارثي، كابتداعِ الطريق والخطوات والانتظار للغائب المجهول... يظلُ الإنسانُ مُنتَظِرًا حتى جفافِ خُطاه.  لكن، هل يعود لنا مجد الحقيقة؟. حقيقة أنَّ الطريق والخُطى والانتظار... مجرد ابتداعٍ ضال للتحايُل على المعنى. وما الغاية وراء المعنى؟.  أنا فقط أُلامسُ بأسئلتي الجُرحَ كي نبصر مدى تشوّه أصوليتنا كبشر. كان على كل الاعتبارات وراء خلقنا أن تكون خفيفة وواضحة أو لا تكون حتى لا تكون مُحَصّلة وهي نحن.. نحن الذين نُشكّلُ صفرًا فارغًا من احتمالات وآمال أن يكون هذا الصفرِ رقمًا.  الإنسان سحقته فوضاه الإلتباسية في علاقتة بالظواهر وخصوصا التراجيدية واقعيا، تجدها غريبة وغير مُرَتَّب لها، مما يؤزِم هذه العلاقة ويُفاجِئها فيُربِكها، ولا تنفصل منطلقاتها عن أن تكون من تجارب مؤلمة سبقت.  هذا وما قبل هذا وبعده... يسيرُ كالجمر فوق الإنسان بثقلٍ وتعرية. هل يكون الإنسان يومًا خاليًا من محاولات معرفته لنفسه...

صراع الإرادة والكينونة

  الكاتب: هاشم شلولة أعيشُ صراعًا مُرًّا بين ما أريد أن أكون جزءً منه، وما أنا جزء منه الآن، لا أستطيع فكفكة أسباب هذا الصراع لأنني وكأحد أدواته؛ دائمًا ما أكون مغمورًا ومهمَّشًا من ذاتي، تلك التي تعيش مرحلةَ بناءٍ مُشوّهة ومعالمها غير واضحة، المهم أنَّ الحاصل بناء، لكنّه بناء مقابل هدم، نتائج هذا الهدم تتوازى باستمرار مع نتائج البناء مما يعيق الرؤية التي يحولُ تدفق الأحداث والانكشافات بينها وبين الإمساك بأسباب هذا الصراع.  أعلم أين الطريق الصائب لكنّي أعلم أيضًا مدى تمكُّن الرغبة بما أريد أن أكون جزءً منه؛ منّي.. لم أعُد قادرًا على احتمال مدى التشابك بين الأجزاء، أرى كل شيئ مُدوَّر وأجوَف وباهت المعنى بحتمية مطلقة؛ لا تقبل التراجُع أو الزحزحة، الأسباب انتحرت في وقت قريب بطعنة نتيجة أو احتمال...  ماذا يمكن أن يشكل حجمي كإنسان أمامة ضخامة كارثة إدراك ما لم يكُن مُدرَكًا قبل ذلك؟  وقد شكّلَت هذه الالتقاطة يأسًا في دوافع التعبير عن الاحتجاج أو الثورة على هذه اللاعدالة في توزيعة الأحجام.  أنا وإن كنت معطوبًا في سياقات عدّة؛ فإنَّ ذلك؛ لن يُسكِت فيَّ صوتَ فكرةِ أنَّن...

الفن كمنقذ

  الكاتب: هاشم شلولة في إحدى الرهانات على الفن كمنقد للحياة بداخل الوعي الإنساني؛ قُدِّم الفن على أنه صوت الإنسانية بداخل الفنان، مما يتقاطع ذلك مع واقع علاقة البشر جميعهم مع الإنسانية؛ بالطبع الإنسانية ضمن سياق معنوي لأنّ الإنسانية في الأصل رمز، وأقرب من يجسد أو يتماثل مع هذا الرمز؛ الفنان المشتبك مع الواقع الإنساني، ليرصد الفن انتصارا ما؛ وقد نسميه قَصاصًا مشكوك في اكتماله للإنسانيةِ التي تهمشها تغيراتُ الإنسان المُتسارِعة ومجمل أحواله.  على الفن أن يتم العثور عليه لا أن يقدم نفسه كمشهد حلولي لأزمة وجود الإنسان؛ للوصول إلى التلقائية المنشودة من الطبيعة، والتي تنظم سيناريو انبثاق وبروز الإنسانية في داخل الفنان. الإنسان كاملًا يبقى محافظًا دائمًا على هوية تهميش الفن، واستثنائه ضمن قائمة البدائل التي يبحث عنها الوعي الإنساني لاستيعاب وِقع خبر أننا لا زلنا أحياءً ولا نتوقف عن الصراخ لخللٍ في النتائج أو شوهة في جسد الأسباب.

كلام قديم جدا

  الكاتب: هاشم شلولة هل يمكن أن تكون الفلسفة حلولية تزامنًا مع تراكم عوامل كيّها لاعتبارات التطوّر الظاهرية وغير الخاضعة لبناء الأشياء فلسفيًّا؟. لماذا تخسر الفلسفة في محاولات مُماثَلَتِها مع الواقع الإنساني المُعاش؟  لأنَّ الإنسان تجاوز الفلسفة في خضم علاقتة بالأساسات التي ينطلق منها ناحية المفاهيم التي يحتك بها سواء بوعي الملامسة أو وعي الإدراك أو اللاوعي، احتمالية الارتياب القائمة على أساسها كبيرة، لأنَّ إنسان هذا العصر فقد قدرته على خلق أو ابتكار الموازنة بين جوهرية الأفكار والمُتغيرات التي تحيط فيها، وتؤدي إلى صيرورة فجّة فيها.  حاول الفلاسفة المُعاصرون حلَّ هذه الأزمة من خلال إخضاع الطارئ، والتسارع الحواسي القائم إلى مجهر التأمل العقلاني مستعينا بأدوات العصر المتاحة، لكنّ خطأهم كان فادحًا، وأدَّت هذه المحاولة إلى تعميق الأزمة عن غير قصد طبعا لأنَّ مجهر التأمل باتت علاقة الإنسان فيه؛ علاقة ترف موتورة ومرتهنة لأمزجة الجماهير المختلفة والمتداخلة مع الإنسحاقات التصورية، لأنَّ التأمل وبشكل عفوي وغير مقصود ذاب في هذا الكم الهائل من دفق التجدد المستمر؛ الحاصل على الثوابت....

لا تخونوا عزلتكم

  الكاتب: هاشم شلولة هناك سؤال يستفزني، ويؤرّق غضاضة استيعابي للأشياء والمُتغيرات. لماذا نحتك بالناس، ونجلس معهم ونفتح الحوارات؟. قد نلتحم معهم في العلاقات، ومعنى الإلتحام هنا الفضفاض والذي منتهاه التماهي. غاستون باشلار حاول جاهدًا أن ينزع نفسه من هذه المعادلة الخاسرة منذ البدء، والتي تتضح خسارتها في مرحلة مُتأخرة، وغالبًا تكون استكشافية بمُحرِّك المواقف، انتبه مبكرًا إلى مدى الأذى غير المرئيّ أو المتضح الذي يعود عليه من خلال هذه المشهدية، فظلَّ في قبوه راقدًا معتزلًا هذا التصريح العلني بالحاجة، ومُتنكِّرٍا لها، ظل يخلق اللماذائيات المُرهِقة والتي لا تنتهي، مُحاوِلًا ضمنًا تَرك هذه الفكرة وليس تجاهلها أو نسيانها بالاعتماد على المُتاهة التي تسحبنا الأسئلة نحوها، وهذا يعبِّر بشكلٍ جليّ عن مدى المُعاناة المُختبئة بين أسطر الحوار الذي بينك وبين الآخرين، إنَّ هذه المعاناة ليست مُنتبَه لها، أو مُعَد لها دياجرام توضيحي حتى لتخفيفها، ولو بالشكل النظري الذي في ديناميكية العلاقة أو محاولة تداركها، كونك فتحت حوار مع الآخر فأنت مُعرَّض لإهدار كَمّ من الطاقة التأملية الخاصة بما هو سوى الناس الذ...

أزمة المرأة العربية

  الكاتب: هاشم شلولة المرأة في مجتمعاتنا العربية تحديدًا تولد مأزومة، تكبر أزمتها مع مرور الوقت والمراحل. في بداية الأمر؛ يعترض الأهل على جنس المولود في حال كان المولود أنثى، وبالتراكم تستشعر الفتاة هذا التمايز الذي لم تختاره هي أو حتى الذكر، بل اختارته منظومة مريضة عقليا؛ بين الأجناس، مما تتوعّك أحشاء لاوعي الفتاة، ويتم تكريس هذه الأزمة (التوعك) الخفيّة في الوقت القادم، فتتبع الأدبيات الاجتماعية المؤكِّدة على هذه الفروق غير المُختارة، والتي تُفعِّل اتضاح هذا التمايز، وتُختَزَل مثل هذه الأدبيات بشعورك كذكر لم يختار جنسه وجزءًا من هذا المجتمع الذي تتشارك فيه مع الأنثى بأنها كائن غريب لا يشترك معك أو يلتقي بك أو يماثلك في أي صفة حتى الإنسانية، ونحن بغنى عن تعداد صفات المرأة التي تُشرعِن هذه الغرابة. بعد ذلك؛ تتدرج عملية النمو الخاصة بالفتاة، وتكبر صورة الممارسات لهذا الشعور من التمايز والفرق بينها وبين الذكر بجلاء ووضوح وصولًا لمرحلة المراهقة لديها، وهي المرحلة التي تُنظِّر لشخصية الفتاة المرأة وهويتها السلوكية مستقبلًا، هذه المرحلة تبدأ فيها ملامسات الجرح العميق بداخل المرأة، وبدلا ...

المعادلة التربوية بنيويا

  الكاتب: هاشم شلولة البنية الاجتماعية وبانفصالها عن معادلة التربية؛ بنية وهمية ومُركَّبة وفق أسس سطحية جدًّا تعمل ضمن منهجية التواري وراء الجوهر السماتي الفردي بشكل عفوي بالتأكيد. لكن، لماذا مثل هذه البُنى تُشكِّل أساسًا في قراءة الأفراد ورصدهم؟. يجب على منطق الحكم التناولي للأفراد أن يكون مُجرَّدًا من الإقحام في الخريطة الاجتماعية؛ حتى يتسنّى لنا الإمساك بالعوالم الدلائلية التي ترشدنا إلى مسار الحكم على الفرد بعيدًا عن الرداء الاجتماعي الذي يتم تفصيله لذات الفرد سواء من خيوط انتمائه إلى الإئتلاف الاجتماعي الذي صدَّره للعالم أو من خلال عالمه التربوي الذي عاشه وعايشه وعاش فيه عن قصد أو عن غير قصد. رغم اللوثة التي لا تتفصل عن بنيتنا الاجتماعية إلّا أن انتماء الإنسان الى هذه البنية بتقرير أو بدون هو  بصيغة من الصيغ استغاثة لاواعية بها من حرارة اللاإنتماء اللافحة. نحاول الانتماء دائمًا إلى دائرتنا الاجتماعية للوصول الى الشعور بأننا أصبعًا من أصابع يد الوسط الإجتماعي الواحدة فاللاإنتماء بتر بصورة أو بأخرى، والبتر مؤلم؛ حين يُبتَر إنسانًا بأكمله بكل اختزانات وعيه؛ والترجمة السلوكيه...

اللذة في كل شيء (من نصوص قديمة)

  الكاتب: هاشم شلولة في هذه الدنيا، أدركتُ أن للإيمان لذة كما للكفر والاستقامة والتمرُّد.. كل مفهوم من هذه المفاهيم له لذة، لكنّي لم أدرك يومًا أن الكون بكل فوضاه منظّمًا سواء كان له خالق أو لم يكُن.. أي بمثابة قانون، وقانون تتفرع منه قوانين. على سبيل المثال: أفرطت في إيمانك ستخسر دنياك كاملةً، أفرطت في كفرك ستخسر قيمة الكفر، أفرطت في الاستقامة ستتحول لآلة، وإذا أفرطت في التمرد ستضيع والعكس صحيح.. حسنًا؛ المعضلة ليست هنا، بل في حجم الإنسان الذي لا يستطيع أن يصنع من نفسه وسطًا دائمًا في علاقتة بهذه المفاهيم جميعها وإلّا فإنه سيتحول لآلة أيضًا، وخصوصًا أن أفعاله كُلها ومن ضمنها الإيمان والكفر والجوع والشبع والفقر والغنى... مبنية على الجذب واللذة، حتى لو كان جزء من هذه الأفعال أو جُلّها غرائزي.. وسيبرز هنا سؤال: كيف سيتمم الإنسان أخلاقه ويثبتها إذا ما جاع ولم يجد الحساء! كيف سيظل مؤمنًا إن لم يشعر بامتلاء روحه! ما مدى معرفة الإنسان في مفارقات الدنيا وطوارئها وموازينها وكيف من الممكن أن يسترشد عليها في وقت الحاجة لأي مفهوم! هل سيفهم تبدُّلاتها إذا ما كان ضائع! وضع الإنسان للاعتبارات وخ...

ما يصل من العاشق 3

  الكاتب: هاشم شلولة عزيزتي..  العالم بائس جدًّا، وفي العادة لا أحب أن أبدأ هكذا، ولكن يبدو أنَّني في مخيال معطوب، وعلاقة أكثر عطبًا بالحياة.. لستُ بصدد الحديث عنّي، ولكنك عزاءٌ ما بالتماسٍ، بخاطرة، بطيف، بتذكُّرٍ ما... يُكوِّر نفسه بين غيهبِ عينيّن متعبتين، تنصتُ كُلُّ واحدةٍ منهما لشبحٍ يكوي عطب المخيال، وكصاحبة صورة غائبة، لا يتوقف حضورها، لم أعرف قبل ذلك مشهدًا أقرب وأوضح من هذا في سياق حضور الغياب، والذي آمنتُ مذ عرفته أنّه مجرد مجاز وغير قابل للمس، وسقف لمسه قصيدة أو التقاطة شاعرية، لكنَّ الحقيقة الأكثر اتقادًا في دم الوقت، هي وجهُ فلّاحة تأخذ دور الفتاة "مومو"  بطلة الرواية التي تحمل ذات الإسم للألماني ميخائيل أندة، وتحارب السادة الرماديين (سارقو الوقت) اللافت أنَّ مومو ثأرت للوقت مرّة واحدة وانتصرت على السادة، لكنّ ملامحكِ في مخيلة مريضة لشاعر عبثيٍّ صغير السن ومُتعَب انتصرت مرارًا لهذا الوقت، وربما عليه..  لا أعلم مدى انتباهك لفكرتي أو لي على وجه الدقة، ولكنّي أعلم هذا المدى فيَّ وأعرفه جيدًا، إنّه بمثابة استطبابٍ متكرر ويدوّر نفسه على مدار الساعة فيَّ، ولا ...

ذات تأمل في الكون

  الكاتب: هاشم شلولة التأمل في الكون؛ يُشعِرَك بمدى ضيق المفاهيم التي تفكفك علاقتنا بما يمنحنا إياه التأمل من سرديات جدلية، وتحاول باستمرار إذابتنا في الوصول إلى هدف ومعنى لهذه السريات، عدا عن أنها تمنحنا الوقت لنصل إلى تصور خالص يعي حقيقة هذه السرديات ويعطيها الشرعية والأحقية بالوجود كمعضلة أو عقدة، من هذه السرديات؛ الحرية مثلًا، إنّها استخلاصة للتأمل في أعمق مظاهر للكينونة الخاصة بالكون ومن تستطيع الحرية ملامسة قيعانه.. لننتبه الآن إلى أن الحرية وهي تمثل دور استخلاصة للتأمل؛ فإنها في اللحظة ذاتها؛ تتملص من كونها كذلك بفعل تداعيات مفهوم الحرية على كل ما يتعلق بالذات الإنسانية الحقيقية والعميقة والتي لها الأسبقية بأحقيتها في الوجود الخالِ من الرمزية؛ من أبرز هذه التداعيات؛ وقوعنا في دائرة أزمة رمادية اسمها الواقع، مجرد انتباهنا لوجود واقع بحد ذاته هو بمثابة عطل في محرك الحرية، فماذا سيحدث حين تدرك الذات إدراكًا مُطلقًا وغير قابل للتعديل بأنها جزء لا يمكن اجتثاثه من أجزاء الواقع؟. حينها بالضبط؛ فإن انقلابًا مخيفًا سيحدث، ويجعل من مفهوم الحرية بكل شرعيته مفهوما غير شرعي لأسبابِ الواق...

أقسى التجارب

  الكاتب: هاشم شلولة من ‏أقسى التجارب التي مررت بها في حياتي؛ إغلاق مكتب الهاتف الذي كنت أمُرّ بجانبه كل يوم أثناء ذهابي وإيابي من المدرسة؛ كان صعبًا عليّ تقبُّل فكرة تحوّل صاحب المكتب لسائق تاكسي. كان مشهدًا جديدًا على وعيي وذاكرتي، ومن العسير أن تتأقلم ذاكرتي على ذلك، وكنت في حالتيّ رفض وإنكار دائمتين لمثل هذه الفكرة.

الوعي المذهول

  الكاتب: هاشم شلولة الحقيقة أن وعينا في هذه المرحلة تسكنه حالة ذهول قوية، سبقَتْها حالةٌ من الثقة العمياء؛ مُما ضُربَت فكرتنا عن أنفسنا ضربة في العمق، هذه الضربة ستؤسس لفلسفةٍ مَواقفيّة جديدة، لا تشبه التي مضت، تجعلنا نعيد قراءاتنا لمجمل تصوراتنا عن الظواهر والأشخاص والدور المنوط بنا كتكليف قسري من الحياة.. يجب أن نغير جلستتا ونهرب هروبًا طوعيًّا من وهم انتظار النتائج.  يخبرنا هذا الزخم المتتابع من الصدمات بنبوءةٍ صامتة وعلينا أن نختلق النتائج بأيِّ مسوَّغات كانت حتى نوفر هذا الركض الضال من أجل الوصول إلى تشكيل أنا دِسمة نستعيض بها عن النواقص التي خلَّفَتها فينا بداياتنا. إعادة الحساب؛ تأكيد على سواءنا باهظ الثمن والمفهوم سَلَفًا بشكلٍ خاطئ باستمرار.  ما حدث من مفاجآت في الحياة تتزامن مع قبضنا فوق جمرِ قادمٍ مجهول ومُمزَّق، مما تكبر المأساة كما يكبُر الندم على بطولةٍ مُبتَكَرة بشكلٍ هازِئ ومشاع ولا لون له.  الفِكاك يجب أن يكون عاجلًا وسريعًا من هذا الإلتباس الخاص بقرائتنا لأنفسنا؛ هذه القراءة المأزومة والتي تُشكَّل خطرًا أدبيًّا على تناولاتنا للأشياء وطريقة رصدنا لل...

أيام غريبة (من نصوص قديمة)

  الكاتب: هاشم شلولة  الأيام الغريبة التي تمرّ من خلالنا بنصف قدم، تتركنا أمام أنفسنا وتخترق كل الأشكال التي تعبّر عن التحامنا بها، اختباءنا في جوفها، كراهيتنا الأبدية لما هو سوانا بدافع التراكُم. تتركنا متلعثمين وغير قادرين على صياغة ما هو جديد من نفحات الحياة سواء المكتوبة أو المُستنشَقة أو التي تُمارَس. حالة هدوء غامضة إلى حدّ الريبة _نرتاب نحن الذين غوانا الغموض عند النزيف الأول_ قد لا أنتبه لِما تستنفذه حالة الهدوء هذه مني أو فيّ؛ لأنَّ ما يحدث بالتحديد؛ هو عملية تآكل للمحاولات جميعها بأسماءها وصفاتها ومهامها، وبالتي هي أحسن، تآكل ذو وتيرة سريعة كسرعة الحُب والحنين والحياة والموت؛ حين تحتكُّ بنا ذاكراتنا. لا نستطيع الخروج من حالة اللامألوف الدائم والفاحش، والتي تستهلك قدرتنا على التفاعل مع الطبيعة الإنسانية. تصبح الأبواب مغلقة والأوقات ركيكة وخادعة وباهتة، لا ملامح لها. نعرف جيدا مقدار الفرق بين ما هو حقيقي وما هو واهِ.. رغم ذلك فإننا لا نتخلص من المذابح النفسية التي نقع فيها جرّاء هذا اللامألوف المفروض مع سبق الإصرار والترصُّد. نحن أسرى لأسرارنا التي نفني أعمارنا نخشى ان...

لستُ واحدًا من هذا المكان (من نصوص قديمة)

  الكاتب: هاشم شلولة لستُ واحدًا من هذا المكان، وأرفضه رفض الشيطان.. قد أتنازل عن أي فكرة باستثناء هذا الرفض القاطع والمُطلَق. لستُ من هواة التمرُّد أو العصيان، وإنَّ هذا الرفض يأتي من شعوري بالحاجة إلى نفسي ومعرفتها، وهنا لا أستطيع إيجادي.. كلّما تذكَّرتُ كيف يمكن لهذا المكان أن ينفي الإنسان في نفسه، يحبس رغباته وما ينشد داخله من الحياة؛ التفَّ حول عنق ركودي حبلٌ من الثورة لأصرُخَ مُختنِقًا، مُعبِّرًا عن قوة ومدى تمكُّن هذا الحبل من عنق الركود. دفعتُ فواتيرَ كثيرة لا عدد لها، وهذا الأمر أتعبني كوني في مكانٍ استأجرَتْهُ لي الحياة ووكَّلتني بالتكلُفة. لا أستطيع أن أُقاضيه _المكان_ وهو كذلك. كانت قطرة الدم الأولى يوم عرفتُ حقيقة أصحاب المكان، وتعرَّفتُ على نزاقة ما يجب أن يكون؛ أنا الحُرّ الشفيف والغض.. الذي كان مُجبرًا على تماهيه مع الأمل في البداية للوصول إلى مرحلةٍ من الاستيعاب لجبروت حقيقة أنني سجين ومُنقاد ويحيطُ به السَّفَلة والمُنحطون، الذين لا يتوقفون عن ترتيب أحرف اسمه حسب ما تراه وثائقهم الغبية والثابتة والتي لم تتغير منذ ميلاد الأسماء والصفات وأساليب الحياة. أكبرُ قبل ميعا...

غضب تفاعلي (من نصوص قديمة)

  الكاتب: هاشم شلولة كرهتُ كل شيء، كرهتكم جميعًا بأنواعكم وأفكاركم وألوانكم وانتماءاتكم.. كرهتُ حقيقتكم، وما أنتم عليه وراء الكواليس. إنها افتتاحية عقلي حين أفتحُ عينيَّ، وأنا مُلقى صباحًا على ظهري فوق السرير.. هذا الذي أُدرِك، وما سأظل مدركه إلى أن تخدمَ أجنحةٌ قُبَّرَةً.  أصواتكم مُزعجة، عالمكم مقرف، صوت مطارقكم الذي يُدَق في رأسي ليس هذا الصوت البروليتاري الذي قد تستثقله لكنك تحتمله.. إن ذلك خطأ كبير، لأنني أشعر بأنها ضوضاء تتعمَّدُ ترتيب الفوضى في الرأس التي لا تحتملها.  العاشرة صباحًا وقت استيقاظي المُعتاد من النوم بعد مذبحة أرق امتدَّت حتى السادسة والنصف، أموت خلالها وأحيا وأُنسى وأغرق وأُنقَذ وألتاع..  أظلُّ كذلك إلى أن تُطفِئني قصيدة فأنام..  بعودةٍ دائرية إلى العاشرة.  اليوم ولإنه يوم إجازة؛ لم أستيقظ على صوت المطارق ولا صراخ الجيران ولا صوت بائع الخضار الذي يتجول بالعربة في الشوارع، وينادي بمكبر صوت يوقظ الميت، وليس النائم فقط.. أيقظتني الأحلام المُزعجة أو أيقظني صوت ضحكي المُرتفِع كما يرى سيناريو الحلم  (هل أحرس أحلامي المُزعجة؟)  كنتُ ...

عند النوم (من نصوص قديمة)

  الكاتب: هاشم شلولة أضيعُ وحيدًا، وأغرسُ في الوسادةِ وجهي كتعبيرٍ عن رفضِ النوم لي أنا الذي يتآكلُ داخلي بفعلِ تداعيات الأرق، أسمعُ صوتَ عقلي وهو يُمضَع كما يسمع الحدس صُراخَ رغبتي بالكتابة. أنا الوحيدُ الآن بين الشموع وظلال فاجعةٍ تركَتْ في روحي سرًّا شوَّهني، نصفُ أمومةٍ وجواب؛ لا كلمة فيه سوى آثارٍ لدموعٍ ناشفة. أرتجفُ ويهتزُّ جسدي كُلِّه.. لأنَّ صورةً من زمنٍ مضى مرَّت من أمام عينَيّ كأنَّها قَبضةٌ لكمَتْ موضعًا حسَّاسًا في جسدي. أنا غريقُ الصِّور وأغنية التلاشي المُزعجة.. كيف أختار ما بين الفَزَعِ وصمتٍ أريده؟. كيف أرتِّب وجوهي العديدةَ حسب ما تريده _وجوهي_ من حصةٍ لإثبات خيريتها؟. أنا المُختفي بدقَّةٍ بين وجوهي، أتوسَّلُ للغة بأن تُخصِّص لي حزنًا أوضح فقد استنفذني الغموضُ كما تفعل الذاكرة عند مَطلع كل ليل، وكما تتعب الآمال الميتةُ من إعادة إحياءِ نفسها. كُلّ ما بي يصرخ حتى أصغر أصبعٍ في قدمي لأنّي أدركتُ لاجدواي ولا جدوى الحياة والموت، الفلسفة، الأمل، الوهم، الحقيقة، المحاولة... كل ما هنا غير مُجدٍ، ويجعلني أشعرُ دونما شكٍّ أنه ضدّي أنا الحاضر جنازة ترادُفي مبكِّرًا؛ بينما ك...

حلت عليك اللعنة يوم كذبت

  الكاتب: هاشم شلولة حلَّت عليك اللعنة يوم كذبتَ أول مرة، كنتَ البحر الغادر بالبحَّار الصغير؛ الذي استحضنك ونصَّبك أبًا للحقيقة الغائبة؛ المرجو قدومها وعمَّدك... لُعِنتَ لعنة اصطدامية، كسَّرَتْ عظامَ وجهك الأول؛ الذي يهجسُ بالتأويلات الباطلة في أعمق أعماقي. كان الصلاح خرافة القوم المطحونين برحى الميلاد سريع الخُطى. عَرِفتَ طريق البئر، مررتَ من أمامه، سمعتَ نجدتي ومضيت؛ مضيتَ بأبشعِ طُرُقِ المُضيّ. أما أنا؛ كنتُ أول أخيرٍ صدَّقكَ يوم سرقتَ هويّة المُعذَّبِ بنار القرى والأسماء والندم...  هبطتَ يوم عرجتَ، لأنَّ معراجك غير خَجِلٍ، عرجتَ من خلاء الأخلاق، النوافذ مفتوحة وبنات الحيِّ تسخر من جسدك العاري، كان حياؤك يستعيد صفاته من تعب المواعيد الساكنة وعيكَ الأول. لماذا يكذب الموتى؟.  ولو كنتَ حيَّا، ستكذب عليك الحياةُ مرة أخرى كما فعلَتْ أول مرة؛ لتخلقَ منك كاذبًا طويل الأمد، لا ينفذ كَذِبُه، وتُوهمك بفيزيا ما حولك أنَّك واضحٌ في المرآة، لكنَّها ليست المرآة، إنّه أنت الآخر المُنحَط، الباحث عما يُغذّي نواقصك المرضية. سريعٌ عبورُك كما جئتَ وارتكبت حماقة التنظير لصفاتك، ومضيتَ إلى ...

رثاء محمود درويش في ذكراه

  الكاتب: هاشم شلولة كان كل شيء غائبًا منذ البداية كأنه أنت، كأنّه وجه المدينة الراقص فوق مسرح التأملات لما كان وما هو كائن.  لو قلتُ بأنَّك لم تُغادر؛ ستُقاتلُني ظلالُ خلودِك فأنت الموت، وهو أنت، وكلاكما رهن بيد الخليقة والوجود والسنونوات المُتعبة...  محمود أصغر الكبار، وأكبرهم وأوسطهم وراية الصراع الإلتباسي المجنون بين ما هو مُراد من حقيقة الجموع وحقيقة الشاعر العدم، الصامت، الذي يكبر ويعبر كمصيبةٍ، ككارثة، كوجههِ قبل أن يقرِّرَ عدم الاعتذار عما فعل...  تكبُر الآن يا درويش كما تكبُر الطيور الغريبة، لأنَّ مدينتنا معًا أكسبَتْنا صفة العبور؛ الذي لا يتوقف عن ملامسة الثبات، تكبر في موتك، في غيابك، في صغرك، في خلودك ومؤقتيتك... تكبر لأنّك تصغر، وهكذا تصغر وتكبر معًا.  للشواطِئ والمطارات والمرافِئ... تسرد خُطاك الغائبة جمال القُبحِ وعلانية السر وسر العلانية؛ لأنّ نموّك ليس إلّا ضدًّا للخرائف والخرافة وغواية الصحاري... فاكبُر كيفما تشاء؛ لأنّك من تمتلك زمام رحلتك، أنت القبطان الذي لم يخُنه البحر، لكنّ الملح أغوته لحوم المراكب والبواخر كما أغوتك الزمنيّة يا شبح التغري...

من ضلالات الأعوام الماضية

  الكاتب: هاشم شلولة أمكثُ في السرير طويلًا، وأشعر أني فوق جبل، أنا اثنان؛ واحد فوق وآخر تحت، يمرُّ نظري بي (نظري من عُلُوّ) ساقطًا. أسأل باستهجانٍ: من جعلني اثنين؟.  أنظرُ صوب يميني (لا أحد)  الوردة الجافة التي تركتها بالأمس فوق الصندوق الخشبي الذي بجانب سريري غير موجودة، ثم تذكرت أن اتصالًا باغثني من امرأةٍ أعرفها تطلب المساعدة بصوتٍ مرتجف: "استغلني صديقك عديم الأخلاق"  من الممكن أن يحتمل الإنسان أن يكون غيره مخطئ لكن من غير الممكن اعتباره أداة للظروف  _كان ذلك عنوانًا عريضًا ليومٍ من أيامي مرَّ بي ونسيته ( نسيت اليوم)_  غير أنَّ ما حدث، وربما يحدث الآن (اليوم المنسيّ) كان حريًّا بي أن أكون متفائلًا فيه وضحوكًا حتى أتمالك نفسي خلال الحديث مع أحد عمال المجاري سابقًا، وقد تحوّل إلى ضابط أمن لخيانةٍ تاريخية طارئة من الوقت للحشود..  حسنًا؛ فعلت وقد قلت لضابط الأمن العامل:  "مُحيّاك بهيّ أخي العزيز"  _حقًّا؛ قلتُ "أخي العزيز" بملامح جدّية!  تذكرت أحد أصدقائي ذات مرة وهو يقول لي:  "لو كان سارتر هنا لبصق في وجهك"  لأني كنت قد طلبت م...

كذبة تُدعى سيمون دوبوڤوار

  الكاتب: هاشم شلولة في إجابة دقيقة وصادقة لنيلسون ألغرين على سؤال الصحفي ويذرباي له عن سيمون دو بوفوار بعد كتابة مذكراتها والحديث عن علاقتها معه يقول:  "لقد زرت بيوت دعارة في الكثير من البلدان، كانت المرأة فيها تغلق باب غرفتها، سواء كان ذلك في كوريا أو الهند، لكن هذه المرأة فتحت الباب ودعت عامة الناس والصحافة... أنا لا أحقد عليها، لكني أعتقد أن ذلك كان شيئًا مرعبًا"  -وجهاً لوجه "الحياة والحب". (هازل رولي)  _يُذكر أنَّ ألغرين كان على علاقة ببوفوار حين زارت أمريكا أول مرة وامتدَّت لوقتٍ لاحق، ويُذكَر أيضًا أنَّ بوفوار كانت "فاتحة سوبر ماركت" فيه الكثير من الرجال والنساء والقاصرات والقاصرين ومما يشتهي الفَرج.

في إشكالات العقل العربي

  الكاتب: هاشم شلولة العقل العربي بحاجة إلى إعادة تدوير، لطحن المتتابعات العقائدية والأيديولوجية اللتين توالتا عليه، ولم يحدث هذا التوالى برفق، بل باصطدامٍ محتدِم، خلق حالة كيّ جمعية أدَّت لسحقه إجمالًا. العقل العربي كان ولا زال خارج دائرة الحياد المُراهن عليها فكريًّا للنهوض بذاته، وتعددية احتمالاته.  يقف الآن هذا العقل حائرًا وخصوصًا كردة فعل مباشرة على خيبة الثورات التي أحرقَت ما تبقّى من أملٍ في تغيير شكل العلاقة بين العقل وهذه المتتابعات للسمو بمشهدية صائبة من شأنها كسب الرهانات المنوطة بنهضة العقل من خلال تعزيز علاقة الفرد العربي بهويته.  الحقيقة؛ أنَّ قدرة الظروف تفوقت على كل ما من شأنه أن يُقلِق عدم استمرار عملية إعادة التدوير. بات هشًّا بسبب تلك الإنكارات التي تعاقبت وأنهكَتْ كيانه.  الآن وبعد كل هذا الإستعراض التبريري لحالة الرّكود هذه، سيحاول النجاة بأي وسيلة من وسائل الإلتفاف على يقينيات مرتبطة بسرديات جديدة وتقدمية، تستطيع التصالح مع مكونات العصر الحاضر للخروج من أزمة الرمادية التي خَلَفَتْ تراكم كل المعطيات الخاصة بثباته ورماديته!. للأسف؛ لن ينجُ؛ لأنَّ...

شذوذ قديم

  الكاتب: هاشم شلولة نحن في حياة تضعنا أمام أنفسنا كما يضع المُحقِّقُ المُتَّهم أمامه، تحاول ابتزازنا من خلال صياغة ظروف إنسانية تخلق من سلوكنا هذا المرتبك والضال والخاضع لصراع لا بداية له ولا نهاية.  سينجب هذا الصراع سؤال الانتحار الطويل والمُمتد والمُشتبِك مع مُخرجات هذا الصراع اشتباكًا مُحتدمًا، يتوازى السؤال مع أهمية الانتحار كخلاصة لمجموع التراكمات التجاربية التي إن لم يكن كلها فمعظمها أليمة وتُشكِّل خبرة صادمة تفتح المجال أمام حضور الانتحار بقوة حين يتبنى الذهن فكرة الحلولية كردة فعل على هذه الخبرة.  بعد ظهور الانتحار على هيئة صورة للحل ستُبرَز التباينات الفكرية التي تفكفك الانتحار وتُصدِّر السرديات التي تشرعن حلولية الانتحار كأن يُوصل المشهد الانتحاري بالمصير، إنه لمن الحماقة أن لا يستطيع الإنسان التحكم بحياته، وأقول تُشرعِن؛ ليس لأنَّ الانتحار كحل غير شرعي في الأصل، إنّما كتسويغ تأكيدي له.  الانتحار فن كالحياة التي وصفها "يوسا" ككومة خراء، ويجب مواجهة هذا الخراء بالفنون، إذن؛ نواجه الحياة ربما بالحياة في حالة اتَّضاح ملامح علاقتنا السلوكية بها وسلامتها، ولكن ...

التفكير، الحياة والحب..

  الكاتب: هاشم شلولة يفكر الإنسان ربما ليصنع حياة، وربما ليعرف أن استحالة ذلك أمر ممكن وغاية ما قد يحدث.. مثلما يكون الحب والتفكير فيه، المفارقة أننا نحتاج كلاهما (الحياة والحب) ليكتمل ترتيب السؤال ومرئية البحث عن الإجابة في خضمِّ ألمٍ طويل يقود أقدامنا للسعي حول المتناقضات وفيها.. بحثًا عن جوهرٍ لأحد المفهومين؛ ففي غيهبٍ موازٍ لما هو غائب من كل هذا الوضوح السريق من غموضٍ مقطوع الأذرع، تكون الحياة هبة الموتى والحب هبة الصارخين من وحدةٍ أزلية تمتد على مدار الضفاف.. لهذا يستمر البحث المعجون بالصرخات، وتستمر حدقات عيوننا في الاتساع دهشةً وحزنًا على مآلات سعينا التي دائمًا ما تنتهي بخيبة مفتوحة الاحتمالات والرجاء بالخفة، فكل ما ينبثق ثقيل وأهوج ولعين.. لماذا يحيا الإنسان؟. لا أستطيع الاعتراف بلاشرعية السؤال أو مشروعيته، لأنَّ السؤال عن تلك الإزدواجية الجناسية ذاته غير مشروع، وكذلك سؤال لماذا يحب الإنسان؟.. فالمفهومين ليسا فنًا أو إبداعًا أو اجتهادًا، إنما حاجة تُربِكها الرغبة لتصبح الحاجة الأكثر نزقًا عندما تحتاجها الرغبة؛ فحاجة الرغبة استقتال يقود إلى اللعنة والتكسُّر لكل ما هو روحاني...

عن الجدارية

  الكاتب: هاشم شلولة الجدارية" أوضح تجسيد لمرض درويش باللغة، وارتباك علاقته بما تلامسه حواسنا كبشر، وغموض عالمه النفسي.. درويش نبيّ بدأ من حيث انتهى ميلاده، وكان غُلامًا صالحًا كالشيطان، الذي مزّق العدم، وشفعَتْ لاسمه الثورة. لم يسامحه الله لكن الجدارية صلاة، قد تغفر له ذنبا في ملحمةِ التكوين القائمة قيامة السؤال في صدر القصيدة الدرويشية العملاقة، والتي أعتقدُ بها مدرسةً شعرية استثنائية تؤكِّد على فضفضة الفن واتِّساع صدره، وإثبات أنه كزُرقة السماء واضحٌ ومريح للنظر.. درويش حَقَنَ جسدَ الكلمةِ بجرعةِ الليونة، وأسس مذهبا قويمًا وعملاقًا جديدًا للانصهار في التركيبيّن السماعي والمقروء للقصيدة، وتوافق الكلمة مع الصوت، كما ستجد ذلك بداخل الجدارية، اتصال رهيب بين حركة الشفاه والمكتوب. درويش جبار وشخصية مركبّة وعبارة عن طوابق، هذه الطوابق انهارت على مرتيّن؛ الأولى في "لماذا تركت الحصان وحيدًا؟" والثانية في "الجدارية"، حيثُ قلق درويش العذب، وحضوره المُلتبِس في المشهد الإبداعي بعموم تشكيلاته. درويش كان كمن وقف أمام القومِ في وضح النهار، شمّر عن يديه وقال متحديًا بعبقرية ...

الجسدُ روحٌ أيضا (من قديم الانزياح)

  الكاتب: هاشم شلولة حاجتنا المستميتة كبشر للروح، لا تلغي روحية الجسد وقداسته، واستطاعتنا على جعله غائبا حين نريد، من الضروري أن نتخلص من لعنة التلقينات بلاأهمية الجسد، كل ما هو مطلوب من قِبل الإنسان موجود فيه، ولكن تحت جسده، فالجسد هو غطاء كافة الأسرار، والمسؤول عن كل توزيعات النقص عند الإنسان، والتي تشكل داعيا مهمًا من دواعي هذه الحاجة الإنسانية إلى الغائب، رغم أن الجسد يغيب، حين يسكن وحين يهدأ وحين يهجع وحين يتأمل، لماذا لا نستطيع استيعاب أن حقيقتنا جسد؟. جسد وفقط، وهذا يكفي. يكفي أن تكون جسدًا كيّ تمشي في الأرض وتطير وتسافر وتغيب. الجسد حقيقتنا المُجاهَلة من قِبَل المناهج والسرديات الخاصة بعلاقة الإنسان بالظواهر، التي تترك سحرًا خاصًّا للأهمية في تأمُّل الإنسان.  أكذوبة الروح لن تطول أنفاسها أمام جبروت وقوة كل ما هو دلالي على نقيضها؛ الذي يتباين ويتماثل مع توافقه معها ويتراكم وضوحه، الجسد روح حين تحاول خطواتنا الاقتراب من الدقة كمفهوم وكتطبيق، عنوان خالص لذاتٍ خالصة دون محضِ تدخلٍ للنواقصَ حبيسة عقولنا.  للجسد آداب أيضًا، كأن يكون على وضوءٍ دائمًا!

القارئ شريك خلّاق للكاتب (سخريات قديمة)

  الكاتب: هاشم شلولة في كل ما أكتب من نثر أو شعر أو سرد أو حتى عقد إيجار، أحاول دائمًا أن أجعل القارئ شريكًا خلّاقًا بتأويله وتراكيبه وإسقاطاته المختلفة، ولكيّ أكون واضحًا؛ فأنا لا أكتب للناس، أكتب لنفسي أولًا وكيّ لا أتكلّم محترمًا بذلك صمتي، ودور المتفرّج والمراقب الذي اخترته لنفسي واحتارته لي الحياة ربما، ولقارئٍ يستطيع أن يأخد دور الشريك الخلّاق الذي ذكرته آنفًا ثانيًا... ولا أطمح من وراء الكتابة لشُهرة وذيوع صيت رغم سهولة الأمر عليّ لو قررت ذلك، فأنا ومن يشبهني كما قال سيدنا درويش عليه السلام لا عرش لنا إلّا الهوامش، ولو لم أكُن هامشًا معتزلًا الصخب والهبل والهوزعة القايمة لن أكون ذلك الشاعر الذي قررت أن يكون كذلك.. وكلما جرّتني الغواية، أتسمَّرُ في مكاني وأقول: لا أشبه هبلكم أيها الأوغاد وأراسل أبا ليلى قائلًا له "هجموا ي خال" وأعودُ إلى غرفتي الجميلة المُثقلة بخرابيش شعرية على جدرانها، أمارس طقوسي وسكراتي وهلاوسي بعيدًا عن كل هذا الهزاء الذي بلا قيمة.. هذه المرة لا أوصي بقراءة رواية أو كتاب، أوصيكم بقراءة قصيدة "أنا" وهي الثانية بعد قصيدة "ذاكرة المعطف...

استصراخ _من نصوص قديمة_

  الكاتب: هاشم شلولة في أوقات الانحسار واليأس واللاجدوى هذه... تنمو وتكبر حاجتنا للإيمان، ونتحوّل كعميان يبحثون عما يتَّكِئون عليه؛ لتجاوز زمن أغبرٍ كهذا ولكن؛ الإيمان حين يُثبِتُ لاجدواه في كافّة مقاييس الاعتماد عليه كحَلّ فإنَّه يتحوّل لمشهد من جملة المشاهد المُبدَّدة في حياتنا،  يصبح بلا قيمة أو معنى. كيف يصبح للإيمان قيمة أو معنى في ظل هذا التعرّي القذر والوسخ وغير الخَجِل، الذي طال كل توزيعات الطبيعة وإراداتها المختلفة والمتباينة؟ الرجالُ كاذبون والنساءُ بلا حياء. الأخلاق نكتةٌ كانت في السابق تثير الضحك، اليوم أصبحت غير مضحكة وباهتة وسخيفة. الصوامِعُ لا يخرجُ منها إلّا أصوات الأوغاد، هل يسمع الإله الصامت هذه الأصوات المقززة؟ كيف لا يشعر بالقرف من مجرد أصوات نشاز وأشبه بالخوار المُزعِج الممرِض للأذن والذائقة؟ كيف لا يشعر بالقرف من تكرار إيقاعها الصاخب والفوضوي والمثير للاشمئزاز والتقيُّؤ؟  آه.. أبكي من هويتي يا زوربا، أئنُّ وأقدِّمُ أحزاني تتاليا وبالترتيب الملل والباهت الفاقد لملامحه، ولا أستطيع اعتزالَ الصراخِ رغم أنَّه الآخرُ أصبح بلا قيمة أو معنى. يشبهُ ذلك مشهد ا...

غلبة الشر النظرية في العالم

  الكاتب: هاشم شلولة يتزايد الشر في العالم، وتبهت الحقائق، الناس ليس موتى، ولكن تداعيات الزمن كانت أقوى وأخطر، هل حمتنا الأفكار أو تعرفت علينا فلسفاتنا؟ وهنا.. بالضبط؛ تتجلى قمة الشر، حين تتضاءل علاقتنا بالحياة، وفي الوقت ذاته؛ ننمو ونكبر بلا حقائق أو أفكار تحمينا؛ تلك الحقائق التي لم نتوقف عن الدوران لأجل الوصول إليها، حطَّمنا طول الطريق المؤدِّ إليها. الآن وبفعل الزمن وأدواته وقوته الموجهة نحونا... إنه لمن الواجب علينا أن نستتر أو نهرب من الأفكار التي تكذب علينا المعرفة بها، الأفكار لم تعُد مجدية على الإطلاق ولا قيمة لها.. فلماذا نفكر؟ لماذا نُتعِب خلايا أجسادنا التي دغدغها القلق؟. رغم أنَّ هناك ما يوجد من المهسترين؛ لا زالوا يؤمنون بالأفكار وبدورها في اكتشاف شكل الجنون الذي افترش العالم، وأسس فيه للجفاف، للعلاقة الفاترة والمنكسرة بالحياة. ما يحدث؛ معادلة مسعورة؛ لا تتوقف عن نهش جسد محاولات الأمل النحيل، والذي لا يحتمل أي صفة. ما يحدث؛ هو نشاز فلسفي خطير، يترك فينا كل مسوغات التنافر مع الحيوية التي قد نحتاجها لنكمل الدروب التي اختارتنا ودون ذنوب الأسئلة؛ التي ينفثها عقلي كسخرية م...

بينما يبكي عقلي

  الكاتب: هاشم شلولة بينما يبكي عقلي، ويتجدَّل مرّة أخرى، ويُكرِّر ثَنيَاتَه، صادفتُ في مكتبتي مجموعة قراءات للذة، وكنتُ كغيري من المحتدمين الغاضبين، لكن أستوعب لضرورة الشاعرية أنَّ اللذة أعمق من حدِّها الشهوني، وأبعد، لكنّها لا تخلو من موازاة مع الشهوة. فإذا بنص مؤجَّج بقدر هدوئه لجدي الذي أقام مستلذًّا في أثينا، ولم يستطِع النسيم محوَ آثاره أبيقور عليه السلام، وهنا كان الذهول، كأنّه يصرُخُ في أذني قائلًا: اللذة في عدم التجاوز، تجاوز حجمك ولونك وصورتك... اللذة سكنٌ وسكينة. شعرتُ بإحباطٍ شديد، لأنَّ تجاوزاتي التي تطول لائحتها أوصلتني لمرحلة من الإشباع للدرجة التي لو كنت فيها مكان موسى النبي مع ولي الله الخضر، لم أكُن أسأل عن تفسيرٍ لأفعالِه، وسأستطع معه صبرًا، ليس لأني أعرفُ جملةً واحدة من اليقين؛ لكنّه الإشباع الحقيقي من التفاسير والتأويلات ورغبة الفهم أو الوصول.. هناك الكثير لم أصله لكنّي عرفته، وأن تعرف يعني أن تُقدِّم استقالة من مزاولة الحياة، وتنحو ناحية زاوية من زاوية العالم مُراقِبًا، والمُفارقة الأكثر حزنًا هي أنني أفقد الرغبة في تدوين ما أراقبه، وحدث ما خشيته على مدار تجرب...

في وداع سعدي يوسف

  الكاتب: هاشم شلولة. سعدي يوسف قد يموت، وقد تؤكد أخبار الصفحات الثقافية ذلك، لكن التباسيته كإنسان أولا وشيوعي ثانيا؛ شيَّع التشابه مذ أول طلّةٍ أطلها.. تنفي نفيا مطلقا هذا الموت. عرفتُ سعدي من بودلير وأزهار شره، ذلك الكتاب الذي سرقته من مكتبة بلدية خانيونس في شهر يناير ٢٠١٨، ومن قبل بودلير عرفته من أعمالٍ كاملة في سن ال٢٠ من رجل مريض أهداني إياها حتى أكون بليغا بالغا حتى لو لم يكن ذلك حقيقيا لكنه جعلني كذلك، وليس كذلك تشبه حفّة الشعر التي مشيت مع سعدي يوسف جنبا إلى جنب عليها، وبكل سعي لاستيراد وجها آخر للشعر. كان سعدي هو الشعر وهو العراق وهو صلة درويشنا بالعراق.. من ذا الذي سيشيعك ويجرؤ على فعلٍ بخسٍ كهذا أو ذاك؟. سعدي يوسف كان لون العراق الذي صبغ شِعرا حالما، وسطَّر على جُدُر العالم أسماء الموحد وأسماء الجدل وصفات الجدال.. كان رئيسا فخريًّا لنفسه حتى أنَّ من عرفوه قالوا نزِقًا، وما هو بنزق.. كان في وسط القحط ترِفًا من حيث ذاته ونفسه التي لم يرَ سواها في هذا العالم، ولم يكُن فاتحًا للبدائل حضنه الساعي إلى شِعرٍ، إلى ألمٍ، إلى أملٍ ربما.. يا صاحب السمرة التي أرّقها البياض، وسلب...

الحب كمعضلة

  الكاتب: هاشم شلولة الحب كمُعضلة تخضع للتحقيق من قِبَل الذات وتفحُّصها جيدًا على أنها مادة حلولية، يلجأ إليها الإنسان لمواجهة أزمة وجوده ويحدث هذا تلقائيا، لكنّ مضامين التحقيق الذاتي هي مضامين خاضعة لمواقف وخبرات سابقة في الغالب تكون مأزومة وغير متضحة أو سوية. لهذا يتم إساءة استخدام الحب من خلال تحويله إلى إمكانية دفاعية، تُستحدث وتتجدد تحت طائلة سلوكية تكون على هيئة الشكل التطبيقي لهذا الحب، الذي ما إن تمت مباشرته أكان ذلك روحيًّا أو ماديًّا فإن كثيرًا من المعاني الخاصة بالسواء النفسي تُفقَد لضرورات تركيبية هووية خاصة بالتناول الإنساني المُعقلن لمادة الحب. إنَّ تماهِي الحب أو توازيه مع متطلبات النقص التي تفرز هذا الارتباك المتزامن مع مباشرَة الحب التلقائية التي يتم تحقيقها فوز تفاعل العقلين معها؛ فإنَّ قيمة الحُب كفكرة تتضاءل إلى حدِّ السقوط لأنّه تم تجاوز مبتغى الحب المرجو من قِبَل إمكاناتنا النفسية لتقديم الحب كحَل، وبذلك تسقط مشهدية توظيفه الحلولية كردة فعلٍ حادّة على سقوط قيمته، مما يقتله كحُب، ويلغي أهميته كمُدْرَج أسلوبي للنجاة، ويخلّف ذلك خيبة تُغطي بشكلِ الغطاء التام مُست...

ما تراه عين الرصيف

  الكاتب: هاشم شلولة أُناسٌ فقدوا القدرة على النظر، والملفِت أنَّ عيونهم سليمة، طفلان بجانبي وأنا أجلس على الرصيف؛ أحدهما يجمع الطين ويهشمُهُ، وقد أعادني ذلك إلى شقاء عمِّنا العزيز عزازيل وهو يعبث بالطين الآدمي حين بدأ الله بنحت أبينا، الطفل الآخر يربطُ قطعة من الحديد بحبل متين وربما سلك يضربُ بها الأرضَ ويرقص ويركض ويضحك... في مساحة لا تتجاوز المترين، وقد تذكرتُ أحد أصدقائي وهو يقول: "إنّه نصيبنا في الرؤية من المكلبة" ضحكتُ بتثاقُل، وحرفتُ نظري صوب ناحية أخرى فوجدتُ ثلاثَ نساءٍ؛ واحدة تضع النقاب وتُبرِز مؤخرتها من خلال عباءتها الضيقة، شعرتُ لحظتها بالشفقة الملوثة بملوحة الاعتراض، والأُخرتان تقفان بجانبها؛ إحداهنَّ تبدو كمُهرِّجة من شدّة وضوح الطلاء على وجهها وغماقته.. أما الثالثة فقد كانت تُطيل النظر في سيدة يبدو أنها برجوازية ترتدي بنطالًا، وتسير إلى جانب زوجها، كانت تُعبِّر بهذه الإطالة عن الندبة من خلال يدها حين ترتِّب خُصَلَها التي حررت نفسها خلاسةً من قبضة حجابها الأسود.. كان سؤالًا وحيدًا ومُلِحًّا حول توزيع صفة الله على الناس، واستخدامها من قِبَلِهم وهو.. كيف من الممك...

ما يصل من العاشق 2

  الكاتب: هاشم شلولة عزيزتي، مجدَّدًا..  لم أكُن أتصوّر أن أكون بهذه الشجاعة التي أخذت بيدي للكتابة لكِ مرة أخرى. هذا التردد؛ ليس جُبنًا أو خشيةً أو ما يشبه... إنّما حفاظًا على خارطة كبريائي التي رسمتُها منذ فجرِ عمري، أخشى اجتراحها بكلمة أو نظرة أو حتى نسمة هواءٍ عابرة... ربما ذلك خطأ وربما صواب، لكنَّه الحاصل والمستمرّ في الحصول. كعادتي؛ سأعتذر عما أفعل قبل فعله، لكنّي في حالةٍ من الضياع المفاهيمي والالتباس وصراع الأضداد في رأسي، ويبدو أنها جذوة الصراع، والتي أعتقد بأنها كانت الدافع المباشر والعاجل والطارئ الذي دفعني لمُراسلتِكِ قهرًا.  باسم الحب الغامض والصمت، باسم الأساطير الكثيرة، باسم الرجفة التي تتعربشُ أطرافي الآن وتجعلُ مني خارج أعصابي، باسم امرأةٍ مرآة وعاشقة لا تُغادِر، باسم الوقت الذي تفوَّقَ عليَّ وكسِبَ الرَّهان. أُقدِّمُ لوعتي إليكِ، أقدِّمُ رغبتي المقهورة بكِ، أقدَّم مَرَضي باسمكِ، بصوركِ، بابتسامتكِ غير المألوفة، التي لا تشبه ابتسامات البقية من نساء هذه البقعة المأزومة. إنه ليؤسفني ويحزنني الاقرار بفشلي في معرفتكِ التي حاولتُ جاهدًا الوصولَ إليها على مدار...

ركود عميق

  الكاتب: هاشم شلولة ركودٌ عميق يحتلُّ انفعالاتنا، والغريب أننا ندرك هذا الركود، لكننا لا نحرك ساكنًا أو بالأحرى لا نستطيع. وساوسٌ كثيرةٌ تُلاحِقنا، لكنّها وساوسٌ صامتة، تأتي كذلك وتذهب كذلك، صامتةٌ خفيفة كاستجابةٍ لهذا الركود، وكعَرَضٍ من أعراضه.  المشاهدة لهذه المسرحية؛ هي خيرُ فعلٍ لكَيّ هذه المهزلة، حتى أنَّني أكتبُ الآن بشكلٍ راكدٍ، يشبه وجهَ الأشياء هنا وأتساوقُ مع فكرةِ أنَّها مهزلةٌ بشكلٍ عاديّ. لا ردود أفعال، حتى الانفعالات بات صوتها مختنقًا. غيرُ قادرٍ على معرفةِ أيَّ فاتورةٍ أدفع لكنّي أعلم أنّي إنسان خَمَدَهُ الإحساسُ بشكلٍ مُهين ومُرتاب وفي غيرِ محلِّه.. أظنُّهُ خمودًا أبديًّا، وأعقدُ أملًا على الوقتِ وهو غير المُوتمَن في تلطيف هذا الخمود وتدعيمه بأسبابِ بقاءٍ جديدة، وجَعْلِه درجة من درجات القناعة حتى أتخلَّص من دوافعِ النَّدم التي قد تنشطُ بين الفترة والأخرى.  الحقيقة؛ أنَّ تتابع الإحباطات والإسقاطات خلق منا هؤلاء الأشخاص الذين فقدوا المعنى، وطُرُق التَّفاعُل مع الحياة، وانزووا في منطقةٍ ما من مناطقها المُحايِدة بشكل الحياد المُطلَق، الذي يصل مرحلة الانسحاب....

أبي في كل مرة

الكاتب: هاشم شلولة لم يتركنا أبي نكبر كما نشاء، ولم يتركنا نعرفه. صنع لنا سِكّةً من استيقاظاته الباكرة، وحبات العرق، ومزيج من الخُطى المُتناثرة، وقال اعبروا..  -إلى أين أيها الأب الصالح؟  -إلى الأحلام يا صغاري.  آه يا أبي! عرفناك مجددًا حين قلتَ ذلك، عرِفنا كيف لقُبَّرَةٍ تولد مبتورة الرأس أن تسمعَ صوتَ الهواء.  لم أكُن أكرهه، لم أكُن أحبه.. كان غائبًا، يخبِرُ شيخًا ما من الذين يجلسون معه في دكانه في سوق المدينة القديم أنَّ له ابنًا يملك عينين خضراوين، وشَعر ذهبيّ. كان حاضرًا كضمادة الجُرح حين تنزف القصيدة، وحين يتأخّر عن الحضور، كان يبعث بظلّه مؤقتًا إلى أن يوفي الكيلَ لامرأةٍ كانت تشتري منه صاعيّنِ من الملح دون مقابل.  كنتُ أحب غيابه لأن ذلك يمنحني اللعب مع بنات الجيران مساءً بحرية، ويمنحني التدُّرب على الخيبة. على اليُتم، فقد قال لي ذات مرة: إنّي أغيب لأُعلّمك كيف تحبني حين أموت، غدًا سأموت يا بني في وقت لاحقٍ من الوقت. يا أبي؛ سأتعوّد على الغياب، ولن أحبه كالعادة إلّا حين تعود..  لم يكُن أبي يشرب القهوة في البيت، كان يشربها وحده في السوق كل يوم صباحًا، ...

في جماليات المطر

  الكاتب: هاشم شلولة إنَّ صوتَ المطر، وهو يسقط ثمثيل لرعاية كونية تخص الحواس، وتُشعرها بلافردانيتها حين تفقد كل الحصون، أشبه بمجموعة أيدي تلفُّ تاريخ الإنسان الطويل المُعبَّق بفُسحَة الترك والانعزال وحقيقة أنه وحده تحت السماء. رعاية قد تتجلَّل بالإحاطة الحامية، التي تضرب جذور الجفاف الأبدي الطويل. تُبلَّل الأحلام، ومن هذا البلل تأخذ شرعيتها الساخطة على العدم الذي يطول اتّساعًا مفقودًا، نفني حيواتنا بحثًا عنه لنغفر ما ارتكبته الأسماء في الأفعال، والأحداث في مُحدِثيها، والأزمنة في أقدام سيرها نحو صفاتها وسعيرها ونعيمها.  الحنين الذي يخوض معاركًا مع قطرات الماء المنسية في حضن أوراق الزيتون التي تكون في حراكٍ دائمٍ مع نافذتي؛ لتتدلى فتصدها النافذة، هو الحنين الساخط الناقم والقوي الجبار على عكس ذلك الحنين الذي قرره الفن، وفعلته قصائد الشعراء الكثيرة التي قالت الحنين، ونثرته في هواء العالم كالرذاذ.. الحنين العنيف الذي تسهّل ماء السماء طريقه من حيث ينطلق من قلب من أحببنا يومًا وعشنا سويا عشقا حلوًا كان الشتاء هو الشاهد عليه، ومن يعطيه حق أن ذكرى وتذكرة عبور للحدس والنص والصورة والسير...